#1    
قديم 08-17-2016, 11:49 AM
الصورة الرمزية ابومحمد قاسم
ابومحمد قاسم
+قلم دائم الاحتراف+
 
 
الانتساب: 15 - 9 - 2010
الإقامة: الشمال
المشاركات: 16,081
معدل تقييم المستوى: 23
ابومحمد قاسم is a glorious beacon of light

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 

الانتخابات المحلية الفلسطينية في خريطة الخراب


أغسطس 17, 2016

مقالات
لقراءة المادة على الموقع الأصلي انقر هنا
سمير الزبن
على الدول الحديثة أن تعمل في مواجهة هذه العصبيات بقوانين موضوعية ملزمة، لأن قدرة النظم السياسية على الحكم في العالم الثالث، وبالتالي فلسطين، تمر عبر اختفاء العصبيات، فالقبيلة، والتنظيمات التي تشابهها القائمة على الولاء الشخصي.


تواجه كل دولة، بوصفها نظاماً للحكم، مشكلة الشرعية، لأنها تريد من مواطنيها أن يطيعوا أوامرها وسلطتها، ليس من موقع الطاعة السلبية اللافعالة فحسب، بل من موقع الاقتناع بأن الطاعة صحيحة، لأنها تحقق مصالح العموم أيضا. والشرعية القانونية هي الأساس الملائم للدولة الحديثة. وهذا النوع من الشرعية الذي يستهدف الطاعة المتحققة أخلاقياً ملازم للأوامر، بفضل الحقيقة المجسدة بواسطة الفكر القانوني، لأنها تصدر وفقاً لمعايير عامة وفعالة. وتُبنى فعالية هذه المعايير بدورها على كونها صدرت وفقاً لقواعد إجرائية، أنيطت بدستور الدولة. والغاية الأخلاقية التي تجعل الدول الحديثة قانونية هي ترويض السلطة، ومنع شخصنتها في الممارسة. وحيث تنشأ السلطة، وتنظم بواسطة القوانين العامة، حيث الجميع متساوون أمامها، تقل فرص ممارسة الاستبداد، ويقل عنصر الإذعان الشخصي في علاقات الأفراد على نطاق واسع، بالنسبة إلى الذين يمارسون سلطان الحكم شاغلين مناصب محدّدة ومسيطراً عليها قانونياً. أما بالنسبة إلى علاقاتهم السياسية في الواقع، فإن الأفراد لا يمتثل بعضهم إلى بعض، بل يمتثلون إلى القانون.
إذا قارنا هذا الأساس المشرعن للسلطة الحديثة، كما أثبتتها تجارب الدول الأكثر ديمقراطية وحداثةً، مع تجربتنا الفلسطينية، فإن الوضع الفلسطيني يُشعرنا بالخجل. لأننا نسير ضدها على طول الخط، فإحدى أعقد المشكلات التي تعاني منها الدولة في العالم الثالث، ونحن منها، هي الولاءات القبلية والعشائرية والطائفية. وعلى الدول الحديثة أن تعمل في مواجهة هذه العصبيات بقوانين موضوعية ملزمة، لأن قدرة النظم السياسية على الحكم في العالم الثالث، وبالتالي فلسطين، تمر عبر اختفاء العصبيات، فالقبيلة، والتنظيمات التي تشابهها القائمة على الولاء الشخصي، لأن هذا النوع من الولاءات يدحض مبدأ العمومية مرتين: الأولى، حين يعرقل بناء مجتمعٍ مدنيٍّ قادر على السمو فوق الخصوصيات المحلية، بحيث يتمكّن المجتمع من صياغة وطنيةٍ عامة تظلل الجميع. الثانية، حين تكبح هذه الولاءات عملية ارتقاء مجتمع عمومي حديث، يقوم على عمل مؤسساتي غير مشخصن. ليس هذا ما تم العمل عليه فلسطينيا، بل على العكس، تشجع السلطة الوطنية الفلسطينية الانتماءات التقليدية وتعزّز التبعيات الشخصية، وتقوم بإنتاج قبائل فلسطينية ريعية حديثة، بتوظيف مساعدات الدول المناحة، عبر شراء ذمم الآخرين، أشخاص وفصائل تابعة، بحيث تظهر السلطة بوصفها مانح مساعدات للشعب، وأن رواتب “الانتخابات ستعزّز العلاقات القبلية والعائلية والعشائرية في ظل ضعف القوى السياسية” الموظفين ليس حقهم مقابل عملهم، بل هي منّة من السلطة إلى المواطن الفلسطيني، بهدف تعزيز مواقع شخصيات محدّدة في المجتمع الفلسطيني. وفي الوقت الذي ينجح فيه النظام السياسي الفلسطيني في ذلك، يقوّض إمكانية الانتقال إلى الدولة، بالمعنى الحديث للكلمة، فهذا التشجيع لعلاقات التبعية العمودية لا يكون إلا بمواجهة العلاقات الأفقية التي تحتاجها الدول والمجتمعات الحديثة، وهو ما يحتاجه أكثر مجتمعٌ ما زال يخوض معركته مع الاحتلال، فهذه العلاقات الأفقية الحديثة تشكل أساس المجتمع المدني، القادر على بناء تضامنات موضوعية، تجعل من مصلحة الجميع الوصول إلى إنجاز الانتقال إلى الدولة، متجاوزةً الصيغة التقليدية للراعي والقطيع، والذي يكمن في صلب العلاقات التقليدية التي تعيد السلطة إنتاجها، والذي يبدو أن السلطة الفلسطينية مرتاحة لتدعيم قوتها بهذه العلاقات، لأنها أكثر مطواعيةً لتلقي الأوامر المتعارضة مع القانون.
تفكّك الحركة الشعبية والتراجع عن إمكانات المشاركة السياسية، ووجود فصائل سياسية مرتهنة في تمويلها للسلطة، تجعلها تابعةً بطريقة مذلة، خصوصاً في ظل معركةٍ لا تزال قائمة مع الاحتلال، وذلك كله يمنع، مرة تلو أخرى، تطوير النظام السياسي الفلسطيني الذي وصل إلى مرحلة الاهتراء.
في هذا السياق، لا تأتي الانتخابات المحلية الفلسطينية بجديد على هذا الصعيد، وبالتالي، ستعمل على تكريس المكرّس، بصرف النظر عن الفائز في الانتخابات. لأن البنية الأساسية للنظام السياسي لا تأتي من الهامش، على أهمية هذا الهامش، بل هي تأتي من الرئيسي، من البنية
“الانتخابات المحلية الفلسطينية ستعمل على تكريس المكرّس، بصرف النظر عن الفائز في الانتخابات” التمثيلية السياسية للمجتمع في الأطر السياسية الأعلى. بذلك، فإن انتخابات بلدية، من دون انتخابات رئاسية وانتخابات مجلس تشريعي، لا يمكن اعتبارها خطوةً ذات قيمة في سياق مسار الخراب السياسي، الذي يشهده الوضع الفلسطيني منذ سنوات. إضافة إلى ذلك، فإن الانتخابات المحلية، في ظروف كهذه، ستعزّز من العلاقات القبلية والعائلية والعشائرية، في ظل ضعف القوى السياسية الفلسطينية، وفي ظل موقعية هذه الانتخابات، لتشكيل مجالس حكم محلي. ففي مثل انتخاباتٍ كهذه، فإن فعالية علاقاتٍ كهذه تكون أكبر منها من حالة انتخاباتٍ عامة، رئاسية كانت أو تشريعية، لأنه كلما صغرت الدائرة الانتخابية كانت العلاقات العشائرية والقبلية والعائلية ما قبل الحديثة أكثر قدرةً على فرض مرشحيها، وإيصالهم إلى هذه المجالس. وبالتالي، لن يكون من الغريب أن تعزّز الانتخابات المحلية هذه العلاقات على حساب علاقات المواطنة الأكثر عمومية.
بالطبع، هذا لا يعني أننا ضد الانتخابات المحلية، لكن هذا توصيف للسياق، الذي تأتي فيه هذه الانتخابات، فليست كل انتخاباتٍ حلاًّ للمشكلات، هناك انتخاباتٌ تعقّد الأوضاع، وهذه الانتخابات من هذا النوع، في ظل افتقاد توافقٍ فلسطيني عام على بنية نظام سياسي، يتم العمل في إطاره، فالانقسام الفلسطيني دمر هذا الإطار. وبالتالي، لن تعيد الانتخابات المحلية اللحمة له بقدر ما ستكرس المكرس.
في ظل المؤشرات السلبية، التي أعطتها السلطتان في الضفة الغربية وفي قطاع غزة لإمكانية قيام سلطة تحترم القانون والمواطن خلال العقد المنصرم، وفي ظل وجود قوى سياسية تابعة ومرهونة للسلطتين، نفتقد حامل المشروع الوطني الفلسطيني، مما يجعل الانتخابات المحلية فائضةً عن الحاجة، مع فقدان الرئاسة شرعتها الانتخابية، وفي ظل الاسترخاء لغياب مجلس تشريعي تمثلي منذ عقد. الحديث عن انتخابات محلية في مثل أوضاعٍ كهذه يبدو من نوع

السخرية المرّة التي عرفها الفلسطينيون كثيراً في تاريخهم الحديث المأساوي.




العربي الجديد