#1    
قديم 04-12-2015, 12:34 AM
الصورة الرمزية ابومحمد قاسم
ابومحمد قاسم
+قلم دائم الاحتراف+
 
 
الانتساب: 15 - 9 - 2010
الإقامة: الشمال
المشاركات: 16,142
معدل تقييم المستوى: 23
ابومحمد قاسم is a glorious beacon of light

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 

العرب والعالم إزاء العصر النووي الجديد

د.خطار ابو ذياب (العرب اون لاين)

11 أبريل 2015

الخطر الداهم يبقى في استخدام سلاح دمار شامل من دول لغايات أيديولوجية أو دينية، أو وقوع أسلحة نووية في أيدي إرهابيين أو متعصبين داخل قوات مسلحة رسمية.
“أنا لا أعرف ما السلاح الذي سيستخدمه الإنسان في الحرب العالمية الثالثة، لكنني أعلم أنه سيستخدم العصا والحجر في الحرب العالمية الرابعة”. بهذه الكلمات تنبأ ألبرت أينشتاين وحذر من مخاطر استخدام السلاح النووي وتطويره. من هيروشيما وناغازاكي في ختام الحرب العالمية الثانية، إلى أزمة صواريخ كوبا عام 1962، وامتدادا إلى كارثة تشرنوبيل في العام 1986، إلى تسونامي فوكوشيما في العام 2011، عاش العالم في العصر النووي الأول على وقع الردع المتبادل خلال الحرب الباردة والكوارث المرافقة للاستخدام. لكن نبوءة صاحب نظرية النسبية لم تتحقق، بل أصبحت الذرّة مرادفا للتقدم والحاجة في حالات استخدامها السلمي أو للتعويض بها عن طاقة أخرى مكلفة مثل النفط والغاز.
كان ذلك إذن في العصر النووي الأول تحت رعاية النادي النووي الذي يضم الخمسة الكبار، وهم أنفسهم الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن الدولي، أي المنتصرون في الحرب العالمية الثانية. عبر هذه الغلبة، ومن خلال معاهدات ملزمة أبرزها معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية، جرى ضبط الوضع حتى آخر القرن الماضي، إذ اخترقت الهند وباكستان النادي المغلق، بالإضافة إلى الاستثناء الإسرائيلي الذي كان مقبولا من دون إعلان، وكان لهذا التسلل الآسيوي الذي سهله عدم توقيع البلدين لمعاهدة الحظر، الإشارة لمرحلة جديدة من السباق خرجت منها طوعا بلدان مثل جنوب أفريقيا والأرجنتين والبرازيل، وبلدان كانت ضمن الاتحاد السوفياتي السابق.
وكان من الملفت أن ألمانيا واليابان صعدتا إلى القمة دون سلاح، في الوقت الذي انهار الاتحاد السوفياتي ومعه كل السلاح. ومن المفارقات أن هذا السلاح الأعظم يزيد من التعقل عند الأقوياء، وعند بلدان فيها آليات قانونية محكمة وعند ذلك يتم الاكتفاء بالتلويح والتهديد مثلما حصل في أزمة كوبا أو حرب 1973، أو أخيرا عند أزمة القرم في 2014، لكن ليس من الضروري أن يبقى الردع النووي مرادفا للسلام في حال الانتشار الواسع للسلاح النووي خاصة مع طموح دول عديدة لامتلاكه سرا أو علنا، بالإضافة إلى المراوحة في المكان منذ 2005 بخصوص تعديل المعاهدات وبقاء خطاب باراك أوباما في براغ (أبريل 2009) عن عالم من دون أسلحة نووية، كلاما نظريا في ظل ترسانات الكبار وممارساتهم.
والأدهى اليوم أن عودة مناخ الحرب الباردة وزمن الفوضى الإستراتيجية لا يوصلنا إلى آفاق الحد من أسلحة الدمار الشامل، بل يأخذنا إلى آفاق خطرة لأن عولمة التكنولوجيا والتطور الرقمي الإلكتروني يسقط المحظورات ويتيح لدول مارقة أو لمنظمات إرهابية أو لمافيات، الذهاب بالعالم نحو الأسوأ.
في غمار هذا الوضع، بعد مرور 25 سنة على انهيار الاتحاد السوفيتي، تقول المجلة الرصينة “الإيكونيميست” (7 مارس 2015) إن العالم بدأ يدخل عصرا نووياً جديدا، وصارت الإستراتيجية النووية معتركا للأنظمة المارقة، والخصوم الإقليميون الذين يزاحمون القوى النووية الأصلية الخمس (الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا والصين وروسيا)، التي تشوب تعاملاتها الشبهات والتنافس. وهناك سوق نووية سوداء و شبكات مجهولة وأخرى كشف عنها النقاب وأبرزها شبكة العالم الباكستاني عبدالقدير خان صاحب نظرية كسر الاحتكار النووي.
تستحوذ إيران، الآن، على انتباه العالم أجمع، لكن القلق من نشوب حرب نووية لا يرتبط بسبب إيران والشرق الأوسط أو كوريا الشمالية فحسب، بل يمكن أن يتعلق ببقية أجندة انتشار الأسلحة النووية التي يفسدها الإهمال والرضا بالوضع القائم والمتميز بالتوازن الهش.
بعيدا عن الخطابات الطوباوية، تنفق جميع القوى النووية ببذخ على تحديث ترسانتها الذرية، وذلك يضع نظريات الردع السابقة على المحك. في موازاة جغرافية سياسية جديدة ومفهوم جديد للدفاع في القرن الواحد والعشرين، يستمر الردع النووي (كان آباء نظرية الردع في فرنسا وعلى وجه الخصوص الجنرالان غالوا وبوارييه، أرسيا سياسة ردع الضعيف للقوي أي التلويح بالتدمير المتبادل والمساواة بين الجريمة والعقاب) في لعب دوره، إلا أن آلياته وشروطه تغيرت مع بروز القوى الأوراسية والآسيوية الضخمة، وامتلاكها أسلحة الدمار الشامل، وما نجم عن ظهورها وتسلحها من أحوال طارئة.
مع استمرار الإنفاق الأميركي والفرنسي والبريطاني على مستوياته المعهودة، نمت ميزانية روسيا الدفاعية بنسبة تزيد على 50 بالمئة منذ عام 2007، وثلث هذه الميزانية بالكامل يخصَّص للأسلحة النووية، كما تعمل الصين على زيادة مخزوناتها، وتستثمر، بغزارة، في الغواصات وبطاريات الصواريخ المتنقلة، فيما تعكف باكستان على تكديس العشرات من الأسلحة النووية التي تستخدم في ميدان القتال لتعويض تدنّيها عن الهند من حيث القوات التقليدية، ويُعتقد أن كوريا الشمالية قادرة على إضافة رأس نووية سنويا إلى مخزونها البالغ نحو عشر رؤوس، وتعمل على تطوير صواريخ يمكنها ضرب الساحل الغربي للولايات المتحدة.
زيادة على استمرار سباق التسلح التقليدي والبالستي، يكتنف الغموض العقيدة النووية عند بعض القوى الفاعلة أو صعوبة قراءة طرف ما يخبئ له الطرف الآخر (مثل واشنطن وموسكو خلال الحرب الباردة أو الهند وباكستان حاليا).
إذا سلمنا وافترضنا نجاح الخمسة زائد واحد في إبقاء إيران قوة نووية على الحافة لمدة تتجاوز العقد من الزمن، إلا أن ذلك لا يبعد احتمال انضمام المملكة العربية السعودية وتركيا، وربما مصر إلى جانب إسرائيل ضمن ناد نووي شرق أوسطي من دون قواعد، مع التساؤل حيال قدرة كل واحدة من الدول الخمس على إدارة تعادل نووي مركب خماسي الأبعاد، ويبقى الخطر الداهم في استخدام سلاح دمار شامل من دول لغايات أيديولوجية أو دينية، أو وقوع أسلحة نووية في أيدي إرهابيين أو متعصبين داخل قوات مسلحة رسمية.

في العصر النووي الجديد، لا تتورع روسيا عن استخدام التهديدات النووية كسلاح هجومي في إستراتيجية الترهيب التي تتبعها على الأقل في جوارها القريب. ويمكن للصعود الصيني والسعي إلى الهيمنة في بحر الصين وجواره، أن يؤدي إلى قيام اليابان وكوريا الجنوبية بالسعي لولوج النادي النووي، مع ما يترتب عن ذلك من احتمال الوصول إلى تعادل نووي إقليمي مرعب آخر.
إذا حلت الفوضى النووية في عالم يسوده الاضطراب الإستراتيجي وتضعف فيه قواعد الحوكمة، لا يكفي تطوير معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية وتنشيط الدبلوماسية للدفاع عن النفس. وفي مواجهة تهديد الانتشار النووي في الشرق الأوسط، لا يمكن للعرب البقاء خارج المعادلة، مع وجوب كل الحذر لأن تجارب العراق وليبيا وسوريا لم تثمر، ولأن المساعي الإماراتية والأردنية والمصرية والجزائرية والسعودية يمكن أن تتوحد في نواحي البحث العلمي والاستخدام السلمي للطاقة.
أما بالنسبة للسلاح النووي بحد ذاته ولأن شعار الشرق الأوسط الخال من أسلحة الدمار الشامل سيبقى شعارا، لا يمكن اللحاق بالركب من دون حد أدنى من نظام إقليمي عربي، ومن بدء مشروعات اندماج اقتصادي ودفاعي. وما يمكن أن يطمئن العودة إلى دراسة المؤرخ الكبير توينبي عن انهيار الحضارات في التاريخ، حيث أن السبب لم يكن النقص في التقنية أو في تطوير الأساليب الحربية، بل إن المقتل جاء من حماقة الروح العدوانية والحرب التوسعية.
————————————
(*) أستاذ العلوم السياسية، المركز الدولي للجيوبوليتيك – باريس