#1    
قديم 05-20-2015, 01:55 AM
الصورة الرمزية ابومحمد قاسم
ابومحمد قاسم
+قلم دائم الاحتراف+
 
 
الانتساب: 15 - 9 - 2010
الإقامة: الشمال
المشاركات: 16,142
معدل تقييم المستوى: 23
ابومحمد قاسم is a glorious beacon of light

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 

المفاوضات طوق نجاة نتنياهو



هاني المصري 19-05-2015 02:03 AM
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-05-19 على الصفحة رقم 15 – قضايا وآراء





في خطابه بمناسبة «النكبة»، حدد الرئيس محمود عباس شروطه لاستئناف المفاوضات وهي تتمثل بـ «تجميد الاستيطان، والإفراج عن الدفعة الرابعة من أسرى ما قبل أوسلو، والدخول في مفاوضات متواصلة لمدة عام تنتهي بتحديد جدول زمني لإنهاء الاحتلال حتى نهاية العام 2017»، وهي شروط ليّنة حتى لواحد مثل نتنياهو.
فالرئيس لم يربط شروطه بموافقة إسرائيلية على أي شيء آخر، مثل الاستعداد لإنهاء الاحتلال، أو وقف المخططات العدوانية والعنصرية في القدس التي تستهدف استكمال تهويدها و»أسرلتها» وطرد ما تبقى من سكانها، ورفع الحصار عن قطاع غزة ووقف العدوان عليه. ولم يربط - كما دأب في الآونة الأخيرة - استئناف المفاوضات بصدور قرار من مجلس الأمن يحدد سقفًا زمنيًا لإنهاء الاحتلال، ولا أن تعقد في إطار مؤتمر دولي وعلى أساس القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة .
يمكن أن يعتبِر نتنياهو شروط الرئيس طوق نجاة له. فاستئناف المفاوضات من شأنه وقف سياسة التدويل المتعددة الأشكال التي شرعت بها القيادة الفلسطينية، وقطع الطريق على العزلة الدولية والعقوبات المحتملة على إسرائيل، خصوصًا الأوروبية، وعلى تزايد المقاطعة المرشحة للاتساع، إضافة إلى إضعاف الدور المأمول لـ «محكمة الجنايات الدولية» بعد سريان الانضمام الفلسطيني إليها.
يمكن لنتنياهو الموافقة على إطلاق سراح أسرى ما قبل «أوسلو»، ووقف البناء في المستوطنات، ولكن بعد إفراغه من مضمونه مثلما فعلت حكومته في العام 2010، بتنفيذ مسرحية «التجميد» الجزئي والمؤقت للاستيطان التي لم تشمل القدس ولا الكتل الاستيطانية ولا المشاريع القائمة والعطاءات المصادق عليها. ولعل هذا الاحتمال وارد، لأن «الليكود» رفض في المشاورات الائتلافية لتشكيل الحكومة، الالتزام نصًا بعدم اللجوء إلى أي شكل من أشكال تجميد الاستيطان، علماً أنه التزم فيها بتوسيع الاستيطان. طبعًا يمكن أن يعارض شركاؤه الأكثر تطرفًا أي نوع من أنواع التجميد للاستيطان، وهذا سيجعل نتنياهو في وضع أصعب دوليًا، وعلى صعيد علاقاته بأميركا وأوروبا.
ماذا يقف وراء هذه العودة الفلسطينية المفاجئة لسياسة المفاوضات حتى بعد تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة؟
في مقالة في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية لحامي شليف تحت عنوان «هل ينقذ عباس نتنياهو؟»، قال الكاتب «إن الشروط اللينة التي طرحها عباس لاستئناف المفاوضات لا تبدو عالية جدًا حتى لنتنياهو، الذي يمكنه أن يوافق على إطلاق سراح أسرى، وعلى صيغة ما من تجميد الاستيطان، وعلى مفاوضات متواصلة لمدة سنة مع الهدف المجرد (إنهاء الاحتلال حتى العام 2017)»، وأضاف: «من شأن أي استئناف للعملية السلمية أن يُنزل ضربة قاضية بكل من يتمنون الشر لنتنياهو».
ويراهن شليف على «أن أبو مازن سينقذ نتنياهو لأنه يعيش ويموت بحسب نوايا إسرائيل، فإذا تجاوز السقف المنخفض جدًا الذي سيثير جنون القدس (أي الحكومة الإسرائيلية)، ستتزايد أصوات المتهورين الذين سيطالبهم بخطوات من جانب واحد يمكن بنتيجتها أن تنهي سلطة عباس».
قد يكون شليف صائبًا لأن أبو مازن يخشى كما تدل تصرفاته من تفعيل تدويل القضية الذي شرع فيه، بدليل أنه يبدو مترددًا في تقديم مشروع قرار جديد إلى مجلس الأمن، وفي تطبيق قرارات المجلس المركزي بوقف التنسيق الأمني وتحميل الاحتلال المسؤولية عن احتلاله، وفي تفعيل الانضمام الفلسطيني إلى محكمة الجنايات، والمقاومة الشعبية.

كما يبدو الرئيس مترددًا في إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطينة، لأنه يعرف أنه إذا أقدم على كل ذلك سيدخل في مواجهة كبيرة مع حكومة إسرائيلية هي الأكثر تطرفًا واستعدادًا للتهور في ظل وضع عربي وإقليمي ودولي غير مناسب له. لذا يبدو أن أبو مازن يرى أن إبقاء الباب مفتوحًا لاستئناف المفاوضات، واستئنافها فعلًا إذا تجاوب نتنياهو مع شروطه اللينة، أهون الشرور، علماً أن هذا الطريق هو نفسه الطريق الذي سار فيه منذ استلامه لسدة الرئاسة ولم يحقق أهدافه، وإنما وصل إلى وضع أقل ما يقال عنه فيه بأنه «لا يحسد عليه».
ما يجعل أبو مازن أيضًا يفكر بالعودة إلى المفاوضات، خشيته من أن يطرح نتنياهو مستغلًا الالتقاء الخليجي العربي - الإسرائيلي ضد إيران مبادرة لتحقيق سلام إقليمي تقزّم الطرف الفلسطيني، وتُدخِل الأطراف العربية إلى المفاوضات، ولإغرائها يلوّح باستعداده للتعاطي مع «مبادرة السلام العربية»، في حين أنه يستهدف استكمال تصفية القضية الفلسطينية، هذا فضلاً عن يأسه من أي تغيير جوهري محتمل على السياسة الأميركية في ظل التوترات الأميركية ـ الإسرائيلية، وبعد إعلان الإدارة الأميركية أنها بصدد إعادة تقييم سياستها إزاء العملية السياسية.
وقد أشار أوباما بوضوح إلى أنه لا يمكن التوصل إلى اتفاق كبير وشامل قريباً، وعزا السبب وراء عدم تحقيق تقدم خلال السنوات الست التي أمضاها في البيت الأبيض إلى أن المعايير السياسية للزعيمين (لاحظوا أنه يساوي بينهما في تحميل المسؤولية) تغلّبت، ولم تسمح لهما باتخاذ القرارات المطلوبة.
ما سبق يدل على أن إعادة تقييم السياسة الأميركية التي وعد بها أوباما تمخّضت فولدت فأرًا، فبعدما أن دعت إدارته إلى انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية، دعت بعد ذلك إلى انتظار تشكيل الحكومة، قبل أن يصرّح مسؤولون أميركيون بأن أوباما ينتظر رؤية تصرف الحكومة الإسرائيلية الجديدة، وما إذا كان نتنياهو سيقوم بخطوات توضح التزامه بحل الدولتين.
كما أشارت مصادر أميركية إلى أن أوباما لم يقرر بعد بخصوص استخدام «الفيتو» ضد المقترح الفرنسي أم لا، وحتى في حال امتنعت الولايات المتحدة عن التصويت، فهذا سيكون في حالة واحدة، هي إفراغ المشروع الفرنسي من مضمونه وتحويله إلى مجرد مدخل لاستئناف المفاوضات لا أقل ولا أكثر، على ألا يغير ذلك من عمق الالتزام الأميركي تجاه إسرائيل، خصوصًا أنه ليس هناك ما يضغط على إدارة البيت الأبيض فلسطينيًا وعربيًا في ظل الضعف والانقسام والتردد الفلسطينية، وعدم الجرأة على المضي في اعتماد خيارات أخرى، فضلاً عما يجري في المنطقة العربية من حروب وصراعات داخلية، وتزايد الاحتمال بالتوصل إلى اتفاق نهائي حول البرنامج النووي الإيراني وحاجة أوباما إلى الكونغرس لتمرير هذا الاتقاق الذي يعتبره إنجازه الأكبر، ما يعني أنه ليس بوارد توجيه ضربة أخرى لإسرائيل من خلال تغيير السياسة الأميركية إزاءها، بل ربما يكون معنيًا بترضيتها.