#1    
قديم 11-14-2013, 10:38 PM
الصورة الرمزية ام سيف 90
ام سيف 90
+ قلم محترف +
 
 
الانتساب: 25 - 11 - 2010
الإقامة: فى عالمى الخاص
العمر: 27
المشاركات: 2,971
معدل تقييم المستوى: 9
ام سيف 90 has a spectacular aura about

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 

وسط صيحات الأطفال التي تناثرت في ساحة مدرسة ذكور قلقيلية الأساسية الثانية في دقائق حريتهم المعدودة، اقتربت الحاجة الستينية شريفة منصور نحو مديرة مدرستها بخطوات واثقة وابتسامه خجولة ملأت وجهها الحزين، لتقف لبرهة من الزمن وقفة طالب مثابر يقدر قيمة الوقت، قبل الحديث إلينا، وكأنها تحاول أن تستجمع شريط مسيرتها الذي انتهي بوميض نجاح قلب حياتها رأسا على عقب بعد أن أنار دربها بالعلم والمعرفة.

انهالت دموعها بحرقة، وتحول المكان الذي يعج بالجالسين في غرفة مديرتها إلى صمت قتل جدران المكان، كما هو منزلها الذي يخلو من أي ونيس، وبدأت بلملمة حروفها التي أصبحت تخطها حبرا على ورق، لتبدأ بسرد الحكاية التي تواجه التحديات في مجتمع يرفض البقاء والإنتصار للأنثى في كل مراحل حياتها، ومهما بلغت من العمر أشده.

عيناها الباكيتان لم تفارقا مديرتها التي منحتها الثقة والأمل بالقادم من الأيام، وكأنها تستمد من ثباتها وتشجيعها لها خيوط وتفاصيل حياتها القاسية، التي بدأت بحرمانها منذ نعومة أظفارها من ارتياد المدرسة وقطف ثمار المعرفة، لانشغالها ووالديها بالعناية والإهتمام بالمزرعة حتى بقيت عزباء بقلب مكسور، قهرتها الأيام وعانقتها الآلام بعد زواج أخوتها السبعة وانشغالهم بحياتهم الخاصة، لتمضي حياتها لأكثر من اثني عشرة عاما مضت منهمكة بمداواة ورعاية والديها المعاقين اللذان لا حول لهما ولا قوة، لتفتقدهما فجأة وبلمح البصر، بعد أن ارتقت روحهما إلى بارئهما.

لم تدرك الحاجة اللاجئة شريفة منصور65 عاما من مدينة قلقيلية أن الفرج قادم، وأنها ستخرج من عباءة الجهل والوحدة القاتلة في يوم من الأيام، حتى جاءت الفرصة السانحة والتي أخرجتها عن صمتها وبدون سابق إنذار، لتبدأ برسم ملامح الانتصار لذاتها بالقول " اتيحت لي الفرصة بالعمل (كآذنة) لمدة ثلاثة شهور ضمن برنامج خلق فرص العمل من خلال وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين، وكنت دائما أخجل عندما تطلب مني مديرة المدرسة المربية الفاضلة أمل حسنين ارسال بعض الأوراق للصفوف، ليكون ردي مخجلا دائما بأنني لا أعرف القراءة وحروف اللغة العربية حيث أنني لا أقوى على تمييز الصفوف من بعضها البعض، لتقنعني المديرة بأهمية العلم وضرورة الإلتحاق بالصف الأول وتعلم القراءة والكتابة".


تغلغلت الفكرة في صميم عقل وقلب الحاجة شريفة ووافقت على العرض الذي يتيح لها شرف اكتساب العلم، والذي رأت فيه خطوة نحو تنوير فكرها وتوعيتها خاصة وأنها تعيش في قلب مجتمع ذكوري تتفاقم فيه ظاهرة الإستغلال بشكل لا يرحم حيث استرسلت بالقول" أقدر حرص المديرة على تأدية رسالتها بأمانة ومنحي الثقة بأن أكون احدى طلبتها، أتعلم القراءة والكتابة مع أطفال من جيل أحفادي أجلس معهم جنبا إلى جنب وأواظب على الإلتزام بالدوام في الموعد ".

تغيرت نظرة شريفة نحو الحياة وبدأت تنظر لحياتها باهتمام وبجدية أكثر، حيث شعرت بوجودها وبقيمة ذاتها واستطاعت قراءة القرآن بعد حفظ الحروف الأبجدية وقراءة اللافتات في الشوارع واستخدام الجوال وقراءة الوثائق والأوراق الرسمية والتوقيع عليها بدلا من البصم بأصبع اليد بالإضافة إلى اجراء العمليات الحسابية عند شراء حاجياتها من المحلات التجارية.

لم تكن الحاجة شريفة تعلم أن دقائق النصر لإرادتها وعزيمتها قادمة لا محالة ، إلى أن أصبح الحلم حقيقة، لترسم من مأساتها قصة نجاح فاحت بعبقها بين جموع المدعوين لحفل تكريم ثلة من أوائل الطلبة في المدرسة لتكون احدى الطلبة المكرمين دون أن تعلم رغم مثابرتها. حيث غصت القاعة بالمسؤولين وأولياء الأمور التي سالت دموعهم معانقة شريفة لحظة اعلان اسمها مدويا بين الحضور .



دموع الفرح التي نثرتها الحاجة شريفة لتفوقها في الصف الأول بانتهاء الثلاثة شهور، لم تكن دموع الفراق خاصة بعد أن فتحت المدرسة ذراعيها لشريفة للترفع للصف الثاني، حيث انها اثبتت ولا زالت التزاما منقطع النظير وطاقة ايجابية يتحدث عنها معلميها ومعلماتها بالإضافة إلى زملائها الطلبة الذين منحوها لقب "معلمتي".

ورغم الإنجاز الذي حققته الحاجة شريفة ودعم البعض لها، إلا أن البعض الآخر غير راض عن ما وصلت إليه شريفة، وحول التحديات التي تضطر لمجابهتها في ظل مجتمع يعيش التناقضات والتي منحتها الثقة الأكبر والدافعية على مواصلة مسيرتها التعليمية، تقول" لاني قلت لصاحب التاكسي بديش اتأخر على المدرسة رد علي ( بعد ما شاب ودوه الكتاب) " .

وما زرعته المربية الفاضلة أمل حسنين مديرة المدرسة حصدته بجهودها ومتابعتها للحاجة شريفة ، مشيدة بمثابرتها ومفتخرة بإصرارها وجلدها على التعلم واكتساب المعرفة، مؤكدة حرصهم كمدرسة على تزويدها بكل ما يلزم لإكمال مسيرتها التعليمة، حيث أنها ستفتح الكثير من الآفاق العلمية أمامها بالإضافة إلى حثها على تعلم الحاسوب وانفتاحها على العالم الخارجي من خلال تعليمها التواصل عبر شبكات التواصل الإجتماعي، مطالبة بالإهتمام بفتح مدارس لتعليم محو الأمية وفي حال تعذر ذلك تدعو المسؤولين إلى ايلاء الموضوع الإهتمام الكافي والعمل على فتح شعبة في كل مدرسة وتعيين معلم لتعليم محو الأمية".

لم تكن الحاجة شريفة سوى واحدة من بين الكثيرات اللاتي لم يحالفهن الحظ في رسم مسيرة حياتهن حسب قناعتهن، لكنها من الأوائل التي أعلنت بقائها بارادتها التي لا تلين، حيث خطت شعار حياتها القادمة "العلم نور، والجهل ظلام". بقلمها الذي لم يجف وبحروف تراقصت خجلا من أناملها المرتجفة .