#1    
قديم 08-08-2013, 04:13 PM
ابوسُلمى
موقوفون
 
 
الانتساب: 24 - 7 - 2012
المشاركات: 2,017
معدل تقييم المستوى: 0
ابوسُلمى has a spectacular aura about

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 


ها نحن الفلسطينيين نودع الشهر الفضيل، شهر التراحم والتضرع، شهر التسامح والمحبة، شهر وصل الأرحام والتآخي، الشهر الذي لا ينقطع خلاله الدعاء، في المساجد وفي المنازل، ومن أجل الوحدة ونصرة الإسلام والمسلمين، وفوز المستضعفين في الأرض، ونحن منهم، نودع هذا الشهر، وكمواطنين بسطاء، نتساءل، متى يمكن أن يصطلح حالنا، وإن لم يكن ذلك ممكناً في رمضان ففي أي شهر من السنة يمكن أن نرى بعضاً مما ندعو إليه، وبأيدينا تحقيقه وقد تحقق؟
عند السياسيين الذين يسوسون البلاد والعباد، كان ما صدر عنهم من أقوال وأفعال أسوأ بكثير مما يصدر خلال الأشهر الأخرى. التصريحات عدائية جداً، والأفعال أكثر عدائية. لقد تجاوزت التصريحات المتبادلة لغة الاتهامات والتحريض إلى ما هو أسوأ، ولا تليق باللغة المستخدمة بين سلطة ومعارضة، وتذهب إلى لغة عدائية.
لا يفيد في تجميل هذه العدائية، اعتذارات من نوع زلات اللسان، أو العصبية الطارئة، فالتصريحات تدل على توفر قناعات عميقة هي من أصل الظواهر السياسية، التي تستقطب الوضع الفلسطيني، وتحيله إلى أشلاء ممزقة، متصارعة، فيما يتساءل المواطن مرة وكل مرة، عن الأسباب والأهداف والمآلات.
لا يوجد في الساحة الفلسطينية طرف مرتاح، فيما الآخر أو الآخرون تعبون، فالكل تعب، والكل ضعيف، والكل في أزمة. في مصر الكبيرة التي تشهد تغييراً واضطراباً شديداً إلى حين، يجري شيطنة الفلسطينيين، بذريعة اتهام جزء منهم بالانخراط في الأوضاع الداخلية المصرية.
السياسة الرسمية المصرية ترفض هذه الشيطنة، والسياسيون بصفة عامة، يرفضونها كما ترفضها النخب الفكرية، والثقافية والاجتماعية، لكن الأمور واقعياً وعلى المستويات الإعلامية ليست على هذا النحو. المصيبة تكمن في أن طرفي الصراع والانقسام الفلسطيني، فتح وحماس، يصبان الزيت على النار المشتعلة، بدلاً من أن يتعاونا على إخمادها.
حملات متضادة بشأن وثائق لم نعرف حتى الآن من يقوم بتزويرها بذريعة تحريض مزعوم يمارسه طرف فلسطيني ضد آخر، لدى المصريين.
المصريون في الواقع هم الذين يعرفون تماماً، من هو الطرف الفلسطيني الذي يقوم بعمليات تزوير الوثائق، ويعرفون بالضبط، مدى تدخل بعض الفلسطينيين بصورة سلبية في شؤونهم الداخلية، لكنهم يؤثرون الصمت حتى الآن، ويمتنعون عن فتح الملفات في اللحظة الراهنة، لكنهم سيضطرون لفتحها والتعامل معها في وقت لاحق.
التصريحات الرسمية التي تصدر عن طرفي الصراع والانقسام، ليست مجرد كلمات في الهواء، وإنما تقترن بسلوكيات وأعمال وممارسة عدائية، كل طرف بحق كل الأطراف الأخرى التي تعارض منهجه وسياساته، ومواقفه، وكل طرف يستخدم ما بحوزته من وسائل القوة لقهر الآخرين، فلا يتوقف القهر من طرف على الطرف الآخر.


ثمة عناد ومكابرة وإصرار على سلوك القفز عن الحقائق، وبالتأكيد القفز عن تطلعات الرأي العام الفلسطيني، ولذلك فإن الطرفين يخسران من جماهيريتهما، لكنهما لا يعترفان. طرف يذهب إلى مفاوضات عبثية، بدون غطاء وطني، وبدون آمال، وبما يعاكس الموقف الشعبي، ويلوي عنق الحقيقة التي تؤكدها التجربة وتؤكدها وقائع السياسة الإسرائيلية، والطرف الآخر، يشي وجهه عن التغيرات العربية الجذرية الجارية، ولا يكلف نفسه عناء المراجعة واستخراج الدروس.
كنا نتوقع وكان من الطبيعي أن نتوقع، تراجع اللغة العدائية، واستبدالها بلغة التوافق، والمرونة، والانفتاح، والاستعداد لتقديم التنازلات عن قناعة لصالح القضايا الوطنية الكبرى، لكن أن يقع العكس فهذه مصيبة المصائب.
كيف لقيادة سياسية أن تتجاهل ما يجري من تغيرات وأحداث في مصر الكبيرة، وما يجري تقريباً في كل دول الربيع العربي من المغرب إلى تونس، إلى ليبيا، إلى السودان، إلى سورية واليمن؟ إذا كان البعض يكابر بشأن ما يجري في بقية الدول العربية، ولا يريد أن يستشرف آفاق المستقبل القريب، فإن ما يجري في مصر وحدها كفيل بأن يرغم كل المتعاملين بالسياسة، والاستراتيجيات والمصالح، على أن يغيروا رغماً عنهم، إن لم يكن طواعية وعن قناعة، الوجهة التي يشيرون إليها.
راقبوا الوضع العربي والإقليمي والدولي كيف كله أخذ يتغير في ضوء التغيرات التي وقعت في مصر، ابتداءً من دول الخليج، بما في ذلك قطر، وليس انتهاءً بأوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، وإسرائيل. الكل يتأثر ويبدي استعداداً للتغيير، اتصالاً بالتغيير في مصر.
اللافت للنظر أن الفلسطينيين أيضاً يتغيرون لكن إلى الأسوأ، فالمفاوضات تجرى بدون غطاء أو دعم فلسطيني سياسي أو شعبي، والقمع يزداد، وتتصاعد لغة الاتهامات والتخوين، وتتعمق الممارسات التي تكرس الانقسام.
في وقت سابق، وقبل بكثير، وقوع عملية التغيير الأخيرة في مصر، كنا ممن يعتقدون أن اتفاقيات المصالحة عفى عليها الزمن، فلقد كانت نتاج مرحلة معينة بمعطيات معينة أفرزتها. اليوم نعود ونؤكد أن تلك الاتفاقيات لم تعد صالحة من حيث المبدأ، وأن الفلسطينيين بحاجة إلى حوارات معمقة، جادة ومسؤولة وتستهدف صياغة استراتيجيات جديدة وآليات عمل وطني جديدة، فما وقع في مصر، وما ينطوي عليه الوضع العربي والإقليمي من تغيرات مرتقبة، يفرض على السياسة فرضاً، ضرورة إجراء تغييرات كبيرة في أشكال وأساليب وآليات تعاملهم مع الشأن الوطني الفلسطيني.
على أقل تقدير وقبل أن ينشأ هذا الحوار، ثمة ما يستدعي من السلطات مغادرة عقلية قمع الآخر، أو تكفيره، أو إقصاؤه، ففي زمن الجماهير، زمن الحريات، فإن اللجوء إلى القمع من شأنه أن يطيح بإمبراطوريات، وليس فقط بسلطات هزيلة، لا تستحق التمسك بها.
إن قوانا السياسية المسيطرة تخالف منطق التاريخ، وتخالف أبسط قواعد العمل السياسي، وتستهتر بأبسط حقوق المواطن الفلسطيني، الذي تستمد منه شرعيتها، خصوصاً في ضوء غياب شرعية صناديق الاقتراع، كما هو الحال.
متى تستفيق قياداتنا السياسية، التي تسوس أمرنا وتتحمل مسؤوليات تاريخية عن قضيتنا؟ إن من يستهتر بتطلعات الرأي العام، لابد أن يدفع الثمن، إن لم يكن اليوم ففي قادم الأيام، ولا نظن أن الشعب الفلسطيني سيتسامح مع من يفرط بحقوقه الكبيرة والصغيرة، والوقت قصير لتدارك الأمور.
إننا لا نتمنى أن تصل الأمور إلى المستوى الفلسطيني، الذي يتطلب عمليات جراحية كبرى، لأن الثمن حينها سيكون باهظاً ومن اللحم الحي للشعب الفلسطيني، الذي نحتاجه، ونريده سالماً قوياً، ذلك أن معركتنا ضد الاحتلال مديدة، وشرسة وتحتاج إلى كل قطرة دم وكل قطرة عرق، لكل مناضل فتحاوي أو حمساوي أو جبهاوي أو جهادي.