#1    
قديم 06-19-2013, 12:41 PM
الصورة الرمزية غريب الاخوان
غريب الاخوان
+ قلم فعال +
 
 
الانتساب: 1 - 7 - 2009
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 9
غريب الاخوان has a spectacular aura about

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 

تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي .. والسيناريو المفقود
مقدمة
كُتبت السيناريوهات الأربعة لعوالم بديلة في العام 2030م، كما توقعها تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي 2012م المكون من 140 صفحة [1]، من قبل مجموعة من الباحثين والقادة السياسيين، بعد نقاش مستفيض عن الاتجاهات العالمية الأربعة الكبرى بقصد تحريض التفكير - حسب التقرير- في طائفة متنوعة ومتسارعة من التغييرات الجيوسياسية والاقتصادية والتقنية التي تقوم بتحويل عالم اليوم، حيث ستظهر تجليات هذه الاتجاهات الكبرى خلال السنوات الخمس عشرة إلى العشرين التالية، من خلال ما سماه التقرير مغيرات اللعبة الستة الرئيسية؛ وهي العوامل التي ستحدد مدى تأثير التوجهات السالفة. وسنتطرق في هذا المقال إلى هذه الاتجاهات والمغيرات بشكل مقتضب، مخالفين ما أقره التقرير من أننا نتجه إلى مياه لا يمكن سبر أغوارها، عن طريق استقراء السيناريو المفقود، وهو السيناريو الخامس الذي أغفله التقرير عن عمد، أو احتفظ به سرا لصناع القرار في منظومة الغرب الحاكم، سيراً منه على سنة من سنن الصراع بين الأمم، تقتضي؛ إخفاء المعلومات والنتائج المتوقعة التي ترفع من معنويات الخصم، وتُشعر شعوبه المقهورة بالثقة بما أنجزته نخبتها وطليعتها.
الأمل الفسيح
ويعمد هذا المقال إلى المساهمة في مد الأمل الفسيح في الأمة الإسلامية بالتمكين القريب إن شاء الله، سيراً على هدي المصطفى صلى الله عليه وسلم، إذ بشَّر بفتح فارس والروم وهو يحفر الخندق، وبثُّ هذا الأمل هو ركن من أركان قيام الدول وثباتها، كما حددها الماوردي في أحكامه السلطانية ب: الدين المتبع، السلطان القاهر، العدل الشامل، الأمن العام، الخِصبُ الدارُ في المكاسب وفي المواد، الأمل الفسيح في أحوال الدنيا والعمران .
عوالم بديلة
وقد عمد التقرير إلى سرد السيناريوهات الأربعة المتوقعة (العوالم البديلة) بطريقة سلسة سهلة ابتعادا عن تعقيدات الدراسة ومصطلحاتها الأكاديمية المتخصصة، لتسهيل وصولها إلى العامة، فسرد السيناريو الأول (محركات معطلة) ولخصه ب : عالمٌ تنغلق فيه الولايات المتحدة وأوروبا على ذاتهما، ولا تعود قادرة ولا مهتمة بالحفاظ على الزعامة العالمية، وتتوقف فيه العولمة، ويتوقع فيه حدوث انهيار كامل للتكامل الاقتصادي، ويهبط فيه إجمالي الدخل العالمي هبوطا حادا، بينما يستمر النمو في الأسواق الناشئة، ويُتَوقع في هذا السيناريو اشتعال حرب شيعية سنية في الخليج، لا تتدخل بها أمريكا حيث تقرر انتهاج مبدأ "انتظر لترى"، بينما تدب الصراعات الدموية داخل حركة طالبان، وفي أنحاء أخرى من العالم. أما السيناريو الثاني (الاندماج) فهو يتضمن عالما مثاليا من التعاون الدولي لمواجهة التحديات الكونية، ويُستأنف في هذا العالم النمو الاقتصادي، ويتضاعف حجم الاقتصاد الكوني بحلول العام 2030م، ويعود الحلم الأمريكي إلى العمل، ويكون دور الفاعلين من غير الدول رئيسياً، ويكون الابتكار التكنولوجي بالغ الأهمية حتى يبقى العالم متقدما خطوة على الضغوط المتزايدة على الموارد. وهذا السيناريو حالم إلى الدرجة التي يعتقد فيها القارئ أنه يقرأ لأفلاطون وهو يتكلم عن مدينته الفاضلة، حيث يفترض حلولاً سحرية - أغلبها قائم على حوارات وتفاهمات بين الأمم - تتخطى مشاكل العالم الكارثيَّة بجرة قلم. والثالث (جني خارج القمقم) وأبرز معالم هذا السيناريو طَبَقِيَّة فاحشة تجتاح العالم، ويتحدد العالم بشكل متزايد بدائرتين داعمتين لنفسيهما واحدة فاضلة تفضي إلى زيادة الرخاء، وأخرى شرسة، تفضي إلى الفقر وعدم الاستقرار، ويتشظى في هذا السيناريو الاتحاد الأوروبي وتبقى الولايات المتحدة هي القوة البارزة، لكنها لا تعود تلعب دور شرطي العالم، وتؤدي ثورة الصخر الزيتي والغاز التي تعود بالفائدة على الولايات المتحدة إلى تأثير كارثي على الدول الأفريقية والآسيوية المعتمدة على صادرات النفط كالعربية السعودية، حيث تعم الفوضى هذه الدول وتصبح ملاجئ للمتطرفين والمتمردين، وتجتاح الطبقية الحادة الصين مما يزعزع استقرارها، ويصبح العالم أقل أمنا بسبب الصدوع السياسية والاجتماعية القائمة على جميع المستويات، ويحدث انبعاث ماوي (نسبة إلى ماو تس تونغ) في الصين، كما تعود الماركسية إلى الانتشار من جديد ويتجه العالم نحو الفوضى، وتترنح السلطات السعودية أمام زيادة الإرهابيين المحليين الذين يهاجمون الأثرياء، متذرعين بتصرفاتهم الإلحادية، وكل يوم يقوم أولئك الذين يسمون أنفسهم جهاديين (على حد زعم التقرير) بتفجير مركز تسوق مترف آخر في المملكة السعودية أو إحدى دول الخليج (انظر هذه الفقرة الأخيرة كيف تعطيك نبذة عن حيادية وموضوعية الباحثين الغربيين). وختمها بالرابع (عالم غير الدول) حيث تزدهر في هذا العالم المنظمات غير الحكومية والشركات متعددة الجنسيات والمؤسسات الأكاديمية والأفراد الأثرياء وكذلك الوحدات دون الوطنية، مثل المدن الكبرى، ويزداد تمكن الأفراد والجماعات الصغيرة، ولا تختفي البلدان لكن الحكومات تنظر إلى دورها باطراد على أنه ينحصر في تنظيم وإدارة تحالفات مهجنة من الدول وغير الدول، وتكون وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي والبيانات الكبيرة هي المكونات الرئيسية التي تحمل وتسهل التعاون بين الفاعلين من غير الدول ومع الحكومات، وتزداد إمكانية الوصول إلى التكنولوجيات الفتاكة المدمرة، والتي تمكن الجماعات الصغيرة والأفراد من ارتكاب أعمال عنيفة واضطرابات على نطاق واسع، كما تُشن الحروب السيبيرية (الإلكترونية) على نطاق واسع ويُتوقع أن يكون لها نفس تأثير الحروب النووية في أيامنا هذه. أما السيناريو المفقود، فسأتطرق إليه في ثنايا ما بقي من المقال، وهو يتكلم عن عودة النظام الإسلامي إلى الحكم مرة أخرى، حيث تنعم فيه الدول بالنمو والاستقرار والعدل والحرية.
سنن التغيير
لقد نجح الغرب في السيطرة على العالم عن طريق الأخذ بالسنن الكونية التي جعلها الله سواء للسائلين {وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاء لِّلسَّائِلِينَ} فصلت(10)، ومنها اتخاذ القرار بناءً على دراسات متخصصة تقدمها مراكز الأبحاث الغربية، أما العربية منها فقد سخرها لخدمة مصالحه عن طريق شراء ذمم القائمين عليها، لكنه مع ذلك فقد أخفق في إدراك كل هذه السنن والتي تعتمد بشكل كبير على الإيمان بالله وما جاء من عنده كحق مطلق لا يقبل التشكيك {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ} المائدة(50)، وهذا ما ميز طليعة الأمة المجاهدة في العقد الماضي، حيث أخذت بالأسباب الكونية وآمنت بما جاء من عند الله، وتركت وراء ظهرها أماني القاعدين الحالمين بالنصر الذي يتنزل عليهم على طبق من ذهب تحمله الملائكة، فتحقق لها بذلك تقدم هائل لا يظهر للناظر من بعيد، كونه تركز في بدايته على بناء القواعد والأساسات والتي بطبيعتها تكون متوارية عن الأنظار، ما يلبث أن يظهر البناء عليها من فوق السطح.
مغيرات اللعبة
وقد ظهر إغفال التقرير لبعض هذه السنن جلياً، عندما تكلم عن مغيرات اللعبة الستة وهي: اقتصاد عالمي عرضة للأزمات أولا، وفجوة الحكم ثانيا، واحتمال تصاعد الصراعات ثالثا، وتوسع نطاق عدم الاستقرار الإقليمي رابعا، وتأثير التقنيات الجديدة خامسا، ودور الولايات المتحدة سادسا، وأغفل مغيرات أخرى مهمة، أهمها دور الحركات الجهادية العالمية والتي ينتشر فعلها انتشار النار في الهشيم، ولا تكاد تخلو نشرة أخبار من ذكرها، وأصبحت حديث الناس في كل مكان، فقد بدأت هذه الحركة الجهادية العالمية بداية متواضعة قبل عقد من الزمان، ثم ما لبثت أن انتشرت في ما يقارب من بضع وعشرون دولة، وأدل حدث على أهمية هذه الحركات كمغير رئيسي من مغيرات اللعبة، هي أحداث الحادي عشر من سبتمبر، التي لا زال العالم يدور حول تداعياتها حتى اليوم، وكان من أحد أهم نتائجها الانهيار الاقتصادي الأمريكي - على سبيل المثال لا الحصر - الذي سببته السيولة الزهيدة الثمن التي ضخها البنك الفدرالي الأمريكي [5] بسبب الركود الذي حدث إثر الغزوات المباركة في نيويورك وواشنطن، كما يفيد بذلك كبار خبراء الاقتصاد.
المغير السابع
وتبرز أهمية هذا المغير السابع كمحرك مركزي للاتجاهات الكبرى المتوقعة، كون أن هذه الحركات الجهادية هي وليدة أمة مسلمة يبلغ تعداد شعوبها ما يقارب مليار ونصف نسمة، وتمتلك من الثروات والموارد والمواقع الجغرافية ما يجعلها غنية عن العالمين، ومن حيث هي فقيرة لرب العالمين؛ فهي تمتلك رسالة سماوية لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها، وتمتلك نظاما سياسيا واجتماعيا واقتصاديا كفيلا بحل مشاكل العالم التي تنبأ بها التقرير، وكما يقول خبراء الاجتماع فإن أهم شرط من شروط النهوض الحضاري، هو (وجود طرف صاحب رسالة يطرح نفسه كبديل للحضارة السائدة إذ أوشكت على السقوط) خاصة وأن التقرير يقر حقيقة "إن لحظة القطب الواحد قد انتهت، والباكس أمريكانا - عصر الهيمنة الأمريكية في السياسة الدولية الذي بدأ في العام 1945 - ينحدر هابطا بسرعة إلى أسفل"، ويمكن تلخيص هذه الرسالة بقول ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد الفرس (نحن قوم ابتعثنا الله لنخرج العباد من عبادةالعباد إلى عبادة رب العباد، ولنخرجهم من جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيقالدنيا إلى سعة الدنيا والآخرة)، يقول سيد قطب " وفي هذه الكلمات القلائل تتركز قاعدة هذه العقيدة، وتتجلى طبيعة الحركة الإسلامية التي انبثقت منها، وانطلقت بها .. إنها إخراج من شاء الله من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده .. ورد أمرهم إلى الله وحده في المحيا والممات، في الدنيا والآخرة، وإفراد الله سبحانه بالألوهية وبخصائص الألوهية - والسلطان والحاكمية والتشريع، هي أولى هذه الخصائص التي لا ينازع الله فيها مؤمن، ولا يجرؤ على منازعته إياها إلا كافر - ولا توجد حرية للإنسان، بل لا يوجد الإنسان ذاته، إلا بخلوصها لله"[4]. وقد جاء إغفال التقرير لهذا المغير السابع هلعاً من السيناريو المفقود، والذي يشير بوضوح أن الأمة الإسلامية ستتوحد خلف طليعتها المجاهدة على رسالة ربعي بن عامر رضي الله عنه لتنتقل من طور المدافعة إلى طور المطالبة وبناء الحضارة التي ستسود العالم إن شاء الله.
الاتجاهات الكبرى
يتكلم التقرير عن اتجاهات كبرى أكثر أهمية في عالم اليوم المتغير، وهي : تمكين الفرد أولاً، ونهاية الهيمنة الأمريكية على العالم وتوزع القوة العالمية إلى شبكات متعددة الوجوه وانسيابها إلى الشرق والجنوب ثانياً، والأنماط الديمغرافية التي ستكون أبرزها شيخوخة السكان وحدوث انفجار في أعداد المنتمين إلى الطبقة الوسطى ثالثاً، والتحديات التي تشكلها الموارد الطبيعية رابعاً. ويستنتج التقرير أن العالم يتجه نحو مياه لا يمكن سبر أغوارها، وقد حاد بذلك عن جادة الحقيقة الكونية المطلقة، والتي تفيد، أن الله خلق هذا الكون وخلق له نظاما يسير أمره وأمر أفلاكه ونجومه {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} الملك(14)، كما خلق الإنسان وأوجد له نظاما ربانيا كفيلا بعمارة الأرض على أكمل وجه، فالنظام الإسلامي نظام متكامل متعاضد، فتكتمل فيه أحكام الاقتصاد الإسلامي الذي حرم الربا - على سبيل المثال لا الحصر - المتسبب بالكارثة الكونية الاقتصادية، مع النظام الاجتماعي والأخلاقي الذي يربي البشر على التعامل مع الموارد والثروات تعاملا مقننا، إذ يعلمون أن هذه الدار هي دار ممر وليست دار مستقر، فتهدأ نفوسهم التواقة للتمتع بكل لحظة من حياتهم الدنيا، وتتباطأ وتيرة استنزاف موارد الأرض وثرواتها نحو تنمية مستدامة في كافة مجالات الحياة، يقول الله تعالى {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ ۚ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ ۖ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} المائدة(66) فعمارة الأرض في هذا النظام هي عبادة قبل كونها ضرورة ، كما أن مخرجات تطبيق نظامه السياسي تُوجد أمة مستقرة مطيعة لولي أمرها العادل، تصرف جهدها في البناء والعطاء لا في التنافس على الحكم والملك الذي تصرف فيه الأمم أغلب جهدها وميزانيتها، وتتهارج في ديمقراطيتها على الحكم تهارج الحمر، فتمكين الفرد فيها مضبوط بالمصلحة العامة للبشرية، وليس شذر مذر تتنافس فيه الأمم على مصالحها القومية كما يتنبأ التقرير، وتكامل أنظمة الإسلام الثلاثة تهدأ التخوفات من هذه الاتجاهات الكبرى، إذ أن التغيرات الديمغرافية تتجه إلى التوازن من حيث أعمار السكان - على سبيل المثال - فتصبح مجتمعات شابة منتجة أكثر منها مستهلكة، حيث حض الإسلام على التكاثر والكسب، وتتوزع فيه الثروات بالعدل عن طريق الزكاة وتحريم الكنز حتى لا تكون دولة بين الأغنياء {.. كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ ..}الحشر(7)، فتتلاشى فيه الطبقية التي تعصف بعالم اليوم وتهدد وجوده المستقبلي كما يفيد التقرير وبعض سيناريوهاته المرعبة، "إن هذا النظام - الإسلام - دقيق في تكوينه ومتكامل في مجموعه، وكل صغيرة وكبيرة فيه متناسقة بعضها مع بعض، وفق القاعدة التي يقوم عليها، وهو من الدقة بحيث تتغير طبيعته بدخول أي عنصر غريب عن هذه الطبيعة في تركيبه، وهو نظام غير قابل للترقيع، غير قابل لأن نستعير له قطع غيار من أي نظام وضعي، لأن الاعتقاد فيه والعبادة، والسلوك والمعاملة، كلها مترابطة، وكلها متناسقة، وكلها متفاعلة وكلها نابعة من عقيدة واحدة، ذات أهداف مرسومة، وهي تنشئ آثارها الاجتماعية وفق تركيبها الذاتي، فلا تصلح معها آثار اجتماعية أخرى، ناشئة من فلسفات أو أوضاع أجنبية، مهما تكن في ظاهرها بعيدة عن موضوع العقيدة، كالمسائل الاقتصادية والمالية"[2]
الحقيقة العظمى
إن الحقيقة التي لا خلاف عليها أن البشرية تستعد لتسليم زمام أمرها إلى المخلص المنتظر، ألا وهو الإسلام، هذه الحقيقة التي تغيظ الكفار، إما عن جهل بحقيقة الإسلام أو عن حقد دفين غابر، فتجد المستشار ماثيو بوروز - وهو المؤلف الرئيسي للتقرير - يقول في ختامه "لا يمكنك أن ترى أي قوة أخرى هناك، والتي يمكن أن تنظم العالم"، وتجد التقرير في معرض آخر يشير إلى الحركات الجهادية التي تقود هذا التغير إشارات سلبية ظالمة، وتختصر دورها في العشرين سنة القادمة، بتفجير مركز تجاري في السعودية أو صراع على السلطة في العراق أو فوضى عارمة في أفغانستان، وتغفل أن مشروعها يتقدم بفضل الله وفق ما خطط له قادتها نحو رخاء وسعادة البشرية، وبدأ يتحول من مشروع نخبة إلى مشروع أمة صاعدا ليكون مشروع البشرية. وللحكم على ذلك، لا بد من وضع معايير ثابتة تكون مقياسا للأحداث، لنستنتج بعدها إن كان المشروع يسير نحو هدفه بالتمكين لدين الله وعمارة الأرض، أم لا ؟
معايير النهوض
إننا إذ نجزم أن السيناريو المفقود هو السيناريو القادم لا محالة، فإننا لا نضرب بالرمل ولا نقرأ في الفنجان، إنما هي حقائق على الأرض ستُثمر لا محالة في موجة المد الثاني للإسلام كما وصفها سيد قطب رحمه الله، ولمن شك في هذه الحقيقة المنتظرة غربيا كان أم عربيا؛ فإني أرشده لميزان هذه المعايير، معايير قياس نهوض الأمم وسقوطها، وقد لخص هرقل، رجل من قوم أصحاب التقرير - بحنكة القائد البصير - هذه المعايير في حواره مع أبي سيفيان، حيث سأله أسئلة محددة، حكم من خلال أجوبتها - التي تحرى فيها صدق أبي سيفيان - على النتيجة التي مفادها : أن الإسلام سيحكم موضع قدمي هرقل، ويمكن للمتشكك أن يسقط هذه الأسئلة (المعايير) على واقع طليعة الأمة المجاهدة ومشروعها، ليستنتج وحده النتيجة، وفي الحديث أدناه من المعايير عشرة، أشير إليه بما تحته خط وبين قوسين.
روى البخاري في الصحيح عن ابن عباس أن أبا سفيان بن حرب أخبره : {أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش وكانوا تجارا بالشام في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش، فأتوه وهم بإيلياء فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم، ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال: أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسبا فقال: أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه: قل لهم: إني سائل هذا عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه (معيار تحري الصدق في معرفة الواقع)، فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه، ثم كان أول ما سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب، قال: فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت: لا، قال: فهل كان من آبائه من ملك؟ قلت: لا (معيار طبيعة ونوعية ومطلب قادة المشروع)، قال: فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم (معيار طبيعة الأتباع والجنود)، قال: أيزيدون أم ينقصون؟ قلت: بل يزيدون (معيار الزيادة في الأتباع والمؤيدين وانتشار الفكر والمبادئ)، قال: فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل؟ فيه قلت: لا (معيار الثبات)، قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا (معيار الصدق)، قال: فهل يغدر؟ قلت: لا (معيار الوفاء)، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها قال: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة، قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم (معيار الجهاد)، قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه (معيار الكر والفر والابتلاء)، قال ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة (معيار نُبل الأهداف المعلنة والعقيدة الواضحة) فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها، وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا فقلت: لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله، وسألتك هل كان من آبائه من ملك فذكرت أن لا قلت: فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب، وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر، وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وينهاكم عن عبادة الأوثان ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف فإن كان ما تقول حقا (النتيجة الحتمية) فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم أني أخلص إليه لتجشمت لقاءه ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه}
وأحب هنا أن أضيف حقيقة تتبدى لكل قارئ منصف للتقرير: أن من أهم الحقائق التي لا يعلمها العامة من قراء التقرير، ويعلمها جيدا كُتُّاب التقرير، أنهم يعلمون أقل بكثير مما يعتقد العامة، خاصة إذا اعتمدوا على نظريات مادية مجردة في الحكم على المستقبل، وانحازوا إلى أمانيهم لا إلى الوقائع والمعايير العلمية.
المنهج الرباني
" والناس إما أن يعيشوا بمنهج الله هذا بكليته فهم في توافق مع نواميس الكون، وفطرة الوجود، وفطرتهم هم أنفسهم، وإما أن يعيشوا بأي منهج آخر من صنع البشر، فهم في خصام مع نواميس الكون، وتصادم مع فطرة الوجود .. تصادم تظهر نتائجه المدمرة (في بعض سيناريوهات التقرير المرعبة) من قريب أو من بعيد .."[3]
النموذج الأول
وفي خضم الاتجاهات الأربعة الكبرى ومغيراتها الستة والعوالم البديلة المتوقعة، تبرز أهمية إقامة الدولة الإسلامية (الدولة النموذج)، "إنه واجب ضخم يقتضي التهيؤ له منذ اليوم الأول والاستعداد، ولما كانت النفس الإنسانية بفطرتها ميالة لأن ترى الفكرة من خلال الواقع، وتتمثل العقيدة في صورة عمل .. فإن البشرية يوم تتطلع إلى فجر جديد ينقذها من ظلام المادية وجفافها، ستبحث عنه في صورة مجتمع إنساني، لا في صورة نظريات مثالية ..."[2] لذلك وجب التنبيه وبناء على ما سبق، أن الذي يُطالب بتأخير إعلان دولة للإسلام - وقد تحققت شروطها الحرجة، ونقاش شروطها في غير هذا الموضع - إنما يؤخر تقديم النموذج الحي للأفكار والمبادئ في فترة حرجة من تاريخ البشرية تقف فيه على مفترق طرق خطير، والذي لن تقوم الخلافة ولن يعود الإسلام في مده الثاني إلا به. ويؤكد ذلك رئيس المجلس كريستوفر كويم في تعليقه على التقرير حيث يقول "إننا نقف على منعطف حاسم في تاريخ البشرية، والذي يمكن أن يؤدي إلى أنواع شديدة الاختلاف من المستقبل".
الرعيل الأول
والصعوبات التي ستواجه هذا النموذج الفتي، وسترافقه في كل مرحلة من مراحل تقدمه وتوسعه؛ هي لا شك من نوع الفتن والابتلاءات التي أصابت دولة محمد صلى الله عليه وسلم الفتية في موجة المد الإسلامي الأول .. ولابد لهذا السيناريو المفقود والنموذج الأول، من رعيل أول، يأخذ على عاتقه تبعات إقامة هذا النموذج، حيث سيقف أمامه كل ملل ونحل الكفر والردة في العالم بكل ما أوتيت من قوة عسكرية وإعلامية وفكرية، ولن تألو جهدا في إيقاف هذا المسير، في معركة يتجسد فيها الصراع بين مملكة الأرض وحاكمية البشر من طرف، وبين مملكة السماء وحاكمية الله من طرف آخر، وسيتنكب الطريق من لا يصبر على لأوائها، وسيتأخر من غلَّبَ عقله وعاطفته ومصالحه القطرية، على الأمر الرباني وإن بدا للبعض استحالته، ولن ينال أحدٌ شرف الرعيل الأول؛ إلا من سار ولم يتلفت للوراء، ولم ينتظر صدقة الرعاع والملتحقون الجدد، فهي دولة لكل المسلمين وليست حكرا على أحد، الكل فيها سواسية، فليتقدم فيها من شاء، وليتعاون الجميع في بنائها، وليتوحد معها كل من ادعى أنه يريد إقامة حكم الله، فالعبرة بالفعل لا بالقول، وقد سُمِّي هذا الرعيل بالأول لأنه يأبى أن يكون إنجازه إلا في المستحيل، فأمر الدولة عنده أمر تكليف وليس أمر تشريف، لا مجال فيه للصفقات وإرضاء كافة الأطراف (وما أكثرها) .. بل يسير فيه صاحب الدولة نحو هدفه المتمثل بمملكة السماء على الأرض وإن بقي وحده .. حتى يتم الله الأمر أو يهلك دونه، والعبرة فيه لمن صدق لا لمن سبق. فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ذات الشوكة
ولتستبشر البشرية .. فالسيناريو المفقود في تقريرهم، هو الحقيقة الموجودة في واقعنا ومستقبلنا، وهو مشروع الأمة الإسلامية بقضها وقضيضها، ولن ينجح نموذجها الأول إلا بجهاد أهل الكفر والردة من جهة، ومغالبة من أبى من المسلمين من جهة أخرى
وَما نَيلُ المَطالِبِ بِالتَمَنّي وَلَكِن تُؤخَذُ الدُنيا غِلابــا
وَما استَعصى عَلى قَومٍ مَنالٌ إِذا الإِقدامُ كانَ لَهُمْ رِكابا [6]
" إن للإسلام بوصفه المنهج الإلهي الأخير للبشرية حقه الأصيل في أن يقيم نظامه الخاص في الأرض؛ لتستمتع البشرية كلها بخيرات هذا النظام .. ويستمتع كل فرد في داخل هذا النظام بحرية العقيدة التي يختارها (من غير المسلمين)، حيث لا إكراه في الدين من ناحية العقيدة .. أما إقامة النظام الإسلامي ليظلل البشرية كلها ممن يعتنقون عقيدة الإسلام وممن لا يعتنقونها، فتقتضي الجهاد لإنشاء هذا النظام وصيانته، وترك الناس أحرار في عقائدهم الخاصة في نطاقه. ولا يتم ذلك إلا بإقامة سلطان خير وقانون خير ونظام خير يحسب حسابه كل من يفكر في الاعتداء على حرية الدعوة وحرية الاعتقاد في الأرض" [4]. وأختم بسؤال المتشككين في النظام الإسلامي من بني جلدتنا فأقول، أأنتم أخبر بشأن ما يصلح للبشر أم خالقهم أعلم بهم وأخبر؟ {إِن تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ} فاطر(14)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــ
الهوامش
[1] يصدر المجلس، بصفته الذراع الاستشارية لمكتب مدير وكالة الاستخبارات القومية، تقريرًا حول الاتجاهات العالمية مرة كل أربع سنوات بعد الانتخابات الرئاسية الأميركية حول عدة عوامل، مثل العولمة، وإحصائيات السكان والبيئة. والغرض من ذلك هو مساعدة صناع السياسة في تخطيطهم الاستراتيجي. يستمد التقرير معلوماته من عدد كبير من المصادر، من بينها المسؤولين الحكوميين، والشركات، والجامعات، ومؤسسات الفكر والرأي في حوالي 20 بلدًا، ويتوفر لعامة الناس عبر أنحاء العالم.
[2] نحو مجتمع إسلامي/سيد قطب.
[3] المستقبل لهذا الدين/سيد قطب.
[4] خصائص التصور الإسلامي/سيد قطب.
[5] كتاب انهيار الرأسمالية/ فصل أزمة السيولة زهيدة الثمن /أولريش شيفر .
[6] أحمد شوقي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
م.غريب الإخوان
شعبان 1434
zxcvbzxcvb265@

قديم 06-19-2013, 02:12 PM  
افتراضي رد: تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي .. والسيناريو المفقود
#2
 
الصورة الرمزية أبـو هاجـر
أبـو هاجـر
(+ قلم بدأ بقوة +)
الانتساب: 16 - 6 - 2013
الإقامة: :: غزة ستان ::
المشاركات: 64
معدل تقييم المستوى: 5
أبـو هاجـر has a spectacular aura about
ايه الشغل دا يا باشا ..مقال على مستوى...بارك الله فيك
أبـو هاجـر غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-20-2013, 01:30 PM  
افتراضي رد: تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي .. والسيناريو المفقود
#3
 
الصورة الرمزية غريب الاخوان
غريب الاخوان
(+ قلم فعال +)
الانتساب: 1 - 7 - 2009
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 9
غريب الاخوان has a spectacular aura about
ايه الشغل دا يا باشا ..مقال على مستوى...بارك الله فيك
واياك اخي الحبيب ...........................
غريب الاخوان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-24-2013, 11:24 AM  
افتراضي رد: تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي .. والسيناريو المفقود
#4
 
الصورة الرمزية غريب الاخوان
غريب الاخوان
(+ قلم فعال +)
الانتساب: 1 - 7 - 2009
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 9
غريب الاخوان has a spectacular aura about
سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم
غريب الاخوان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 06-26-2013, 01:45 PM  
افتراضي رد: تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي .. والسيناريو المفقود
#5
 
الصورة الرمزية غريب الاخوان
غريب الاخوان
(+ قلم فعال +)
الانتساب: 1 - 7 - 2009
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 9
غريب الاخوان has a spectacular aura about
سبحان الله .........................................
غريب الاخوان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-01-2013, 12:36 PM  
افتراضي رد: تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي .. والسيناريو المفقود
#6
 
الصورة الرمزية غريب الاخوان
غريب الاخوان
(+ قلم فعال +)
الانتساب: 1 - 7 - 2009
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 9
غريب الاخوان has a spectacular aura about
الله اكبر ولله الحمد ........................
غريب الاخوان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-07-2013, 12:51 PM  
افتراضي رد: تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي .. والسيناريو المفقود
#7
 
الصورة الرمزية غريب الاخوان
غريب الاخوان
(+ قلم فعال +)
الانتساب: 1 - 7 - 2009
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 9
غريب الاخوان has a spectacular aura about
يرفع .......................................................
غريب الاخوان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-27-2013, 01:15 PM  
افتراضي رد: تقرير مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي .. والسيناريو المفقود
#8
 
الصورة الرمزية غريب الاخوان
غريب الاخوان
(+ قلم فعال +)
الانتساب: 1 - 7 - 2009
المشاركات: 134
معدل تقييم المستوى: 9
غريب الاخوان has a spectacular aura about
يرفع ....................
غريب الاخوان غير متصل   رد مع اقتباس