#1    
قديم 03-22-2015, 12:40 AM
الصورة الرمزية ابومحمد قاسم
ابومحمد قاسم
+قلم دائم الاحتراف+
 
 
الانتساب: 15 - 9 - 2010
الإقامة: الشمال
المشاركات: 16,142
معدل تقييم المستوى: 23
ابومحمد قاسم is a glorious beacon of light

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 

في أسباب قوة إيران



الياس فرحات 21-03-2015 02:06 AM
في تشرين الأول 2003، حضر الى طهران وزراء خارجية فرنسا وبريطانيا والمانيا لبحث البرنامج النووي الإيراني، واجتمعوا الى الشيخ حسن روحاني الذي كان أمين عام مجلس الامن القومي. لفتت صورة الاجتماع ومستواه انتباه المراقبين خصوصا إثر التوصل الى «اعلان طهران»، الذي تضمن موافقة ايران على التعاون مع «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، وتوقيع وتنفيذ البروتوكول الإضافي وتعليق أنشطة التخصيب. في المقابل، وافق الثلاثي الأوروبي صراحة على الاعتراف بحقوق إيران النووية وبحث سبل إنجازها. انطلقت منذ ذلك الحين، اي في عهد الرئيس محمد خاتمي، المفاوضات بين ايـــران وبين «مجموعة خمسة زائد واحد»، بعدما انضــمت الى المفاوضات باقي الدول الدائمة العضوية في مجلس الامن والمانيا. ما تزال المفاوضات جارية، ومن المرتقب انتهـــاؤها اواخر الشــــهر الجاري. تخلل هذه الفترة عقوبات فرضها على ايــــران مجلس الامن الدولي، بالاضـــافة الى عقوبات عن طـــريق الاتحاد الاوروبي واخرى من جانب الولايات المتحدة.
ادخلت هذه العقوبات ايران في عزلة اقتصادية دولية، واثرت سلبا على الاقتصاد الايراني وخصوصا قطاع النفط والمصارف والطيران المدني وغيرها. في الأساس، منذ انتصار «الثورة الإسلامية» في ايران العام 1979، ونشوء حالة العداء مع الولايات المتحدة، كانت ايران تعاني من حصار اقتصادي وعقوبات اميركية وغربية. استفاد الاقتصاد الايراني من دول الجوار في الخليج وتركيا وحقق بعض الانفتاح الذي مكنه من مواجهة الحصار.
خلال هذه الحقبة التي امتدت منذ انتصار الثورة حتى اليوم، اي نحو 36 عاما، عانت ايران من حرب مدمرة مع العراق تسببت بمقتل وجرح مئات الالاف وتدمير كبير في الممتلكات والمؤسسات. برغم ذلك، تحضر ايران اليوم كدولة اقليمية قوية لها مصالح ونفوذ، ويفاوضها الغرب بأكمله. كيف تحقق لها ذلك؟
ـ على الصعيد الداخلي شهدت ايران بعد انتصار «الثورة الإسلامية» اعادة بناء شاملة. لقد تغير كل شيء في الـدولة ومؤسساتها ودستورها وقوانينها وانظمتها.
ـ اعتمد المرشد السيد علي خامنئي على اربعة مبادئ لبناء الدولة والمجتمع، حددها الباحث الاميركي الايراني الاصل كريم سادجابور بالتقوى والعدالة والاستقلالية والاكتفاء الذاتي. ادى حسن تطبيق هذه المبادئ الى تماسك اثني وطبقي اجتماعي نتيجة لترشيد الاقتصاد والاكتفاء الذاتي، والى سيادة القرار الوطني كنتيجة لمبدأ الاستقلالية.
ـ ليـــس سرا ان الحاجة التي فرضها الحصار وخـــلو الاسواق، دفعا ايران الى اطلاق عملية تصنيع وطنـــية كبيرة. وبرغم أن نوعية الانتاج لم تضاه الانــتاج الغربي، إلا أنها ضمنت انشاء خطــوط انـــتاج وطنية تتطور مع الانفتاح على العالم بطرق مختلفة. وبذلك اصبح لايران قاعدة صناعية للانــتاج في مختلف المجالات.

ـ بدا لافتا الاهتمام الايراني بتطوير انظمة التعليم واخراجها من الجمود وتعزيز ودعم الابحاث العلمية. وقد صنفت «جامعة الشريف» من كبرى جامعات العالم، اضافة لانشاء مراكز ابحاث علمية وتكنولوجية ومعلوماتية.
ـ شهدت ايران حياة سياسية تحت سقف الدستور، بما في ذلك انشاء احزاب وتجمعات سياسية توزعت بين محافظين واصلاحيين، وادت الى تداول محدود للسلطة تحت سقف المرشد والدستور. كما شهدت انتخابات رئاسية وتشريعية منتظمة افضت الى تغييرات في السلطة.
ـ منح نظام «الثورة الإسلامية» في ايران الفرص امام الشباب الايراني للوصول الى اهداف ومراتب، وسمح التعليم بظهور فئة متعلمة تمسك بمفاصل الدولة. كما سمح بانتاج قيادات من خارج الصف التقليدي، لكنها بقيت جميعها تحت سقف المرشد. بالمقارنة، كانت معظم القيادات في الخليج تأتي من العائلات الحاكمة وفي بقية الدول العربية من الجيش والقوى المسلحة. تتشابه ايران مع تركيا في انتاج القيادات مع اختلاف المساحة الديموقراطية، وهي في تركيا ارحب مما هي في ايران.
ـ عانت ايران منذ الثورة من عدوين لدودين هما نظام طالبان في افغانستان ونظام «البعث» في العراق، واسهم سقوط النظامين العراقي والافغاني بالغزو الاميركي المسلح وحلول نظامين ركيكين مكانهما في توسع الدور الايراني داخل تينك الدولتين، والى توسع كبير من جهة الغرب الى العراق وسوريا ولبنان وغزة واليمن والصومال واريتريا والسودان، مستفيدة من خلو العالم العربي والاسلامي من مشاريع عابرة للحدود، ومن تراجع اهتمام العرب والمسلمين بقضية فلسطين والتركيز والتعويل على مفاوضات طويلة وعبثية لم تفض الى شيء، فيما كانت ايران تحمل علم فلسطين الى الداخل العربي الاسلامي.
ـ اصطدمت ايران بحاجز المذهبية والخلاف السني ـ الشيعي الذي تم استحضاره للحلول مكان الخلافات السياسية التي سادت في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، الذي تبعه في حينه الوطنيون العرب من دون بحث في دينه ولا في مذهبه، ووقفوا ضد خصومه من دون بحث ايضا في دينهم أو في مذهبهم. اليوم تحضر المذهبية امام ايران، وهي تواجهها بتوسيع عمل التقريب بين المذاهب وبالتعاون مع «الاخوان المسلمين» ودعم حركة «حماس» برغم الاختلافات السياسية معها خصوصا في الملف السوري، وفضلاً عن دعم باقي الفصائل الفلسطينية والحرص على العلاقة مع السلطة الفلسطينية.
كما تقيم إيران علاقات براغماتية مع الدول الاسلامية السنية الوازنة مثل تركيا وباكستان واندونيسيا (رفض رئيس وزراء باكستان نواز شريف بلباقة فكرة اقامة «حلف سني» اثناء زيارته السعودية مؤخراً، كما ان تركيا برغم تورطها المباشر في الازمة السورية، ليست في وارد توتــير العلاقة مع ايران). وما زالت العلاقات قائمة مع «مجلس التعاون الخليجي» بما فيها السعودية، ويشوبها توتر مع بعضها وتحسن مع بعض اخر.
ـ عززت ايران علاقاتها مع روسيا ومع الصين واميركا اللاتينية (لاحظ زيارات المسؤولين الايرانيين الى هذه الدول) ومع دول «البريكس»، وامتازت دبلوماسيتها بدينامية قوية بالمقارنة مع الركود الدبلوماسي لمعظم دول المنطقة.
ـ لعبــت ايران دورا مهماً في مكافحة الارهاب وتحولت خلال عقدين من متهمة بالارهاب الى شريك في مكافحته، كما ورد في التــقرير الاخير لرئيس المجموعة الاستخبارية الاميركية جيمس كلابر المقدم الى الكونغرس.
- لا يظنّن احد ان القوة العسكرية الايرانية وحدها هي التي رفعت مقامها الاقليمي والدولي. فالقوة العسكرية ضرورية لكنها غير كافية. تصنف ايران وفقا لجدول Global FirePower في المرتبة 23 في القوى العسكرية في العالم، بينما تسبقها مصر التي تصنف في المرتبة 18 واسرائيل في المرتبة 11 وتركيا في المرتبة 10. هناك ثلاث دول في الاقليم تسبقها في ترتيب القوة العسكرية لكنها ما زالت محط جذب الغرب بسبب مجمل العوامل التي ذكرت آنفاً، وهذه العوامل بعضها موجـود في بعض الدول ومعظمها غائب في البعض الاخر.
لقد انطلقت ايران من البنية الداخلية القوية، ومن السياسة الخارجية البراغماتية، ومن الالتزام الايديولوجي بالقضية الفلسطينية، ومن اقتصاد الاكتفاء الذاتي، ومن القرارات السيادية، واستطاعت ان تصبح دولة اقليمية قوية تعترف بها مجموعة خمسة زائد واحد وتتفاوض معها وربما تتشارك معها في المستقبل.
نشر هذا المقال في جريدة السفير بتاريخ 2015-03-21 على الصفحة رقم 14 – قضايا وآراء