#1    
قديم 05-11-2015, 10:14 AM
الصورة الرمزية ابومحمد قاسم
ابومحمد قاسم
+قلم دائم الاحتراف+
 
 
الانتساب: 15 - 9 - 2010
الإقامة: الشمال
المشاركات: 16,142
معدل تقييم المستوى: 23
ابومحمد قاسم is a glorious beacon of light

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 

موسم الفرار نحو الغرب


عزت صافي (الحياة)

11 مايو 2015

مطلع الثمانينات من القرن الماضي كانت ألمانيا شطرين وجمهوريتين: «ألمانيا الاتحادية» (غرباً) و «ألمانيا الاشتراكية الديموقراطية» (شرقاً). وكانت مدينة بون عاصمة موقتة للجمهورية الاتحادية، فيما كان الشطر الشرقي من برلين عاصمة «ألمانيا الديموقراطية». الأولى كانت تحت وصاية الحلف الأطلسي وحمايته، والثانية كانت تحت الاحتلال العسكري السوفياتي.
في ذلك الزمن كانت «حكومة بون» تستضيف عشرات الصحافيين من جميع أنحاء العالم لمتابعة انتخابات المستشار الألماني الذي هو رأس الدولة (رئيس الجمهورية منصب شرفيّ). ودائماً كانت المعركة محصورة بين «الحزب الديموقراطي المسيحي» والحزب الاشتراكي، وفي الوسط «حزب الخضر». وكنت أحد الصحافيين المدعوين، وكانت مرافقتي المترجمة ألمانية من أصل روماني، وكانت عائلتها قد هربت إلى ألمانيا من جور الديكتاتور الشيوعي نيكولاي تشاوشيسكو وفظائعه.
وإذ قدّمت المترجمة إلي برنامج الدعوة طلبت مني أن أراجعه لأحذف أو أعدل ما لا يناسبني. وقد وجدت في البرنامج رحلة بمحاذاة الجدار الذي كان يفصل بين برلين الشرقية وبرلين الغربية. وكان السوفيات هم من أقاموا ذلك الجدار على حافة النهر بدءاً من العام 1961، وقد صمد حتى سقط عام 1989، وبعده سقط الاتحاد السوفياتي الجبار. عند حافة النهر في الجانب الغربي من برلين، وقفت المترجمة وأشارت إلى برج مراقبة وراء الجدار المحصن من الجهة الشرقية. كان جنديان روسيان في قمة البرج شاهرين سلاحيهما، مصوبين على مجرى النهر. قالت المترجمة: هذا هو معبر الموت أو الحياة للألمان المقيمين في الشرق. هم يرمون أنفسهم جماعات في مجرى النهر لعلّهم يبلغون هذه البقعة من الحرية. لكن العشرات منهم يصلون إلى هنا جثثاً هامدة.
«إنه الفرار من الشرق الغارق في الظلم والفقر والكبت واليأس إلى الغرب الناعم بالحرية والعدالة والعيش بكرامة وأمان»، قالت المترجمة الرومانية الأصل، وكأنها تفسر لي لماذا هربت عائلتها من شرق أوروبا إلى غربها.
حكم السوفيات أوروبا الشرقية، بما فيها الجزء الشرقي من ألمانيا، نحو أربعين سنة، فردّوا شعوبها إلى زمن الحرب العالمية الأولى. وطول تلك المدة كانت ألمانيا (الغربية) مميزة تحت وصاية الأميركيين والبريطانيين والفرنسيين وحمايتهم. كانت تُجرى فيها انتخابات نيابية، واستعاد بعض مدنها طراز ما قبل الحرب، كما استعادت صناعتها بعض ما افتقدت من علماء ومبتكرين. أما جناحها الشرقي، فبعد نحو ربع قرن من عودته إلى الحضن الغربي، فإنه لا يزال متأخراً عنه نسبياً، هذا بالرغم من أن إدارة المستشارية في العاصمة برلين أنفقت على ما كان يُسمى «الشطر الشرقي» قسماً ضخماً من موازنتها العامة سنة بعد سنة. دائماً هناك فرار من الشرق نحو الغرب. ودائماً هناك معبر إلى الحياة هو أيضاً معبر إلى الموت. والمعبر متنقل، وهو كان أخيراً في عباب البحر قبالة الشاطئ الإيطالي، حيث غرق أكثر من ألف من الأفارقة والعرب وسواهم من الرجال والنساء والأولاد كانوا هاربين من الموت قتلاً، أو جوعاً، فكان نصيبهم في الأعماق وقد سبقهم آلاف بعضهم نجا، وبعض قضى، وبعض ينتظر.
هي حال العرب في هذه المرحلة من تطاحن الدول على أرضهم.
في زمن جدار برلين كانت أوروبا غاطسة في الحلف الأطلسي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية، ولا تزال، وكانت لها صلوات البابا يوحنا بولس الثاني وخطط «البنتاغون» في عهد الرئيس رونالد ريغان. وكان رهان الولايات المتحدة معقوداً على الفوز في سباق «حرب النجوم» مع الاتحاد السوفياتي. وقد ربحت أميركا ومعها دول الاتحاد الأوروبي، الرهان، وخرج الكرملين من السباق مهزوماً وعاجزاً عن تأمين الحاجات الضرورية لجيوشه وشعوبه. وفي ذلك المناخ من الهبوط العسكري والسياسي والاقتصادي والمعنوي الذي عمّ إمبراطورية موسكو، حدث الهجوم المدني بالمطارق على الجزء الغربي من جدار برلين، وتغيّر العالم. ظهر ميخائيل غورباتشوف (الإصلاحي) وجلس على سدّة «الرفاق القياصرة» وخرج ليش فاليسا من بين عمال ميناء غدانسك إلى قصر الرئاسة في بولندا، ووافق المناضل الثقافي فاتسلاف هافل على قبول رئاسة تشيكوسلوفاكيا. ثم كرّت سبحة الدول الشيوعية السابقة الخارجة من الأسر، فراحت تطرق باب الحلف الأطلسي وتجد لها مقاعد.
وحدها «منظومة الدول الاشتراكية» العربية حافظت على مواقعها، كأن ما يحدث في العالم إنما يحدث على كوكب المريخ. ووحدها الدول العربية «المحافظة» أصغت إلى أصداء الزلازل من بُعد. وهناك دولة أخرى منفردة فتحت جغرافيا المنطقة على صفحة جديدة وراحت تعيد النظر في استراتيجيتها الإقليمية، هي إيران. لم تعد معنية بتحالفات جيرانها، بل راحت ترمي شباكها باتجاه الغرب. أخذت تعبس في وجه المحيط القريب، وتبتسم للمحيط البعيد. هناك «الشيطان الأكبر» و «الشر الأكبر» لكنه الشر الذي لا بدّ منه. وعندما يتطلّب الأمر صب اللعنات على إسرائيل تكيل لها بالصاع الأكبر. وها هي إيران اليوم في استراحة نقاهة بين المدن الأوروبية الجميلة بانتظار موعد العرس النووي الكبير أواخر حزيران (يونيو) المقبل، وهي في الوقت عينه تدير حرب التدمير الجارية في محيطها من العراق إلى سورية واليمن، وشعارها الصمود والبقاء للنظام السوري الذي «يضع إسرائيل عند حدّها»!
وإذا ما أعوزت دول المنطقة نصيحة، تبرع بها وزير الخارجية الإيراني عبر صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية الممنوعة في طهران وسائر أقاليم ولاية الفقيه.
ينبّه الوزير محمد جواد ظريف دول الغرب إلى أن منطقة الخليج في حالة اضطراب. وفي رأيه أن المسألة ليست مسألة ارتفاع وهبوط للحكومات، «ذلك أن ما يجري هو تمزّق النسيج الاجتماعي والثقافي والديني للبلدان بأكملها، وتحولها إلى أشلاء».
ثمّ أن الوزير الديبلوماسي الإيراني الذي حاز درجة عالية من الإعجاب من مواطنيه على دوره في مفاوضات لوزان يُدلي بنصائح لأقرانه المفاوضين من أميركيين وأوروبيين. يقول لهم «إن العولمة جعلت من كل البدائل باطلة. ذلك أن السياسات الدولية لا تعمل في فراغ. لا يمكن السعي لتحقيق الأمن على حساب انعدام أمن الآخرين. لا يمكن لأي دولة أن تحقق مصالحها من دون النظر إلى مصالح الآخرين».
لكن الوزير عينه يتناسى أين تعمل قوات بلاده خارج حدودها فيشدّد على «احترام السيادة والسلامة الإقليمية والاستقلال السياسي لكل الدول. ويذكر بواجب حرمة الحدود الدولية، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية…».
هل سمعتم يا عرب؟!
لو أن الوزير الإيراني كان يدلي بهذه الآراء والمواقف في مؤتمر صحافي خارج طهران لكان وجد صحافياً واحداً، على الأقل، يسأله: من هي الدولة التي تفعل كل ذلك يا حضرة الوزير؟
المشكلة العربية مع إيران صعبة. إنها دولة كبيرة وقوية فعلاً، تستقوي على أي دولة تراها ضعيفة. هذا يحصل علناً بالعين المجردة وبالبلاغات الميدانية ساعة بساعة، في اليمن والعراق وسورية. وهذا يعني أن إيران تلعب في المساحة الجغرافية الممتدة بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط.
يحدث كل ذلك فيما إسرائيل تستعد مع سائر يهود العالم للاحتفال بالذكرى المئوية للوعد الذي قطعه لهم السيئ الذكر البريطاني آرثر بلفور عام 1917. وقد تحقق الوعد في مرحلة أولى عام 1948، وقامت دولة إسرائيل على أرض فلسطين، ثمّ توسّعت في حرب 1967، واليوم يدعو بنيامين نتانياهو لقيام دولة إسرائيل اليهودية على أرض كل فلسطين. فمن سيقف في طريق هذه الدولة إذا بقيت الدول العربية على ما هي عليه الآن؟ وماذا يحدث إذا فتحت دول الغرب باباً أمام العرب؟
سؤال مخيف. لكنه مطروح في موسم الفرار نحو الغرب…