#1    
قديم 07-20-2016, 11:57 AM
الصورة الرمزية ابومحمد قاسم
ابومحمد قاسم
+قلم دائم الاحتراف+
 
 
الانتساب: 15 - 9 - 2010
الإقامة: الشمال
المشاركات: 16,081
معدل تقييم المستوى: 23
ابومحمد قاسم is a glorious beacon of light

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 

انهيار الديموقراطية في تركيا يهدد استقرار المنطقة! الأربعاء، ٢٠ يوليو/ تموز ٢٠١٦ (٠١:٠ - بتوقيت غرينتش)
أحداث الانقلاب الفاشل في تركيا باتت معروفة، وإن بقيت خفايا مهمة سيكشف عنها مقبل الأيام، وهي أحداث فيها من التفاصيل والمواقف والمفاجآت المثيرة ما يغري بالوقوع في حبائل سردها، وشغلت العالم على مدار الأيام الماضية، ووقف منها المتابعون مواقف مختلفة، كل بحسب هواه، والزاوية التي ينظر منها، وميوله، وما يتمناه أن يتحقق، فكانت تلك المواقف لا تقل تشويقاً وإثارة وطرافة عن أحداث العرض الحي للانقلاب.
لكن حاولت هذه السطور أن تحرر من سطوة ذلك الإغراء وعدم إشغال القارئ بما هو معروف، والاكتفاء بتلخيص أبرز ما قيل عن فشل الانقلاب ومنه أن المواجهة كانت بين الشعب المؤمن بالديموقراطية والجيش الذي أدرك قادته أن تحركهم ضد إرادة الناس، وأن دعوة الرئيس أردوغان للشعب للنزول إلى الميادين والشوارع هما «المفجر» الذي حرك الطاقة الشعبية، وجاءت مواقف أحزاب المعارضة لتؤكد نضج التجربة الديموقراطية في هذا البلد وتجاوزها المعارضات الشكلية التي تزين واجهات الأنظمة في العالم العربي. وهذا النضج هو الذي حرك قيادات أحزاب المعارضة لحماية المبادئ الديموقراطية: الدستور، تداول السلطة، الاحتكام إلى صناديق الاقتراح في التغيير، ولو كانت المعارضة «شكلية نفعية»، لانحازت إلى الجيش نكاية في أردوغان وحزبه الذي حرمها من السلطة طوال 12 عاماً، ثم يأتي دور الإعلام الرسمي والأهلي ليؤكد نضجه ومسؤوليته فلم يقع في «مصيدة» الخصومة على البرامج السياسية، وينسى مسؤوليته عن حماية الديموقراطية وحرية التعبير فكان صوتاً مؤثراً في جمع الكلمة حول المبادئ المشتركة.
والنتيجة الفاشلة التي انتهى إليها الانقلاب والعوامل التي أجهضته بشرتا بنضوج التجربة الديموقراطية في تركيا، لكن السؤال عن دواعي تحرك الانقلابيين لا يزال قائماً وقد تسهم التحقيقات، داخلياً وخارجياً، في كشف بعض دواعيه وتحديد بعض من وقف معه ومن تعاطف أو ساند. وفي هذا السياق يشار إلى حجم الشكوك والثقة بين أنقرة وحلفائها بالغرب، فصلة واشنطن بالحدث عبرت عنها الأخبار، غير المؤكدة حتى الآن، عن وجود ضباط أميركيين في قاعدة أنجرليك كانوا، على أقل تقدير، مطلعين على التخطيط للانقلاب، إن لم يكونوا مسهمين في الإعداد له، وما فهم من تأخر رد الفعل الرسمي على الحركة الانقلابية حتى اتضحت ملامح نتائجها، ثم حديث الوزير كيري القوي حول ضرورة تحكيم القانون في محاسبة الانقلابيين من دون الاهتمام بضحايا الانقلاب ونتائجه التي عرضت أمن تركيا واستقرارها للخطر. وما قيل عن الموقف الأميركي يمكن أن ينسحب على الموقف الأوروبي بصفة عامة وإن تمايز الموقف الفرنسي بشيء من القوة حول الخوف من تراجع تركيا عن مسارها الديموقراطي.
وهذه الإشارات قد تساعد في تفسير ما حدث قبل الانقلاب بأيام حين اتخذت تركيا خطوات سياسية مفاجئة، رأى فيها المراقبون «تبدلات» غير متوقعة تجاه تحسين العلاقات مع روسيا وإسرائيل، وإشارات إيجابية في اتجاه دمشق توحي بإمكان إعادة النظر تجاه النظام فيها. وطبعاً انقسم المعلقون حول هذه التحركات في اتجاهين: اتجاه الكارهين للرئيس أردوغان وسياساته ومواقفه ومنطلقاته، فرأوا في هذه الخطوات انتهازيةً تفضح شعاراته وما يعلنه من مواقف، ورأوا في هذه الخطوات خنوعاً وسقوطاً وإذعاناً لشروط الصلح مع روسيا واستسلاماً للضغط الإسرائيلي. في حين رأى آخرون أن الظروف السياسية والضغوط الدولية والتناقضات الإقليمية تستدعي هذه الخطوات من أجل مصلحة تركيا وأمنها والمحافظة على تماسك جبهتها الداخلية.
والانقلاب فاجأ الذين ظنوا أن الواقع التركي السياسي والاقتصادي والإعلامي واتساع دائرة الحريات العامة ونجاح العملية الديموقراطية خلال 12 عاماً قد تجاوز الظروف الحاضنة لبواعث الانقلابات العسكرية، التي غالباً ما تجد استجابة شعبية نتيجة للظروف الحياتية، لكن إذا وضع الانقلاب في سياق ما يجري في المنطقة من أحداث فإن دواعيه تبدو مفهومة فهي تأتي في إطار الشكوك وعدم الثقة بين أنقرة والعواصم الغربية الكبرى ونجاح موسكو في فرض سياسة المقايضة بين المصالح في شرق أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط. كما سلطت المحاولة الفاشلة الضوء على ملامح السياسة الدولية في المنطقة، ومن أبرزها: المضي في تبدل التحالفات وتغذية النزعة الطائفية والعرقية وتشجيع الأقليات على الانفصال بحجة المطالبة بالعدالة والحقوق من أجل إضعاف الدولة الوطنية المركزية. والشواهد حية في العراق وسورية، وقبلهما السودان، وإشغال أهل المنطقة بالتقاتل في ما بينهم لتوفير البيئة الصالحة للمزيد من الانقسامات.
ومن هنا فإن العرب الذين كانوا يتمنون نجاح الانقلاب، كراهية لنظام أردوغان أو لمنافسة على النفوذ في المنطقة، يخاطرون بمستقبلهم وبأمن أوطانهم، فالمنطقة التي نعيش فيها باتت مسرحاً لتنفيذ خطط دولية وإقليمية تهدف إلى إعادة هيكلتها. ولم يعد خافياً أن الدول الكبرى أعادت حساباتها وروابطها مع الشركاء بما ترى أنه محقق لمصالحها مع إيران، «التيار الصاعد» الذي ساعدت في تمكينه في العراق وسكتت عن تمدده في سورية ولبنان ولم تعترض على طموحه في اليمن وسمحت سياستها لروسيا الطامحة إلى استعادة ما خسرته في السنوات الماضية. وفي هذه التبدلات الجوهرية تبقى تركيا إحدى الركائز المهمة في حفظ توازن المنطقة وعدم سقوطها في هيمنة الطموح الإيراني.

والذين يرون أهمية الدور التركي في استقرار المنطقة يجب ألا يؤيدوا تراجع قادة حزب العدالة والتنمية عن شروط الديموقراطية والاحتكام إلى القانون، فهما الدوافع التي حمت تركيا من سطوة العسكر. إن دفاع الشعب التركي عن الديموقراطية وتصديه للخطر أمام السلاح لم يكن من أجل أردوغان أو حزب العدالة والتنمية كأشخاص، بل كان دفاعاً عن المنجزات التي نقلت البلاد من بيئة سياسية واقتصادية وثقافية خانقة غير مستقرة، تعبث بها أحزاب فاسدة فشلت في تلبية حاجات الناس، ثم يقفز على غرفة القيادة ضباط وجنود تحركهم أطماع ذاتية ودوافع خارجية، فأبقوا البلاد في حال من التخلف والضعف أجبرتها على الخضوع إلى نصائح وتوجيهات الدول الكبرى ومؤسساتها المانحة حتى أصبحت أسيرة الديون بعد أن فقد أهلها أمل الخروج من هذا النفق المظلم، فجاء نظام بمشروعه الواقعي الذي جعل «تلبية حاجات الإنسان» وسيلته للتغيير، فانتشل البلاد من واقعها المرير (كان ترتيب البلاد الاقتصادي 114 عالمياً) إلى مصاف الدول الاقتصادية الكبرى، وكبح سطوة العسكر، ورفع عن الناس ظلم قوانين تحرمهم من العيش وفق قيمهم ومبادئهم، وجعل من صناديق الاقتراع الطريق إلى حكم البلاد، فشعر الأتراك بأنهم شركاء في وطنهم يختارون نوابهم ومن يمثل قيمهم ومبادئهم.
هذه هي المنجزات التي دافع عنها الأتراك، بكل أطيافهم وأحزابهم، في تلك الليلة التاريخية هي التي ستبقى دليلاً على أن إرادة الشعوب لا تقهر، وأن حماية الرموز والدفاع عن أفكارهم ومشاريعهم ترجع إلى ما أنجزوه لأوطانهم وأهلهم، لا إلى تعاونهم مع الخارج لمساعدتهم في البقاء. وإذا ظن أردوغان، أو غيره، أن إنجازاتهم الكبرى ستجعلهم خارج دائرة المحاسبة فهم يقعون في أخطاء تاريخية. ولهذا فإن أصدقاء تركيا المخلصين هم الذين يساعدونها في هذا الظرف في ضبط النفس وعدم السقوط في وحل الانتقام والتصفيات.