#1    
قديم 08-01-2016, 02:48 PM
عطية العمري
( باحث تربوي )
 
 
الانتساب: 13 - 6 - 2005
الإقامة: :: غزة فلسطين::
المشاركات: 2,040
معدل تقييم المستوى: 15
عطية العمري has a spectacular aura about

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 

قصةٌ واحدة وعِبَرٌ كثيرة
الدّهرُ يومَانِ : ذا أمنٍ وذا خطر *** والعَيْش يومَان : ذَا صفوٍ وَذا كدر
أمَا ترَى البحْـــر يعدُو فوقَه جيفٌ *** وتسْتقر بِأقصَى قاعه الدرَر
وفِى السماء نجُومٌ لا عِداد لهَا *** وليْس يكسِفُ إلا الشمْس والقَمر

مَا أقسَاها مِن حيَاةٍ حيْن تبعُد عنِ الله...غَفلة ...وحسْرة...ندمٌ ...وقسْوة
لكن ما أجملُ اللّذة بعدَ الهداية وما أجمل الطاعَة بعْد مرارةِ المَعصِية
كَلمَات تنهّد بِهَا المهنْدس الشاب أمامَ برجٍ شارفَ على إنهاءِ بنائه ..وَقف شامِخَ الرأسِ عزيزًا ، يَنظر إلى مبْناه .. عائداً بذاكرتهِ خمسة عشرَ عاماً .. حينَ كانَ صغيراً في مديْنته....
وسرح بفكره قائلاً :
كنّا نرفُل في نعيمٍ وتَرفٍ وثَراء ... والدي صاحبُ مصنع الغَزلِ والنَسيْج ... وأمي صَاحبةُ الحسب والنسب العريق ... وأنا وأخواي ننْعم بالمال وَلا رقِيب...جَميعنا ندخن وَنتسَابق في غيرِ ذَلك مِن المحرّمات ، فهَذا آخى الأكبر يُصاحب الفتيات ، وأخي الأوسط يشرب المسكرات ، وأنا اكتفيت بالتدخين ؛ فهم يقولون : ما زلتَ صغيرًا ... ولى من الأخوات اثنتين تتابعان بِنَهَمٍ خطوط الموضة والأزياء ولهما كل أسبوع ما شاءا من الملابس والتسريحات.
كانَ يومنا لا يختلفُ عن غيره مِنَ الأيام .. لهو ، و ضياع .. ليلُ الناسِ نهارنا ، ونهارهم ليلنا
نستيقظُ ما بينَ مُدخنِ و سكير ، ومشاهدٌ لِأفلامِ العُهر والتمثيل...وأختاي تتبادلان حديث اللاهيات الغافلات .
وبينما حالنا كذاك .. نغطُّ في نومٍ عميق قُبيلَ أذانِ الفجر ، ولا نستيقظُ إلا بعد ظهرِ اليوم التالي.
أما عن الصلاة فلا نُصلي أيَاً مِن فروضنا .. إلا أحيَاناً صلاة الجُمعة ..
أغيبُ عن مدرستي لتأخري ، وبالطبع يفوت إخوتي محاضراتهم .. قَد يلحَق أحَدهم بمُحاضَرته الأخِيْرة ، وقد لَا يَنهَض و يكمل نَومه حتى العصر.
كانَت أيامنا كلّها مُتشابهة ، تنتهي بالأفلامِ وَالمَسارح ، لتبدأ بالسينما والمَلاهي ، والخُروج بسيارتنا واصطحاب الفتيات .
كانَ دوْري أن أُراقب ؛ فَسِنّي ما زال لا يُتيحُ لي ذاك المُستوى مِنَ الحُرية !!
كلّ يومٍ تزدَاد أمانِينا وسعَادتنا الزَائفة بفِعل مَا يحلُو لنا ومَا نشاء...فَلا رقيْب عَلى المَال والأخلاق والأفعال... ولا رادع لنَا بعدما بعدت قلوبنا عن الله .
كنّا نعتقِد أنّ هذهِ هِي الحياة والسعادة ، هَذا هو الهناء.
..
نأكل و نشرب مَا لذّ وطاب..
وَنُسيّر أنفسنا كَما نشتهي ولنا مِن متاع الدنيا مَا لنا.!.
في ظِل ذلك كان مِنَ المُحالِ و هيهات أن نَجِد السعَادة وَ نحن قدْ بعدنا عن الله بُعد المشرِقيْن والمِغربين .
أتعتقِدونَ أن في المعَصيةِ مُتعَة ولّذة ؟!
لا ورَبي كانت الشْقَاءُ بعينه ... ذنوبٌ وحسرات ، تضييعٌ للأعمارِ والأوقات
كُنَا أحياءً بالأجسَادِ والأرواح ضائعة ، ميتة
فأمثالُنا مثلَ حَيٍّ بينَ الأموات
قال ابنُ القيم - رحمه الله- إضَاعةُ الوقتِ أشدّ مِن الموت
لأنّ إضاعة الوَقت تقطعُك عن الله والدّار الآخرة ، وَالمَوتُ يقطعُك عَن الدّنيَا وأهلها.
استَمرَ الحالُ بِنا هكذا ، بل وزاد عن حده ... بعدما انتهى عامنا الدراسي... قررَ والدي أن يبتعد عن جو العمل...
ذهبنا جميعاً في نُزهةٍ على شاطئ البحر...
مكثنا أسبوعا وخُيِّلَ لنا أن لم نكن نحيا قبل ذاك!!!
زِدنا مِنَ اللهو والمَعصية وما كان لأيٍّ مِن شهواتنا حدود...
أنا و أخواي غارقين في شتى المحرّمات ،وأمي وأُختَاي في زيّ المتبرجات الفاتنات ... يُظهِرن من أجسادهن أكثر مِمَا يُخفين ..!
وأبي كانَ في المنزل يُشَاهِد المُسلسلات والفضائيات ومَا شاء مِنَ المُحرمّات ، بين أُغنيةٍ ودُخان ومعاص بِلا حرمان....
أنهينا أسبوعنا وكان مِنَ المقرر أن نعود إلى منزلنا. أذكُرُ أننا ألححنا على والدي للمكوثِ أسبوعًا آخر ؛ فما رأينا مِن أبوابِ الحيَاةِ التي تفتحّت لنا جعلنا نَستصعب تركه.!..!
وافق والدي على أن يذهب لمبَاشرةِ عمله ويُعاودُ الحضور لِأخذنا عند نهايةِ الأسبوع ... فَرِحنا وطار الجميع سعادةً و طرباً للمكوثِ فيما كُنا من متَع الحيّاة واللّهو والمَلذات .
..
مَرّت أيامٌ ثلاث .. وفي كُلِّ يومٍ تزداد مُتع الحيَاة ونُكثِرُ مِن المعصية واللهو ونزيد ما نُريد لإشباع رغباتنا .
في اليومِ الرابع اتصل والدي أن أرسلتُ لكم سائقاً لتعودوا الآن فجهزوا أمتعتكم وأغراضكم .
وجدْنا بنَبرة صوتِه شدّةً وصَرامة فِي الوقتِ ذاتِه يختلط الحُزنُ فيها.....
لم ننبس ببنت شفة ، ولم نجرؤ عَلى سُؤاله : ما سَبب هذَا التغيير المُفاجِئ ، وَاستبدَّ بنَا القَلق .
بدأنا بتجهيزِ أمتعتنا و جَلسْنا ننتَظر السَائق
..
وصَلت السيّارة وركبنا ، يُصاحِبنا الخوف والقلق بصورةٍ لمْ نعْهَدها مِن قَبل.
فِي أثناء الطرِيق لاحَظنا أن السَائق يبْدو حزيناً هو الآخر فبَادره أخِي السُؤال:
- مَاذا حدث يا عماه؟
أجَابَ مُحاولاً التهرب :
- حدث أين ؟ تقصِدُ أحوالي؟ هِي بخَير و الحَمد لله.
- لا ليس عن أحوالك أسأل بل عَن السببِ الّذي جَعل والدِي يطْلبنا قَبل انتهاء المدّة .
سكت برهة من الزمن ، ولمحتُ في عينيه مدامع ، وعلى وجههِ بدت علاماتُ حُزنٍ وألم.
غَمزتُ أخي أن أنظر إليه ما به ؟ و لِمَ لا يُجيب .
فكرر أخي السؤال :
- ماذا حدث يا عماه؟
- أخبرني والدكم ألاّ أتحدث.
لمـاذاا ؟!
نطقنا جميعاً في نَفَسٍ واحد..
- لأنه يخاف عليكم...
- مِن ماذا ؟
- مِنَ الحُزن !
سكت السائق و لم نفهم ما يرمي إليه...
بادرت والدتي السؤال...
- ماذا حدث ؟ أخبرنا قبل أن نصل .
ولشعورهِ بالخجل من والدتي ومكانتها عند والدي و قدرها الاجتماعي أجابها:
- لقد احترق المصنع وخسر والدكم كل ماله ، وبعدما كلمكم انهار ونُقِلَ إلى المستشفى.
وقع الكلام علينا وقع السِهَامِ في الأجساد...
صرختُ في داخلي !!! " أبتاه " .
و خيّم الحزن والألم على الجميع ، ولم نفق مِن هوَلِ الصدمة إلا ونحن أمام المنزل ، فأشارت والدتي للسائق أن اذهب بنا إلى المستشفى...
فأكمل طريقه إلى المشفى ، وأحسستُ بالتيه في داخلي ... أفكار عديدة تترواد في ذهني :
ماذا سنفعل الآن ؟
ضاع المال !
مرض الوالد !
لم أصحُ مِمَا حلّ بي إلا وصوت السائق يُنبهنا إلى وصولنا إلى المستشفى:
- تفضلوا هو في غرفة15 بالطابق الثالث.
هرعنا إلى الطابق والغرفة التي يمكث فيها ، ودون أن نستأذن دخلنا ، كان كُلّ همنا أن نرى والدي ، وفوجئنا بعدم وجود أحدٍ في الغرفة...
خرجنا بلهفة المفجوع واتجهنا بالسؤال لِأول ممرضة نُصادفها:
أين المريض الذي كان في الغرفة 15؟
أطرقت برأسها...
نُقِلَ إلى العناية المُركّزة...
بكت أُمي والجميع لعدم علمنا بأية تفاصيلٍ عن حاله وما الذي أدى إلى نقله إلى العناية المركّزة...
انتظرنا ومرت سويعات الانتظار كالسنين ، وما إن سمحوا لنا بزيارته حتى هرعنا لرؤيته..
كان للتو قد فاق مِن إغمائه. وابتسم كعادته ، ابتسامته تلك أجبرتنا على حبسِ دموعنا وآلامنا
ابتدرنا السلام ، قبلنا رأسه ، ولسان حالنا يدعو بالشفاء له والعافية...
ناظرنا بنظرة رِضىً وانسِجام ، قلّب نظره فينا واحداً تِلو آخر ، وأخذ يُحدثنا عن الصبر والبلاء واللجوء إلى رب الأرضِ والسماء....وأتبع حديثه قائلا:
- اعلموا أبنائي أن ما جمعت من مال كله لسعادتكم لتحيوا حياة طيبة هنيّة ، وها قد ضاع المال ،
رحمك الله يا جدي
..
قال لي يوماً : " من فقد الله فماذا وجد ؟ و من وجدَ الله فماذا فقد؟!! "
لم أفهم يومها ما قال .. الآن فقط لامست كلماته شِغافَ قلبي و أبصرتُها بعقلي .
أترون؟! قَد عشنا الأولى معاً ونسينا حق ربنا عز وجل ، فما كان إلا أن كُنا بِلا حياة ، والآن أُريدكم أن تَعيشوا الثانية...أن تعودوا إلى الله سبحانه ، وأنا أتُوب إلى ربي مِمَا قصرتُ في حقه سبحانه وفي حقكم ، وإن مت فاسألوا المولى لي بالرحمة والمغفرة.
- حفظك الله أبتاه لا تقل ذلك
ابتسم وقال :
- الموت كأس وكُل النَاس شاربه
في خضم كُل ما كان يجري كنت أُلملمُ عَجبي...
عجبت من والدي لم يُحدثنا يوماً كما فعل اليوم
و لا أظنه حدثنا في أي أمرٍ شرعي في حياتنا
قطع كلامه عَجبي
- ليبحث كل منكم عن عملٍ و أستعينوا بالله فهو الموفق و المعين سبحانه شَحب لونه و سكتْ
هرع أخي الأكبر لِإحضار الطبيب
.. جاء و سألنا
- هل تحدث؟!
نعم.
-
- لم يكن ينبغي له التحدث...اتركوه الآن
خرجنا إلى غرفة الانتظار وقد اغرورقت أعيننا بالدموعِ وأطاحت بنفوسنا الآلام وملأ أذهاننا حديثُ والدي
وبينما نحن كذلك خرج الطبيب مسرعاً...
- سينتقل إلى العناية المركّزة
- هل أصابه مكروه؟!
- قد يكون أُصيب بجلطة و سنفعل اللازم بإذن الله.
ذهب و جلسنا و أخذتُ أُناظِرُ والدتي...
بدت بوجهٍ شاحبٍ و عيناها بحرٌ مِنَ الدموع
تضاربت الأفكار في رأسي و تهافتت الظنون
ماذا سيحدث لوالدي؟!
و كنت أدري أنّ الجميع يفكر كما أفعل في تلك اللحظ
عجبتُ كيف أنَا ندعو الله الآن و لم نكُن نذكره في حياتنا من قبل !!!
الآن و فقط أتذكر آيات فسرّها لنا المدرس يومًا...
و بالطبع لا أذكر منها إلى جزء يسير فكيفَ لعاصٍ مثلي أن ينل علماً يُنير حياته و قد أظلمتها الذنوب و الآثام
قال لنا المدرس يوماً
" إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا "
أطرقتُ أُفكرُ فيما قاله المدرس يومها
و لم أفق إلا على كلام والدتي...
يجب أن نبدأ حياتنا من جديد
-
سأعمل و أُختاكم في الأشغال اليدوية التي كنا نتسلى بها أحياناً و إن كبر إنتاجنا سنفتح مركزاً للخياطة و الأشغال و سيبدأ كل منكم في البحث عن عملٍ لنتدبر ما يلزم لعلاج والدكم و لعيشنا
..
نظرتُ إليها متعجباً إذ قد مسحت دموعها و حادثتنا بجدٍ و حزمْ
قلت في نفسي
..
هل تذكرت هِي الأخرى آية شرحها المدرس!!؟
أم أنها تُظهِرُ الحزم و تكتم الألم .!.!
كانت تنظر إلينا عسى أن يُجبها أحد
و لم تجد إلا البكاء إجابة!!!
أعادت كلامها و زادت:
- والدكم الآن حالته حرجة و عليه يجب أن نساعده و ندعو له و أبسط ما يمكن أن نفعله هو ما أخبرتكم به
والدتي -رحمها الله- قالت لي يوماً بعد أن آلمتني احدى صديقاتي:
لا تيأس إذا تعثرت أقدامك و سقطت في حفرة واسعة
..
سوف تخرج منها و أنت أكثر تماسكاً و قوة
و الله مع الصابرين
سكتت ونظرت إلينا لتسمع ردودنا...
قال أخي الأكبر:
- لوالد زميلي شركة سأطلب العمل فيها.
أعقبه أخي الأوسط:
-وأنا سأطلب من زميل لي أن أعمل معه
لم يبقَ سواي نظرت إليهم متسائلاً
ماذا عني ؟! لا زلت في المرحلة الإعدادية
بادرت أُمي بالإجابة:
- أنت ستتكفل بشراء ما يلزم و ستذهب هنا و هناك
فرددت :
- سمعاً و طاعةً يا أُماه.
بعد كلامهم تُهت في غيابة أفكاري في أيامنا التي كانت و حالنا الآن
كيف كُنا و أين حَلّ بِنَا الدهر
-
-كيف لم نكن نذكر الله و لا نعرفه إلا عن طريق ما يرد في حديث إستاذ اللغة
العربية إذا كنا ننتبه لما يقوله مِنَ الأصل!
كيف لم نكن حتى نقول
" إن شاء الله " أو " بإذنِ الله "
كيف لم نعي قول الله-عز وجل-
" و لا تقولن لشيءٍ إني فاعلٌ ذلك غداً إلا أن يشاء الله "
رُحمَاكَ ربى تتودد إلينا ونتبغض إليك ولكن الثقة بك حملتنا على الجرأة عليك فجد بفضلك وإحسانك علينا
- للتو فقط تذكرت زميلاً لي تُوفيَ والده فذهبت أُعزيه
وجدته قائماً يخطب في الناس...
كم داهمني العَجَبُ يومها !
كيف لهذا الصغير أن يتحدث وسط الكبار؟!
لكم عجبت!
و عجبت أكثر لتجلده و حسن حديثه
..
نعم كان يبكي
لكنه لم يتزعزع و وقفَ شَامِخاً وسط انبهَارِنا
أبهرني و أبهر الجميع
..
بعد إنهاءه حديثه عزّيته و سألته
-من أينَ تعلمت هذا ؟ من المسجد-
يا الله...
لا أذكر يوماً أني حضرت درساً في مسجد ، بالكادِ كُنتُ أُصلي الجمعة و أذهب وقت الصلاة فقط دون الخطبة!
ليتَك بجانبي الآن يا صاحبي !
ليتك بجانبي لتحدثني بكلامك الجميل !
هُوَ قال تعلمه من المسجد إذاً سأذهب إلى المسجد منذ اليوم...
نَظرتُ إلى ساعتي....الوقت يمر ببطء جداً ... و الطبيبُ لم يخرج حتى الآن
يا الله
كم يزدادُ قلقي و ألمي
ها هُوَ
- كيف حال والدي ؟
- أُصيب بجلطة
وعلى إثر ذلك حدث شلل في نصفه الأيسر سيلزمه العلاج لسنوات ليعود كما كان
لم أرَ حُزناً بين عائلتي كما الآن...
و في ظل ذاك يأتي صوت والدتي بان اعملوا و أثبِتُوا ذواتكم
للمرة الأولى أرى والدتي بتلك الحال لم أفهم كيف تغيرت !
هي رقيقة المشاعر جداً و دوماً ما تكتب الخواطر و الأشعار
..
فمن أينَ بكلِ هذا التجلّد يَا أُمي!
للهِ دَركِ
كم من التساؤلاتِ هبطت على ذهني و لم أجد لها إجابة
لشدةِ تعبنا ما أن هطل الليل حتى نام الجميع
إلا والدتي .... استيقظتُ من نومي في الثلثِ الأخير من الليل و إذ بي أراها ساجدة
..
و يصل إلى مسمعي أنيناً ناعماً ، بكاءً و كلاماً
حاولت أن أُركز لِأعلم ما تقول فإذا هي تدعو الله أن يرزقها الثبات و تُردد :
اللهم و جلالك ما أردتُ بمعصيتي مخالفتك و لكن عصيتك إذ عصيتك بجهلي ، و ما أنا بنكالك جاهلة و لا لعقوبتك معترضة و لا بنظرك مستخفة و لكن سوّلت لي نفسي وأعانني عليها شقوتي وغرني سترك المرخى عليّ فلقد عصيتك و خالفتك بجهلي فبحبل من أتصل إن قطعت حبلك عني !؟
يا مـــن أجبت دعـــاء نـــوح فانتصـــر وحملته في فلكك المشحونِ
يا مــن أحـــال النــار حول خليلـه روحا وريحانا بقولك كوني
يا مــن أمرت الحــوت يلفــظ يونــسَ وسترته بشجرة اليقطينِ
يا رب إنـــــا مثلـــــــه في كربـــــة فارحم عبادا كلهم ذو النون
يا الله
تغلغلت كلماتها في نفسي كثيراً رغم أني لم أفهم جيداً لكن مع بكاءها و أنينها خرجت الكلمات بانسيابية جميلة تشد انتباه كل سامعٍ لها!
جلست سارحاً بكلماتها و إذ بها سلّمت من صلاتها فوجدتني بجانبها ..
ضمتني إليها و بكت
..
" كم هو دافئ حضنكِ أُماه ! "
لم أستطع التحدث لكني أحسستُ أنها بحاجة لمن يصبرها فتذكرت بعضاً من كلماتِ زميلي ..
ربتُ على كتفها
- أُماه لا تحزني ألم تقولي لنا إن الله مع الصابرين ؟
اصبري و سيشفى والدي و الله قادر على ذلك
لم أتذكر من كلام صاحبي أي شيءٍ آخَر !

أحزنني بُكاءها و نحيبها ..
بادرتها القول .. :
أمي سأذهب إلى المسجد فهناك يقولون كلاماً جميلاً فانتظريني أتعلم منه و آتي أُحدثكِ
و هُنَا أذن المؤذن الفجر .. فأخبرتها أني سأذهب للصلاة .. ابتسمت رغم دموعها وما أجملها من ابتسامة وسط بحرٍ من الدموع و الآلام ..
أخبرتها
" سأعودُ لكِ بالكلام الجميل..
فلا تبكِ يا حبيبتي "
تركتها و أسرعت أتوضأ و خرجت للصلاةِ في المسجد ..
صليت و انتهت الصلاة و أخذتُ أنتظرُ علّي أجد كلاماً ككلامِ زميلي هنا ..
وجدت الجميع بعد إنهاءهم لصلاتهم قد قاموا لزاويةٍ معينةٍ في المسجد ..
بينما أنا جالسٌ وحدي و إذا بأحدهم يُلاحِظُ الدموع في عيني و شحوب وجهي ..
- أنت جديد في المنطقةِ هُنَا !؟
- لا ..
أنا أسكن في منطقة أُخرى لكن والدي في المستشفى و أنا معه ..
ربت على كتفي ..
- شفاه الله ...
هل تأتي لتجلس معنا ؟
- أين !؟
- هُناك...حيث توجه الجميع
- هل ستعطونني كلاماً جميلاً !؟
- نَعم ..
فرحت و ابتسم هو ..
نهضت معه و جلست بينهم رّحب بي الجميع رغم أنهم لا يعرفونني و طلب منهم العم
أن يدعو لوالدي ..
فدعوا جميعاً ..
أحببتهم دونَ أن أعرفهم و انتظرت ماذا سيفعلون ؟
فوجدت مع كلٍ منهم مصحفاً و أعطاني
العم مصحفاً كذلك
..
و قال :
سنقرأ هنا ..
و أشار إلى الصفحة ..
بدأ شيخ كبير بالقراءة ثم واحداً تلو آخر ..
" يا الله ما أجمل أصواتهم و قراءاتهم .. "
تذكرت هذا المصحف يوجد منه في بيتنا لكني لم أسمع أحداً
يقرؤه من أهلي و لم أسمع مثل هذهِ الأصوات في حياتي
جاء دَورُ القراءة عليّ و قال لي العم :
اقرأ ..
فقلت في نفسي

" ماذا أقرأ ليس صوتي مثل صوتهم " نظرتُ إليه متعجباً
فقال :
إقرأ و لو نصف صفحة فقط ..
فقرأت ..
شجعني قائلاً
- ممتاز ..
لكن بحاجة إلى تصحيح بعض الأحكام
- ما معنى أحكام ؟
- أحكام التجويد ألم تدرسها ؟
- لا ..
- حسناً سنتعلم منها الآن ..
لم أنسَ ابتسامته التي أنارت لي حياتي و لا أنكر أني لم أفهم ماذا يعني بقوله أحكام ..
شعرتُ أني جاهلٌ حقاً !
تحدث الشيخ الكبير بعد ذلك الذي بدأ القراءة أولاً و أعطانا حكم النون و الميم المشددتين
..
كانَ درساً جميلاً ..
ما إن انتهى حتى أغلق الجميع مصاحفهم و وضعوها أماكنها ..
و إذ برجلٍ يحضرُ كتاباً كبيراً كنت قد رأيت مثله في منزلنا ..
فتحه الرجل و تحدث عن حديثٍ في صحيح البخاري و من يتصبر يصبره الله و ما أعطى احد عطاءً خيراً و أوسع من الصبر ..
لشِدَةِ ما لامسَ الكلام شِغافَ قلبي و تَحدث عن حالي شعرتُ كأن الكلام مُوّجهٌ إليّ لا إليهم .. !
استمتعتُ لحسن حديثه و تبعه العم الذي كان جانبي بحديث عام وأظنه قد تحدث ليواسيني تكلم عن المرض وما هي آدابه وذكر دعاء لم أحفظه لمن يشكو شيئا وما إن انتهى من حديثه حتى ذهبت إليه
.. شكرته و حادثته قائلاً :
-عماه كلامك جميل جدا هل تكتبه لي لأني لم أحفظه جيدا وقد وعدت أمي أن أعود لها بكلامٍ جميل
فابتسم ابتسامة جميلة
- حسنا يا ولدي وأعطاني ورقة مكتوب فيها :
}عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابه سراء فشكر الله فله أجر، وإن أصابته ضراء فصبر فله أجر، فكل قضاء الله للمسلم خير }، وفي رواية لأحمد { فالمؤمن يؤجر في كل أمره{
}يا ابن آدم، البلاء يجمع بيني وبينك، والعافية تجمع بينك وبين نفسك{
}إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط {
وربما كان مكروه النفس إلى *** محبوبها سبب ما مثله سبب
وإذا عرتك بلية فاصبر لها *** صبر الكريم فإنه بك أعلمُ
وإذا شكوت إلى ابن آدم إنما *** تشكو الرحيم إلى الذي لا يرحمُ
لا تحاول أن تعيد حساب الأمس
..
وما خسرت فيه ..
..
ولكن مع كل ربيع جديد سوف تنبت أوراق أخر..
فانظر إلى تلك الأوراق التي تغطي وجه السماء
ودعك مما سقط على الأرض فقد صارت جزءاً منها
إذا كان الأمس ضاع
.. فبين يديك اليوم
وإذا كان اليوم سوف يجمع أوراقه ويرحل
.. فلديك الغد.. لا تحزن على الأمس فهو لن يعود
-------
لا تقف كثيراً على الأطلال
خاصة إذا كانت الخفافيش قد سكنتها والأشباح عرفت طريقها
..
وابحث عن صوت عصفور
يتسلل وراء الأفق مع ضوء صباح جديد وختمها بدعاء المرض وكتب لا تنسوا
وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ
شكرته ثانيةً
.. و استأذنته الذهاب لِأعود لأُمي .. فأذِنَ لي و قال :
- سأنتظرُ أخباراً عن صحةِ والدك عند صلاة الظهر ..
- حسناً عماه ..
سلمت عليه و قمت مسرعاً لأبشر أُمي أني وجدتُ كلاماً يؤنِسُ النفس ككلامِ زميلي ..
دخلت الغرفة فإذا بأُمي تمسك المصحف .. رأتني فابتسمت
بادلتها الابتسام وأعطيتها الورقة ..
- ما هذا ؟
- الكلام الذي وعدتكِ به ..
قرأت مَا كُتب ..

بكت و ضمتني إلى صدرها بكيتُ معها
، فلم أعد أتحمل مدامعها بكينا حتى أستيقظ الجميع على بكائنا و ظنوا أن أبي حدث له شيء
.. فطمأنتهم
والدتي أن لم يحدث شيء و أعطتهم الورقة فقرأها الجميع و بكوا
..
و والله كأنها لمست شغاف قلوبهم ..
بل قد لمستها فهذا نتيجة الإخلاص و قد كان العم مخلصاً في دعوته
..
حاولت أُمي أن تحبس دموعها لتستطيع الكلام لكنها أجمل دمعة
أجمل دمعه لحظه فراقك المعصية
أجمل دمعة لحظه التوبة بعد المعصية
بكت و تركت الجميع يبكي ثم أخرجت كتاباً عن التوبة و آخر عن الصبر على البلاء كانت قد وجدتهما في المستشفى
..
قرأت علينا بعضاً منه بعدما أمرت أخوتي أن يُصلوا الصبح ..
ما أن انتهوا حتى حثتنا جميعاً مرة أخرى على العمل و إثبات الذات و أنهت كلامها بعد أن بينت أنها لحظة خشوع و صلت فيها كل المعاني الغائبة إلى قلبها و قالت :
-
كانت أُمي- رحمها الله- تعلمنا مثل هذا الكلام و لكن لم نكن نستمع إليها ..
كان كل همنا ..
الموضة و الأزياء
..
لكن لِإخلاصها فقد وصلت كلماتها الآن و لمست شغاف القلب المنكسر .
هُنا فقط عرفت سبب تجلّد أمي و صبرها الذي كنت أعجب منه ..
كانت جدتي !
جدتي التي كانت ملتزمة تقيّة ابتليت بزوجٍ مترف غني فكان الأولاد تبعاً لوالدهم أكثر من أمهم ..
في لحظاتٍ كثيرة كنا أنا و أخوتي ننظر لبعضنا البعض و بداخلنا تنمو مشاعر متفرقة ..
فرحٌ بالتوبة بداية الطريق ..
وإذا كانت البداية إشراقة بتوبة فيا بشراها من بداية ويا حسناها من إشراقة والتوبة ندم على ما فات وعزم على إصلاح ما هو آت وكف عن قبيح قول وفعل وانتهاء عن الذنوب والآثام*
حان وقت الظهيرة و عُدت للمسجد ذاته و استقبلني العم بابتسامته الجميلة و ربت على كتفي و سأل عن حال والدي و سألني
- من معك ؟
- هذا أخي الأكبر و ذاك الأوسط ..
سلّم عليهما و دعا لهما ..
- هل حالُ والدكم صعب !؟ أراني ألحظ مدامعكم غزيرة ..
أبكانا ما قال فصبرنا ببعض كلماته الدعوية المفيدة و عرض علينا زيارة والدنا صحبناه بعد الصلاة إليه فسلم عليه و دعا له بالشفاء و الصحة و العافية
..
ثم خرجنا من عند والدي ..
و خطب العم فينا خطبة قصيرة و جميلة و عرض علينا المساعدة بالمال
..
شكرناه على حسن حديثه و مساعدته و لم نأخذ شيئاً ..

التقينا بالطبيب المشرف على علاج والدي
..
و أخبرنا أن حالته تسمح له بالعودة إلى المنزل و على كرسيٍّ متحرك نظراً لما أصابه من شللٍ يمنعه المشي و أن لا بد من جلسات كهربائية أسبوعية مع أدوية علّ الله أن يشفيه و يعيده كما كان
..
عدنا إلى منزلنا ناكسي الرأس لحالِ والدنا و أسفاً على ما اقترفنا في حياتنا من ذنوبٍ و آثام لم يبقَ على الدراسة إلا شهراً واحداً و لم يكن العمل علينا سهلاً إذ تعودنا على الترف و الغنى ..
لكِننا تحملنا كل ما واجهنا من مصاعب لِأجل علاجِ والدي و توفيراً لمصاريف المنزل و مصاريفنا ..
كانت المصاعب التي واجهتنا كثيرة و قاسية ..
أخي الأكبر عمل مندوباً و أخذ فترة للتدريب ..
كان يحس بالمذلة حين يعرض مبيعاته على المشتري فهو لم يطلب من أحدٍ شيئاً من قبل و حتى و إن كان هذا عملا لكنه لم يعتد ذلك
حدث والدتي حوَل ذا الأمر فأخبرته أن لا بأس طالما ليس محرماً و أنه ليس مظهراً من مظاهر الإستجداء و أنه عمل الكثير من الشباب و لا مذلة به و لا ينبغي أن يكون حساساً هكذا ..
في تلك الأثناء سمعه والدي
فناداه وقال له :
إن واجهتك مشكلة فأرجع إليّ
..
فرح أخي و أشار بالإيجاب و لم يحدثه بشيءٍ لئلا يثقل عليه إلا أنه فرح من مبادرته تلك أنصت أخي لحديث والدتي و حاول أن يتحمل مصاعب عمله ..
لكنه كان يتعرض دوماً للمشاكل بسبب حساسيته تلك
..
و بفضلِ الله كان صاحب عمله حسن الخلق ، عطوفاً و يعلم بحالنا ..
كان يرأف بحاله و يقدم له النصح دوماً ..
والدتي كانت تخبره بين حينٍ و آخر أن يرجع إلى والدي طلباً للنصح و كي لا يشعر أيضاً أنّ أبناءه نفروا منه بسبب مرضه و لِأن خبرته في الحياة أكثر ..
كنت أرى والدي دوماً ينصحه حين يلجأ إليه و يربت على كتفه بقوة و يشد من أزره و يقومه ..
قال له أبى احفظ هذه القاعدة واعمل بها:
من عظم وقار الله في قلبه أن يعصيه وقرّه الله في قلوب الخلق أن يذلوه
فكانت بمثابة التشجيع لأخي من جهة والحث على ترك المعاصي من جهة أخرى
..
أمَا أخي الأوسط
..
فكانت مشاكله أكبر من ذلك .. !
شربه للمسكرات أثر على عقله بعض الشيء ..
و لم يكن من السهل أن يعود كما كان طبيعياً عاقلاً ككل البشر ..
بعد الفترة التي حاول فيها الإقلاع عن الشرب و نجاحه في ذلك ..
باتَ عصبياً و يغضب و يُعلي صوته لأتفه الأسباب ..
بالرغم من مرض والدي إلى أنه وقف إلى جانبه و سانده فكان ينصحه دوماً و يسدده ..
و بدأ بالعمل على الحديث مع صديقه الذي أخبر والدتي أنه سيعمل معه ..
و يوم ذهب إليه ..
واجهه صاحبه بالاستهزاء و السخرية لضياع مالنا و ضحك ضحكة الشامت الحسود !
عاد أخي لمنزلنا حزيناً لما حدث معه ..
سألته والدتي
- ألم تجد صديقك !؟
- لا بل وجدته و لن اعمل معه !
سكتت أمي لتتذكر إن كان قد حدث موقف كهذا في بيتهم فتتذكر كلام جدتي ..
صمتت كثيراً و قطع صمتها
و سكوتنا سلام والدي
..
رد الجميع و عادوا لصمتهم ثانية
.. كسر ذاك السكون حديث والدي
- ما الذي يحزنكم !
؟ ألم تقولوا أن كل شيء بقدر الله و ها أنا صابر على مرضي فلِمَ لا تصبرون !؟
قال والدي ما قال ظناً أن حزننا على ما أصابه من مرض
..
قاطع ظنه صوتُ أخي :
- يستهزئُ الناس بي و يعيروني ..
ناداه والدي و ضمه إليه ..
- بِمَ يُعيروك !؟ بفقدانِ مالك !؟ ومَن مِنَ الناس يأمن على ماله ؟ قد أودعه الله لدينا و لمّا أراده أخذه ثم لِمَ الحُزن !؟ ألم ننفقه على كل محرّم !؟ بئس ما أضعناه في معصيةِ الله .. اجتهد في عملك و تحرى الحلال تعش بسلام
- كلما بحثتُ عن عملٍ ما وجدتُ يا أبتي !
- اعلم من تحرى الخير يعطه و من يحث عن الطريق وجده و من أقبل على الله أعانه و سدده ..
كل هذا اختبار لك و امتحان ليرى الله مدى صبرك و تحملك فلا تتعجل أن عيّرك احد .. قل لهم إن الله يحبني و قد جذبني إليه مما ابتلاني به ..
كان والدي يتحدث و في نفسي دهشة مِمَا يقول
..
تساؤلات تَنخرُ بي و ما من إجاباتٍ لها ..
لِمَ لم يحدثنا هكذا من قبل !؟
لماذا كتم عنا كل ذا الكلام !؟
.. لا أدري التمست له عذرا ربما كان يظن أن المال هو السعادة !
آنَسَ كلامُ والدي أخي و حزنه
..
و بدأ بالبحثِ عن عملٍ من جديد و ما كان يجد واحداً إلا أن تركه لشدة عصبيته
..
كان يتشاجر مع زملائه لأتفه الأسباب
..
كتبوا يشكونه إلى مدير عملهم فطرده ..
ما لبث أن عاد حزيناً إلى المنزل و أخبر والدي ما حدث فقال له :
- الحياة واحدة و العمر واحد ..
فلماذا تدع بعض المشاكل و العراقيل و سوء الفهم و الفشل يغلبك !؟ إعتبر ما يواجهك بمثابة الدافع ..
و بمثابة المحن التي تخرج منها أقوى مِمَا كنت
..
الحياة تجارب و الإنسان بدون تجربة ..
إنسانٌ فارغ له القليل من الدوافع
..
الحياة واحدة و أنت تعلم ذلك جيداً ..
فلماذا لا تجعلها ذكرى جميله لم تتسلى بها و لا تجعلها طعنة كبيرة
تتألم منها

احمد الله و انظر إلى أسباب طردك و تجنبها و عاود البحث من جديد ..
علمت أُمي بأمر أخي وعمله
..
واسته و انتظرت إلى أن نام
..
فوضعت ورقة بجانبِ رأسه ..
كاد الفضول يقتلني لمعرفة ماذا كُتب على الورقة ؟
و لأننا تعلمنا أن لا نأخذ
شيئاً دون إذنِ صاحبه انتظرت حتى استيقظ أخي
..
وجد الورقة
..
فتحها
وذهبت إليه مسرعاً متحَجِجَاً بسؤاله أستَرقُ النظر :
- أتُريدُ أن أشتري لك شيئاً من الخارج !؟؟لم يُجبني .. !
يبدو أنه لم يشعر بدخولي إلى غرفته ..
انتهزت ذلك لِأقرأ فإذا بها :
تخيل أن هذه الدنيا ...
طريق فامش فيه واجعل التفاؤل ماءك كي لا تشعر بالعطش والأمل عصاتك كي لا تتعب من طول المسير والابتسامة ظلك كي لا تتأذى من حرارة الشمس ...
ابتسم فأنت أولى بها كي تسير في دنيا الغربة وأنت شامخ ورافع رأسك وإلا فسلام على قلبك
علمت أن الدنيا دار فناء فلماذا تجعلها تتجبر عليك وهي أحقر ما رأيت إن كنت تعلم أنك سترحل منها }النعيم لا يدرك بالنعيم ومن آثر الراحة فاتته الراحة...بحسب ركوب الأهوال واحتمال المشاق تكون الفرحة واللذة...فلا فرحة لمن لا هم له...ولا لذة لمن لا صبر له...ولا راحة لمن لا تعب له.........صبر ساعة خير من عذاب الأبد ،وإذا تعب العبد قليلا استراح طويلا{
يا الله !
جميلٌ كلامكِ يا أمي
..
خواطرك و كتاباتكِ ما أروعها ، لم أعرف حتى الآن ما سر هذا الصبر !
تبهت لِأخي و دموعه على وجهه
- لا تحزن ..
نظر إليّ و ما كان يتوقع وقوف أحد بالغرفة إذ لم يشعر بي حتى !
ففعلت كما فعلت معي أُمي يوم أن بكيت في المستشفى
.. مسحت دمعه و قلت له:
- لا تحزن فالله قادر على كل شيء ..
- شكراً لك !
أدعُ لي أيها الصغير فأنت لم تقترف ما اقترفنا من ذنوبٍ و آثام ..
- كلنا أخطأنا و نحمد الله على أن وفقنا للرجوع إليه ..
هيّا قم فقد اقترب موعد صلاة العصر لنصلي سوياً و ندعو و بعدها نخرج نبحث عن عمل و سآتي معك ..
بحثنا طيلة اليوم و لم نجد شيئاً
واسيته أن اصبر و ما صبرك إلا بالله بالذكر و الدعاء ينكشف البلاء ظل أسبوعا يبحث عن عمل حتى وجده لكنه كان براتبٍ قليل ..
و قال أفضلُ من لا شيء !
أوصاه والدي بضبط النفس قدر المستطاع و أن يتلاشى مواطن و أن يتجنب أسباب طرده من العمل الأول ..
شكره أخي و طلب دعاءه ..


حُلّت مشكلة أخي بعض الشيء ..
و لم يبقَ سواي ..
لم أكن متضايقاً أبدا من عملي فقد أحببت مساعدة أمي و أختاي في شراء ما يلزمهما من أدوات الخياطة والتطريز و كنت أضحك على أختي حين تقوم بشَغلِ مفرشٍ ما فيظهر بصورة غير منسقة تماماً
..
و تعيد أُمي العمل عليه مرة ثانية ..
و كذا أختي الأخرى حين قامت بقص قماش مطلوب تفصيله فستاناً دون أن تستأذن أمي و كانت النتيجة أنه لم يعد قماشاً و لا فستاناً !
كانت أمي تواجه المصاعب في تعليم أختاي إلّا أنها كانت صبورة و نشيطة ..
للهِ درك ما أعظمكِ أماه!
في كل يومٍ كان العجبُ في نفسي يزداد .. لم تكن أمي هكذا من قبل !
تذكرت حديثها عن جدتي التي كانت تدعو لها دوماً ..
و اكتشفت يوماً أن والدي وراء صبرها فقد أوصاها بأن لا تبكي أمامنا
.. و أوصاها بالثباتِ كذلك !
كثيراً ما أتذكر أن والدي علمنا الأخلاق الحميدة ..
لكن عمله أشغله عنا و ماله أضاعنا ..
و أُمي ...
لم نكن نجرؤ على أن نرفع صوتنا عليها ..
احتراما لما في قلوبنا و كانت تدللنا و تظن أن أفعالنا متعة لنا فتتركنا نفعل ما نشاء
سبحان الذي أبدلَ أحوالنا
تركنا الصحبة السيئة
..
أبدلنا الله بخيرٍ منها ..
من الجيران و أصحاب العمل و الأقارب !
أخي الأكبر كان صاحب عمله رجلاً كيّساً فطناً ..
و جاراتنا كن يساعدن أُمي و يجلبن لها الزبائن و بعض
الأقارب مِمَن مَنّ الله عليهم بالالتزام يحضرون لنا المحاضرات الدينية والندوات و يأخذون بيدنا إلى طريق الحق
..
امتنعنا عن التدخين ..
كُنا بحاجةٍ للمال لشراء لوازمنا و ليس لإضاعته في المحرّمات و يكفي ما فعلنا في
الماضي
!
سعدنا في حياتنا رغم قلة مالنا ..
و ما بنا من الآلام
..
نستيقظُ فجراً نصلي و إخواني في المسجد و أمي و أُختاي في المنزل ..
بعد صلاتنا كنا نجلس لمأدبةِ القرآن في المسجد و نتعلم حكماً بالتجويد ..
ثم نعود لنعلم أُمي و أُختاي و نطبق ما ندرسه و من ثم نتناول فطورنا الذي بات لا يتعدى الصنفين ..
إلّا أنَ له مذاقا خاصا فهو من الحلال الطيب
نتفرق بعدها كُلٌّ منا إلى عمله
..
و تنهي أُمي أعمال المنزل ..
صلواتنا الخمس نُصليها و أخواي في المسجد و ما أجمل تلك اللحظات حين نقف بين يدي الله حقاً ليس حياً من هو بعيدٌ عن الله !
كنا نجتمع عصراً أسرتي بأكملها ..
نتسامر و نتحادث و نستمع لكلامِ والدي و أعجب مِمَا له من العلم و لم يكن يخبرنا بشيء !
يأتي على ذهني العذر أن دوماً كان مشغولاً بعمله و ها قد حدث ما حدث ليكون بمثابة وقفة لنا لنعود إلى الحق !
يمضي يومنا بسعادة ترفرف حولنا و مساءً يفضي كل منا للآخر عن ما لاقاه من مصاعب في عمله ..
يُعلِّق والدي بكلمة طيبة تُزيّنها والدتي بنصيحة قيمة فيشدا من أزرنا و يرفعا من همتنا و عزمنا
دراستنا على الأبواب ..
لم يتوفر لنا المال الكافي لدفع المصاريف..
كثف الجميع جهدهم في العمل ليل ، نهار ..
أخي الأكبر كان يدرس
في كلية الطب بالرغم مِن صعوبة ما يدرس إلّا أنه
كان يمضي وقته في عمله حتى جاء موعد الامتحانات ففرّغ نفسه للمُذاكرة مرت سنوات تلو أُخر و أصبح أخي في المرحلة الأخيرة في جامعته و كان لا بد له من حضور جميع المحاضرات ..
و بالرغم من أنّ المال
كان لا يزال عائقاً و كان لا بد أن يستمر في عمله إلا أنه كان يداوم على أخذ المحاضرات من زملائه حتى قاربت امتحانات الفصل الأول له على البدء
..
فقدم و عمل بالإجازة بين الفصلين من ثم تفرغ لدراسته فقط في فصله الثاني بناءً على رغبة والدتي ..
إذ أخبرته سنكفيك المؤونة فجد و اجتهد ..
كبر مركز الخياطة الذي فتحته أمي و أختاي و نما المال بفضل الله ..
و كُنا على موعدٍ مع إعلان نتائج امتحانات أخي فأحضرها و في طريقه إلى المنزل كنت أنتظر عودته في الشارع ..
جاء وفي ملامحه تباشير الفرح و السرور ..
و صادف أن رأى أحد أصدقاءه أيَام الجهالة
فسخروا منه بسبب المال ..
أحسست بالحزن لأجله

..
ما لنا وما أن رأيته شامخاً في وجههم يقول لهم نحمد الله عز وجل أن ضاع لنصبح رجالاً أما أنتم فقد بقيتم لا شيء ..
فرحت بجوابه و ركضت نحوه أحضنه و أقبله و أبارك له النجاح فأخبرني :
حصلت على المركز الثاني !
زاد فرحي و لاحظتُ أن والدي يُناظِرنا من الشرفة ..
بدا لي أنه رأى و سمع كل ما حدث ..
دخلنا عليه نبشره حمد الله وجمعنا ثم قال
- اعلموا أبنائي أن البحر الهادئ لا يصنع أبدا بحَّارا ناجحا ففي الأمواج والأعاصير تظهر معادن الرجال
" إن من لم يتألم ..لا يمكن له أن يتذوق طعم السعادة ..وأن من لم يتألم ..لا يتعلم "
قالها
.. ثم كانت المفاجئة أن قام من كرسيه المتحرك .. دُهشنا و ذُهلنا .. !
رباه لك الحمد !
شُفي والدي و سجدنا جميعاً شكراً لربنا على ما مر بنا من المحن !
شفى والدي بفضل الله فعاود العمل وأكملنا جميعا ما بدأناه
تخرج آخى وعمل طبيبا
أخي الأوسط ..أصبح صيدلانياً
و أنا بتُ مُهندساً !
عاد لنا المال بتوفيق من الله ثم الجد والاجتهاد و هذه المرة صار المال عبدا لنا ولم يكن سيدا
...
أمضيناه في طاعة الله ومساعدة الفقراء...
وبقى سر صبر أمي غامضا وما أراهُ إلا أن كان ولا زال الإيمان فما أعظمه...
إنه الدعاء فهو سلاح المؤمن
....
إنها دعوة والدتها فما أجمل وأصدق دعاء الوالدين
....
رعاكِ الله يا أمي الحبيبة ...
وحفظك لله أبتاه فقد علمتنا وربيتنا
..
- أبـي .. أبي ..
نبّهني صوت صغاري بسعادتهم و هم في سيارتي الفارهة
يا الله ما أقصر الدُنيا !

إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
واحدة, وعبر, كثيرة


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)

 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

اذكر الله ...


الساعة الآن 02:57 AM بتوقيت القدس