#1    
قديم 04-16-2015, 12:22 AM
الصورة الرمزية ابومحمد قاسم
ابومحمد قاسم
+قلم دائم الاحتراف+
 
 
الانتساب: 15 - 9 - 2010
الإقامة: الشمال
المشاركات: 16,142
معدل تقييم المستوى: 23
ابومحمد قاسم is a glorious beacon of light

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 

لينا الخطيب
A+ a-
تكتيك الأمر الواقع في اليرموك

النسخة: الورقية - دولي
الأربعاء، ١٥ أبريل/ نيسان ٢٠١٥ (٠١:٠ - بتوقيت غرينتش)
كثر اللغط نتيجة هجوم تنظيم «داعش» على مخيم اليرموك، وأثار تساؤلات عديدة حول أدوار الجهات المعنية بالمعارك هناك، وما أكثرها. فكيف يمكن النظام السوري ان يسمح لـ «داعش» بالاقتراب الى مسافة تبعد ثمانية كيلومترات فقط عن دمشق؟ وما حال موقف «جبهة النصرة» المتناقض تجاه «داعش» في نطاق هذا الهجوم؟ وما هو الموقف الفلسطيني من كل ما يجري في اليرموك؟
قد يبدو للكثيرين ان ليس هناك من منطق في مسار احداث اليرموك. فالامور ضبابية وطبعاً مقلقة، بخاصة بالنسبة الى سكان المخيم. والحال انه في الصراع الجاري في سورية، الأمر الواقع في ارض المعركة يفرض نفسه، وليس المنطق النظري. وهنا من المجدي مراجعة تاريخ مواقف الجهات المعنية في معارك اليرموك من بعضها البعض، علّها توضح الى حد ما مسار الأحداث الجارية.
اولاً، موقف النظام من اليرموك: بعد فترة من المحاولة للبقاء على الحياد بعد اندلاع الثورة السورية، وجد قادة «حماس» في دمشق انفسهم في وضع حرج جراء وضوح قمع النظام السوري للثورة، وجراء موقف قطر المناوئ للنظام. فأتى الانتقاد المترتب من قبل الفصائل الفلسطينية الموجودة في سورية للنظام ليجعل مخيم اليرموك نموذجاً يتيح للأسد من خلاله اعطاء درس قاسٍ لكل من يحاول مقارعته. فحاصر النظام المخيم وجوّع اهله، وهو الآن يقضي على ما تبقى من سكانه بحجة انه يلقي البراميل المتفجرة على «داعش» بعد هجوم الأخير على المخيم. فالواضح ان النظام لا يعطي اهمية للفلسطينيين داخل المخيم، وهو مستعد للتضحية بهم كي يحقق اهدافه السياسية اي القضاء على كل اشكال المعارضة، ولكي يصنف نفسه كمكافح للارهاب.
ثانياً، موقف الفصائل الفلسطينية من النظام: بعد قمع النظام السوري للفلسطينيين من خلال حصار اليرموك، بدأت تتشكل حركات مسلحة معارضة للنظام داخل المخيم، معظمها حركات اسلامية التوجه. والعديد منها أصبح بعد فترة من الزمن مناصراً لـ «جبهة النصرة» وغيرها من التيارات الاسلامية التي نمت في سورية نتيجة فظائع نظام الاسد وعدم قدرة المعارضة المعتدلة الانتصار عليه. وبناء على ذلك، فلا يوجد موقف موحد للفصائل الفلسطينية، وبعض الفلسطينيين لاحقاً انضم الى تنظيم «داعش». ولهذا الآن نجد ان بعض الفلسطينيين يدعمون «داعش» في اليرموك، وهم ساهموا بتسهيل سيطرته على المخيم من خلال العمل كخلايا نائمة، فيما الاكثرية الفلسطينية تحارب «داعش». وقد حاول النظام استغلال هذه البلبلة من خلال مبدأ فرق تسد، فجرب ان يستقطب بعض الجهات الفلسطينية للمحاربة الى جانبه، بينما تواصل مجموعات اخرى محاربة «داعش» والنظام في آن، ونجاح هذا الاستقطاب كان ما سيساهم في إضعاف الفلسطينيين في وجه النظام عموماً.
ثالثاً، موقف «جبهة النصرة» من «داعش»: كما الحال بالنسبة الى الفلسطينيين، فان ليس لـ «جبهة النصرة» موقف موحد على الارض وان كان موقف قادتها واضحاً بمعارضته لنظام الاسد. كانت «جبهة النصرة» قد بدأت كتنظيم اسلامي يحارب النظام، ولكن بعد بروز تنظيم «داعش»، والذي نصب نفسه على انه «الوجه الحقيقي» لتنظيم «القاعدةط وللالتحاق بنهج اسامة بن لادن، حصل ارتباك لافت في الصفوف الاسلامية في سورية وحتى بين بعض مموليها في الخارج، ما دفع العديد منهم الى هجر «جبهة النصرة» ومؤازرة «داعش». وبعض هذه الفصائل موجود في الجنوب، وهي ان لم تكن قد بايعت «داعش»، فهي أيضاًَ لعبت دور الخلايا النائمة التي ساعدت «داعش» في محاولته الامتداد جنوباً. وهذه المجموعات هي التي قاتلت ولا تزال في معارك اليرموك، ما يشكل إحراجاً كبيراً لقادة «جبهة النصرة». وهذا الارتباك دفع العديد من الناس الى الاستنتاج الخاطئ ان «جبهة النصرة» برمتها هي مساندة لـ «داعش»، فيما الواقع هو ان التنظيمين خصمان سياسيان ولكنهما يتجنبان ان يشتبكا عسكرياً، وهذا سبب عدم تدخل مجموعات «جبهة النصرة» التي هي ضد «داعش» لمحاربته في اليرموك. ذلك أن أي مواجهة ساخنة بين «النصرة» و «داعش» تحدث اندلاع معارك بينهما في أنحاء سورية وهذا لا يصب في مصلحة «داعش» الذي يحاول الآن التركيز على انشاء «خلافته»، ولا في مصلحة «النصرة» التي تحاول تركيز جهدها على محاربة النظام.
رابعاً، موقف النظام من «داعش»: هنا يكمن اللغط الاكبر، حيث ان النظام دائماً يتكلم عن تنظيم «داعش» على أنه عدو لدود. الواقع أن «داعش» هو فعلاً عدو للأسد ولكنه عدو ودود لا لدود. فالنظام هو الذي اتاح لـ «داعش» الوجود في بادئ الأمر، لأن الأسد أراد أن يصور الثورة السورية كمؤامرة إرهابية، ولذا فتح أبواب السجون وأطلق منها الجهاديين، وغض النظر عن تحركاتهم داخل سورية، لا بل وأصبح من زبائنهم عندما سيطروا على آبار النفط في الشمال الشرقي للبلاد. ولا يزال النظام حتى الآن يشتري النفط من «داعش» ويتفاوض معه على تأمين الموارد والخدمات في مناطق سيطرة التنظيم.
ورأى الأسد ان «داعش» ممكن أن يكون أداة مناسبة لمحاربة المعارضة المعتدلة، ولهذا فهو سهل تحركات التنظيم في العديد من المناطق السورية حينما كانت اهداف هذه التحركات هي الهجوم على «الجيش السوري الحر». فعندما قدم «داعش» الى القلمون مثلاً، أبقى النظام الطرق مفتوحة له ولم يواجهه. وهنا نعود الى اهمية التركيز على الأمر الواقع في الوضع السوري، ففي القلمون، واجه الجيش النظامي السوري تحديات كبرى على الارض، واضطر الى الاستعانة بـ «حزب الله» كما جيش الدفاع الوطني لمواجهة الجيش السوري الحر في المنطقة، فكان استخدام «داعش» غير المباشر هو تكتيك وليس استراتيجية - فالنظام في آخر المطاف يعتبر أن بإمكانه القضاء على «داعش» لاحقاً عندما تنتفي الضرورة لوجوده، أي عندما تخسر المعارضة السورية المعتدلة في الحرب ضد النظام. فهذه البراغماتية تجاه «داعش» هي التي ساعدته على السيطرة في اليرموك تحت أنظار النظام.
والحال أن «داعش»، على رغم هجماته الشرسة على قواعد النظام العسكرية في الصيف المنصرم كالهجوم على مطار الطبقة، خفف الآن الى حد كبير من عملياته ضد قوات الأسد، وهو يركز على محاربة المعارضة كما حدث مؤخراً في التفجيرات التي استهدفت «الجبهة الشامية» في حلب. فـ «داعش» أيضاً فهم بأن النظام بحاجة إليه ليثبت صدقيته، لذا فإن تواجد «داعش» على مشارف دمشق هو غير مقلق للأسد.
بالعكس ما يقلق الاسد حالياً هو أن المعارضة في المناطق الجنوبية (وهذه المناطق مرغوبة من قبل «داعش» لتبرز وسع نفوذه، وهي تبعد مئة كيلومتـــر فقط عن اليرموك) بدأت تــــثبت وجـــودها أكثر وأكثر في وجه النظام. فحـــاول النظام منع ذلك من خلال استخدام «حزب الله» بمساندة إيرانية منذ شهرين ولكن العملية لم تكن ناجحة، لذا لم يعد للنظام خيارات متعددة. فبينما تحقق المعارضة في الجنوب انتصارات ضد النظام، وبــينما يقوى دور الفصائل الإسلامية المناوئة للنظام في الشمال، وعندما يحصل كل هذا يجد نظــام الأسد نفسه أضعف من السابق، يصبح تنظيم «داعش» بالنسبة إليه أهــون الشرين.


* كاتبة لبنانية ومديرة مركز كارنيغي للشرق الاوسط في بيروت