قديم 04-25-2013, 06:23 PM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3631
 
الصورة الرمزية أبو عبد الله1981
أبو عبد الله1981
(+ قلم دائم التألق +)
الانتساب: 24 - 8 - 2008
الإقامة: فلسطين ( رفــــح )
العمر: 36
المشاركات: 762
معدل تقييم المستوى: 9
أبو عبد الله1981 is a jewel in the rough
سلام عليكم

يعطيكم العافية

وبارك الله في جهودكم

هل هناك بحث أو أبحاث متعلقة بالقيم الاسلامية والتربوية ولكم جزيل الشكر

~
أبو عبد الله1981 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-25-2013, 06:34 PM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3632
 
الصورة الرمزية * بدور*
* بدور*
(ربــ اسـألگ رضآكـ ******1737;آلجنه******9829;)
الانتساب: 6 - 12 - 2009
الإقامة: غزة
المشاركات: 9,214
معدل تقييم المستوى: 17
* بدور* is a jewel in the rough
عليكم السلام
تفضل أخي

مدى توفر القيم الخلقية في منهج التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية في اليمن وتأثيرها على الطلاب



الباحث: د / أحمد إسماعيل مقبل ناجي الشرعبي الدرجة العلمية: دكتوراه تاريخ الإقرار: 1999م نوع الدراسة: رسالة جامعية
ملخص الدراسة :-
هدفت هذه الدراسة إلى الكشف عن القيم الخلقية التي تضمنها مقرر التربية الإسلامية للمرحلة الثانوية الجمهورية اليمنية ومعرفة مدى تمثل الطلاب بها
ولتحقيق الأهداف سعت الدراسة إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية:
1- ما مدى توفر القيم الخلقية في المنهج التربية الإسلامية –تفسير حديث نبوي – في المدارس الثانوية في اليمن؟
2- كيف توزع القيم الإيجابية والسلبية الأساسية على مستوى الصفوف الثلاثة؟
3- ما مدى تمثل طلاب المرحلة الثانوية بأمانة العاصمة لتلك القيم؟
4- هل يوجد فروق دالة إحصائياً بين طلاب المدارس العامة والمعاهد العلمية والمدارس الأهلية في تمثلهم للقيم الخلقية؟
5- هل توجد فروق دالة إحصائياً بين طلاب الثانويات بسبب اختلافهم في التخصص؟
6- هل توجد فروق إحصائياً بين طلاب الثانويات تعزى إلى النوع؟
من أجل ذلك قام الباحث بتقسيم الدراسة إلى قسمين:
القسم الأول: الدراسات النظرية ويتضمن من ثلاثة فصول:
الفصل الثاني : القيم والأخلاق وقد اشتمل على المباحث التالية:
أولاً:القيم وتضمن مبحثين :
المبحث الأول : مفهوم القيم –أهميتها – خصائصها – وظائفها.
المبحث الثاني: التربية وبناء القيم – بعض وسائل التربية الخلقية.
ثانياً:الأخلاق وتضمن ستة مباحث:
المبحث الأول: مفهوم الأخلاق – خصائصها – وظائفها.
المبحث الثاني: تصنيف الأخلاق.
المبحث الثالث: أهمية القيم الخلقية في حياة الفرد والمجتمع.
المبحث الرابع: علاقة الأخلاق بالعقيدة.
المبحث الخامس: علاقة الأخلاق بالعبادات.
المبحث السادس: البواعث والدوافع للالتزام بالأخلاق.
الفصل الثالث: تضمن مفهوم المنهج والعوامل المؤثرة فيه وعناصر المنهج وتخطيطه وتنظيمة.
الفصل الرابع: تضمن الدراسات السابقة وقسمت إلى قسمين: دراسات متعلقة بالقيم ودراسات متعلقة بالقيم الخلقية ثم تعليق عام على الدراسات.
القسم الثاني: الدراسة الميدانية ويتضمن فصلين:
الفصل الخامس: تضمن منهج البحث وإجراءات الدراسة وشمل منهج البحث ومجتمعه وعينته وأدواته وصدفه وثباته وتصميم الاداه وتجريبها حيث قام الباحث بإعداد استبانة لعملية التحليل –عينة الدراسة- حدد فيها فئة التحليل ووحدتها وتعريف المصطلحات وتصنيف للقيم حيث قسمت إلى أربعة أقسام: واجبة ومحرمة ومندوبة ومكروهة وبعد التأكد من صدق الأداة وثباتها قام بعملية التحليل واستخرج القيم الموجودة ووزعها حسب التصنيف المعد ثم حدد القيم الإيجابية الأساسية وهي القيم الواجبة وقام بإعداد مواقف حياتية لكل قيمة وأخرجت بشكل مقياس تم تحكيمه على مجموعة من المختصين وبعد التأكد من صلاحيتة للتطبيق قام بالتجريب على مجموعة من عينة الدراسة وتم تحليل البيانات وثبت أن معامل الارتباط للفقرات على الدرجة الكلية للمقياس عالية وبذلك أصبح المقياس بصورته النهائية.
ثم قام الباحث بتطبيقه في الميدان على العينة المختارة المكونة من(1688) طالباً وطالبة موزعين على المعاهد العلمي والمدارس العامة والمدارس الأهلية ثم قام الباحث بجمع البيانات وتحليلها وذلك بإخضاعها للعمليات الإحصائية وباستخدام الحقيبة الإحصائية للعلوم الإجتماعية (SPSS) واستخرج المتوسط والانحراف المعياري واختبار (T.TST) للعينات المستقله واختبار تحليل التباين الأحادي (One Wsy Anova) واختبار شيفية (Scheffe) وبذلك توصل إلى النتائج التالية:
الفصل السادس: تضمن نتائج الدراسة ومناقشتها وهي على النحو الآتي:
- النتائج المتعلقة بالسؤال الأول: فقد أظهرت نتائج التحليل وجود(69) قيمة إيجابية وسلبية في مقرري التفسير والحديث تكررت (2232) مرة حيث بلغت القيم الإيجابية (34) قيمة تكررت (1306) مرة بنسبة 59% كما بلغت القيم السلبية (35) قيمة تكررت (926) مرة بنسبة 41% أي القيم متوفرة بمنهج التربية الإسلامية بدرجة جيده
- أظهرت النتائج المتعلقة بالسؤال الثاني: أن عدد القيم الإيجابية الأساسية في الصف الأول ثانوي (13) قيمة تكررت (364)مرة بنسبة 31%.
وبلغ عدد القيم الإيجابية الأساسية في الصف الثاني الثانوي (13)قيمة تكررت (322)مرة بنسبة 28%
وبلغ عدد القيم الإيجابية الأساسية في الصف الثالث الثانوي (15)قيمة تكررت (474)مرة بنسبة 41%
وبلغ عدد القيم الإيجابية الأساسية في الصف الأول الثانوي (18)قيمة تكررت (353)مرة بنسبة 44%
وبلغ عدد القيم الإيجابية الأساسية في الصف الثاني الثانوي (11)قيمة تكررت (265)مرة بنسبة 35%
وبلغ عدد القيم الإيجابية الأساسية في الصف الثالث الثانوي (16)قيمة تكررت (187)مرة بنسبة 23%
من هذه النتيجة يتضح بأن توزيع القيم الخلقية وأنواعها لم تتبع في توزيعها نظاماً معيناً بل يظهر أن العشوائية هي السمه الغالبه سواء على مستوى توزيع القيم الخلقيه وأنواعها لم تتبع في توزيعها نظاماً معيناً بل يظهر أن العشوائية هي السمه الغالبة سواء على مستوى توزيع القيم في الصف الواحد أو على مستوى الصفوف الثلاثة
- أظهرت النتائج المتعلقة بالسؤال الثالث: تمثل عينة الدراسة بالقيم الخلقية بدرجة عالية بنسبة91%
- أظهرت النتائج المتعلقة بالسؤال الرابع: عن وجود فروق دالة إحصائياً عند المستوى ( α= 0.05) بين طلاب المعاهد العلمية من جهة وطلاب المدارس العامة والأهلية من جهة أخرى ولصالح طلاب المعاهد العلميه كما توجد فروق دالة إحصائياً بين طلاب المدارس العامة والمدارس الأهليه ولصالح المدارس العامة.
كما أظهرت النتائج المتعلقة بالسؤال الخامس : وجود فروق دالة إحصائياً عند مستوى؟؟؟ في بعض القيم الخلقية تعزى إلى التخصص، حيث أظهرت النتائج وجود فروق دالة إحصائياً في قيمتي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والطاعة بين طلاب القسم العلمي من جهة وطلاب الأدبي والتجاري من جهة أخرى لصالح طلاب القسم العلمي وبين الأدبي والتجاري ولصالح الأدبي كما توجد فروق دالة إحصائياً في قيمة العفة والصدق والاستئذان بين طلاب القسم الادبي من جهة وطلاب القسم العلمي والتجاري من جهة أخرى ولصالح القسم العلمي وتوجد فروق بين العلمي والتجاري ولصالح العلمي كما وجدت فروق دالة إحصائياً في قيمة الاحسان بين طلاب القسم التجاري منجهة وبين العلمي والادبي من جهة أخرى ولصالح القسم التجاري وبين العلمي والادبي لصالح العلمي كما وجدت فروق دالة إحصائياً في قيمة الشورى بين طلاب القسم العلمي من جهة وبين التجاري والادبي منجهة أخرى ولصالح القسم العلمي وبين التجاري والادبي ولصالح التجاري.
وأظهرت النتائج المتعلقة بالسؤال السادس الأتي:
لا توجد فروق دالة إحصائياً عند مستوى ( α= 0.05) تعزى إلى النوع في قيم الشكر والحب والرحمه والطاعة والصبر والإخلاص والصدق والاستئذان والنصح وهو ما يشير إلى إتفاق تقدير العينة في تمثل هذه القيم.
وجود فروق دالة إحصائياً عند مستوى ( α= 0.05) تعزى إلى النوع في قيم الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواضع والشورى وذلك بين الذكور والإناث لصالح الذكور
وجود فروق دالة إحصائياً عند مستوى ( α= 0.05) تعزى إلى النوع في قيم الامانة والعفة والوفاء والعدل وذلك بين الإناث والذكور لصالح الإناث.
وقد توصلت الدراسة إلى عدة مقترحات وتوصيات منها :
* ضرورة الدراسة المسبقة والتخطيط للقيم وكيفية توزيعها على مستوى المرحلة ومستوى الصفوف ليتم تأليف الكتب المقررة وفقاً لمخطط المرسوم
* مراعاة اختيار القيم الخلقية المناسبة للعمر الزمني والعقلي للطالب وكذا احتياجاتة الاجتماعية والاسرية عند بناء المنهج وتطويرة.
* التركيز على الجانب العملي وملازمتة للجانب العلمي حتى تتعمق القيم في حياة الطالب.
* ضرورة وجود القدوة للطالب سواء من المعلم أو البيئة المدرسية أم الأبوين وأفراد الأسرة. فيما بينهما مما يولد انفصاماً لدى الطالب بين مايتعلمه داخل المدرسة وبين بقية المؤسسات الأخرى ذات التأثير المباشر وغير المباشر.
* إجراء بحوث ودراسات تهدف إلى معرفة مدى تمثل المعلمين والمعلمات في المدارس العامة والمعاهد العلمية والمدارس الاهلية للقيم الخلقية التي تضمنتها مناهج المرحلة الثانوية .
* إجراء دراسات تهدف إلى معرفة القيم الخلقية في بقية مناهج التربية الإسلامية المقررة على طلاب المرحلة الثانوية تكملة لهذه الدراسة.

* بدور* غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-25-2013, 06:36 PM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3633
 
الصورة الرمزية * بدور*
* بدور*
(ربــ اسـألگ رضآكـ ******1737;آلجنه******9829;)
الانتساب: 6 - 12 - 2009
الإقامة: غزة
المشاركات: 9,214
معدل تقييم المستوى: 17
* بدور* is a jewel in the rough
http://journal.up.edu.ps/The%20values%20of%20political%20education%20and%20military%20involved%20in%20the%20Quran%20and%20the%20means%20employed%20to%20meet%20the%20challenges.html

https://uqu.edu.sa/majalat/humanities/2vol14/b4.htm
* بدور* غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-25-2013, 06:38 PM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3634
 
الصورة الرمزية * بدور*
* بدور*
(ربــ اسـألگ رضآكـ ******1737;آلجنه******9829;)
الانتساب: 6 - 12 - 2009
الإقامة: غزة
المشاركات: 9,214
معدل تقييم المستوى: 17
* بدور* is a jewel in the rough
القيم الإسلامية وحاجة الواقع المعاصر / دراسات إسلامية


أ.د. خالد الصمدي | رئيس المركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية الإسلامية / المغرب.


حين نتحدث في عالم اليوم عن منظومة القيم، فإننا نمس مباشرة جوهر الإنسان من جهة، ومجال التدافع الحضاري الحقيقي من جهة ثانية. ولئن كان المسلمون يفتخرون عبر تاريخهم الفكري والحضاري بامتلاكهم لمنظومة قيم متكاملة ذات مرجعية صلبة تستند إلى الوحي وجدت تجلياتها في صياغة الإنسان وصناعة محطات مهمة من تاريخ الإنسانية، فإن هذه المنظومة بقيت مغمورة في أصولها النظرية بل وحتى في تفصيلاتها العملية.

مجالات القيم الحضارية في القرآن والسنة
إن سمة "الحضارية" التي نسم بها القيم الإسلامية تستند إلى معايير أربعة قد لا تجتمع في غيرها؛ فهي شاملة لكافة مناحي الحياة، وهي مستندة إلى عقيدة إسلامية تنبني على الثواب والجزاء الأخروي وتتجاوز النفعية المادية الظرفية، وهي مطبقة في الواقع، وبواسطتها بنيت الأمة الإسلامية عبر التاريخ، وفائدتها تطال العالمين دون تمييز على أساس العرق أو اللون أو الدين، اللهم ما كان من ثواب جزيل أعده للمؤمنين برسالة الإسلام وبثواب الآخرة، أما ثواب العاجلة فللمتمسك بالقيم من جميع الملل والنحل وفقا للسنن الإلهية الكونية، قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُُ...﴾(الإسراء:18-20).

أ-القيم الاعتقادية والتعبدية
إن ما يميز المنظور الإسلامي للقيم على سائر المنظومات الأخرى، ترسيخه لمفهوم العبودية والاستخلاف أولا. ولم يكن من المستغرب أن يقضي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث عشرة سنة في ترسيخ قيم العقيدة في النفوس لأنها الأساس المتين الذي ستُبنى عليه باقي مكونات منظومة القيم الحضارية للأمة الإسلامية، ثم ينـزل أول ما ينـزل من أحكام العبادات، الصلاة. فالمنطلق إذن في بناء منظومة القيم يبدأ بربط الخالق بالمخلوق، وما سيأتي بعد ذلك من أوامر ونواه ستجد طريقها الطبيعي إلى التنفيذ بناء على ذلك.
وتهدف القيم الاعتقادية والتعبدية إلى تركيز مفهوم وحدانية المعبود، يقابل ذلك تحرير الإنسان من كل مظاهر العبودية لأي مخلوق أو كائن مهما عظم، فهو مخلوق على كل حال يحمل سمات النسبية والضعف ومواد الفناء والاندثار. وتعزز شعائرُ العبادات الخمس هذه الصلةَ بالله، وتعمّق القيمَ الإسلامية في المجتمع من خلال التنفيذ الجماعي لهذه العبادات لانسجام وحدة العبادة مع وحدة المعبود في كامل صور الإبداع والاتساق، ويجد كلُّ ذلك أثره في سلوك الإنسان اليومي في كل مجالات الحياة. قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمَُ﴾(الروم:30)، وعن أبي هريرة رضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا على الفطرة؛ فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه" (رواه البخاري). والعقل مناط التكليف، ومكمن المحافظة على صفاء الفطرة، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ...﴾(البقرة:164).

بـ-القيم العلمية والمعرفية
العلم باب الإيمان ومدخله. لذلك ركز الإسلام على قيم التفكر والتدبر والتأمل والاستبصار وأخذ العبرة، فبنى لذلك منهجا للاستدلال على وجود الخالق وعظمته، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لأُولِي الأَلْبَابِ﴾(آل عمران:190) وربط في أول آية نزلت من القرآن الكريم بين المعرفة والربوبية، قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾(العلق:1-5). وبيّن أن العلم بالخالق مدخل لخشيته وطاعته، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾(فاطر:28)، وجعل الحفاظ على العقل من ضروريات الإنسان الخمس التي لا تقوم الحياة بدونها، وهو طريق الحصول على الزاد المعرفي والمنهجي الذي يمكّن المتعلم من معرفة الذات وبناء الحضارة، كما يمكنه من غربلة الفكر الإنساني بمختلف مشاربه بمقياس القيم الإسلامية، فينتفع ويترك ويتفاعل ويؤثر في إطار سنة التدافع الإلهية، قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾(البقرة:251). وقد خص رسول الله صلى الله عليه وسلم العلم والعلماء بالمكانة المتميزة المحفزة على الطلب الدائم للعلم، قال: "إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يطلب" (رواه الترمذي).
وهكذا تتجلى قيمة القيم العلمية والمعرفية؛ فهي التي تنظم تصورات الإنسان للكون والحياة والمصير، مما يجعل حراكه على هدى ورضوان، وهي مناط التكليف والاستخلاف في الأرض، فإذا انفصل الإنسان عنها أفسد في الأرض وأهلك الحرث والنسل. وهي حصيلة قراءة ومصاحبة ومجالسة، ولذلك كان علماؤنا رضي الله عنهم، يحثون على مجالسة العلماء ومرافقتهم ليس للسماع منهم فقط، وإنما للتزود منهم برحيق العلم الذي هو الخلُق الرفيع، قال الشعبي رحمه الله: "جالسوا العلماء فإنكم إن أحسنتم حمدوكم، وإن أسأتم تأولوا لكم وعذروكم، وإن أخطأتم لم يعنفوكم، وإن جهلتم علّموكم، وإن شهدوا لكم نفعوكم".

جـ-القيم الأُسَرية والاجتماعية
وهو مجال لتمثل القيم الإسلامية الموجهة للسلوك العام داخل المحيط الصغير (الأسرة) أوّلا من حيث تنظيم العلاقة بين الأزواج وبين كل واحد منهم والأبناء، ثم بين كل هؤلاء وذوي الأرحام، ثم تتوسع الدائرة إلى الجار الجنب والصاحب بالجنب، فإلى المحيط الاجتماعي الواسع. وتحكم كلَّ هذه العلاقات قيم الاحترام والتوقير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتناصح وحب الخير للناس، والتضحية من أجل الصالح العام، والإحسان والتكافل والتآزر والتزاور وغيرها.
ففي القيم الناظمة للأسرة، علّمنا الإسلام أن المودة والسكينة أساس استقرارها، وأن القانون والأحكام الشرعية المنظمة لها لا تعدو أن تكون علاجا لآفات استفحلت وتعذر علاجها بالموعظة الحسنة والتذكير بالميثاق الغليظ، ولذلك وجدنا الآيات التي تتحدث عن نظام الأسرة في الإسلام وخاصة عن نظام العلاقة بين الزوجين تختم في العادة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾(النساء:1)، ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا﴾(النساء:34)، ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا﴾(الأحزاب:55)، للدلالة على الدور الكبير للقيم والرقابة الداخلية في نظام الأسرة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ...﴾(النساء:1). وجعل الإسلامُ مسؤولية القيام بأعباء الأسرة مسؤولية مشتركة، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها، والخادم راع في مال سيده ومسؤول عن رعيته" (رواه البخاري). ونظم العلاقة بين أفراد الأسرة الواحدة على أساس قيم احترام الكبير، وتوقير الصغير، والتودد للأطفال والعدل بينهم، وحماية حقهم في التربية على مكارم الأخلاق وتعليمهم العلم النافع وغير ذلك، كما ألزم الأبناء برد الاعتبار لمجهود الآباء عند الكبر، فأمر بطاعتهما والنفقة عليهما عند الحاجة والعوز، والدعاء لهما بعد الوفاة، وإكرام وصلة أصدقائهما، لأن ذلك من برهما، قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا...﴾(الإسراء:23-24).
أما القيم الناظمة للعلاقات الاجتماعية فقد نبّه الإسلام إلى أن مخالطة الناس والصبر على أذاهم، والنصيحة لهم والعفو عنهم، والمسارعة إلى فعل الخير المفيد للأمة حيث كان من مكارم الأخلاق، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ...﴾
(آل عمران:133-134). ودعا إلى تجنب كل ما يسيء إلى نظام العلاقات الاجتماعية بين أفراد المجتمع، من غيبة ونميمة وظلم واعتداء على الأنفس والأموال وقطيعة رحم وغرور وكبر، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ يَسْخَرْ قَومٌ مِنْ قَوْمٍ...﴾(الحجرات:11-12). كل تلك الأوامر والنواهي تشكل العقد الناظم للعلاقات الاجتماعية التي أرسى الإسلام دعائمها بنصوص قرآنية وحديثية جامعة، والمتأمل في هذه النصوص يجد أن حسن الخلق مفتاح القيم الاجتماعية، قال صلى الله عليه وسلم: "إن من خياركم أحاسنكم أخلاقا" (رواه مسلم). والإيمان بالله في كل ذلك قوة دافعة لفعل الخير ورادعة عن الشر، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ...﴾(البقرة:177).
وقد فصل رسول الله صلى الله عليه وسلم -قولا وفعلا- قيم التماسك الاجتماعي ورغب فيها، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "حق المسلم على المسلم خمس: رد السلام وعيادة المريض واتباع الجنائز وإجابة الدعوة وتشميت العاطس" (رواه البخاري)، وقال صلى الله عليه وسلم:"أطعموا الجائع وعودوا المريض وفكّوا العاني" (رواه البخاري). ونهى صلى الله عليه وسلم عن كل ما يضر بالعلاقات الاجتماعية فقال: "والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن"، قيل: ومن يا رسول الله؟ قال: "الذي لا يأمن جارُه بوائقَه" (رواه البخاري). وقال: "لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تقاطعوا، وكونوا عباد الله إخوانا" (رواه مسلم).
إن هذه النصوص الجامعة تدل دلالة قاطعة على الأهمية الكبرى التي أولاها القرآن الكريم والسنة النبوية لتماسك المجتمع ووحدته بناء على منظومة قيم جامعة ترسّخ كل سلوك إيجابي خير، وتنفي كل سلوك مناقض لقيم التساكن والأخوة والوفاق، ولذلك ليس من الغريب أن يشبّه رسول الله صلى الله عليه وسلم المجتمع المؤمن بالبنْيان حين قال: "المؤمن للمؤمن كالبنْيان يشدّ بعضه بعضا" ثم شبك بين أصابعه (رواه البخاري). وسر هذا الرص القيمُ الاجتماعية، وعلامة سلامة منظومة القيم الاجتماعية أنين الجسم من كل سلوك مشين مخالف ومناقض؛ قال صلى الله عليه وسلم: "ترى المؤمنين في تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد؛ إذا اشتكى عضوا تداعى له سائر جسده بالسهر والحمى" (رواه البخاري).

د-القيم الإعلامية والتواصلية
يحتاج العالم اليوم إلى منظومة قيم جامعة ناظمة لنقل الخبر تنهل من مرجعية مرتبطة برقابة الخالق جل جلاله، قبل أن تضبطها تشريعات وضعية قلما تحترم. والناظر في الكتابات القليلة المتخصصة في إبراز خصائص النظام الإعلامي من منظور إسلامي يجدها تؤصل نظرتها من آي الذكر الحكيم ومن التفصيلات العملية التي جاء بها خير البرية محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقد بدأ الإسلام أول ما بدأ بالحديث على ضرورة حفظ الإنسان لحواس التواصل التي متعه الله بها، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...﴾(الإسراء:36). ثم ركب على ذلك حفظ أعراض الناس من القول السيئ والباطل، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا...﴾(الحجرات:6).
ونهى عن نشر الفواحش بكل إشكالها المسموعة والمرئية، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا...﴾(النور:19). ثم حث على القول الحسن ونشر الخير، قال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...﴾(الإسراء:53).
ثم وضع الإسلام ضوابط لنقل الخبر ونشره واستعمال وسائل الإعلام في ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، مع تجنب الإشاعة والخبر الكاذب وما سوى ذلك مما ينافي قيم الإسلام في مجال الإعلام والتواصل. وفي ذلك قواعد عظيمة سطرتها السنة النبوية، وأولها: تحري الصدق في الخبر، يقول صلى الله عليه وسلم " عليكم بالصدق فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، ومازال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب صديقا، وإن الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب كذابا" (رواه مسلم). وثانيها: الدعوة إلى الهدى والخير مع ربط ذلك بالثواب الذي لا ينقطع، قال صلى الله عليه وسلم: "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعهم لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا. ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعهم لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا" (رواه مسلم). وثالثها: النهي عن انتهاك الحرمات والأعراض، لما يترتب على ذلك من أذى لا يمكن جبره، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس المؤمن بالطعان ولا اللعّان ولا الفاحش ولا البذيء" (رواه الترمذي).

هـ-القيم الاقتصادية والمالية
حينما يعرض الإسلام نظريته الاقتصادية فإن ما يميزه عن غيره من النظريات يكمن في منظومة القيم الموجهة للفعل الاقتصادي للمسلم وأساسها قيمة الاستخلاف، قال تعالى: ﴿آمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ...﴾(الحديد:7) وقال صلى الله عليه وسلم: "إن الدنيا حلوة خضرة وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون" (رواه مسلم). ‏وانطلاقا من هذه القيمة رسم الإسلام نظاما متماسكا للتصرف في المال كسبا وإنفاقا، فأحل الله البيع، ودعا إلى الكد في كسب الرزق الحلال، فرخص في المساقاة والمزارعة وعقود الاستصناع والشركة والتجارة المبنية على التراضي الشرعي، وغير ذلك من ضروب الكسب، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ...﴾ (النساء:29).ونظم الهبات والصدقات الواجبة والتطوعية؛ وحرم الربا والغش والتطفيف في المكاييل وغيرها من ضروب الكسب الحرام، قال تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ...﴾(المطففين:1-3).
كل ذلك دليل على أن المال مال الله والناس فيه مستخلفون فيه، وسيُسألون عن تصرفهم فيه حفظوا أم ضيعوا، قال صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيما أفناه، وعن علمه ما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه" (رواه الترمذي). وهذه نظرية تخالف النظريات المادية التي تعتبر المال ملكا للإنسان وهو حر في التصرف فيه. وانطلاقا من نظرية الاستخلاف ركز الإسلام قيم حفظ الأمانة، وجعل الخيانة من آيات النفاق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا اؤتمن خان" (متفق عليه). ورسم للمجتمع سياسة مالية تنفي الجشع والطمع والظلم والقهر وتضمن للناس توازنا في الكسب والإنفاق، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا...﴾ (الفرقان:67). وأقر صورا للتداول في المال حتى لا يكون فقط بين الأغنياء، ومن ذلك نظام الإرث والزكاة والوقف والهبة والصدقة، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" (رواه الترمذي). ونظم الوصايا حتى تحقق مقصدها وغايتها، فعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهقال: قلت: يا رسول الله! أنا ذو مال ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة أفأتصدق بثلثَي مالي؟ قال: "لا"، قلت" أفأتصدق بشطره؟ قال: "لا"، قلت: أفأتصدق بثلثه؟ قال: "الثلث، والثلث كثير، إنك إن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس" (متفق عليه). ونهى عن الاحتكار والتبذير والإسراف وأكل مال اليتيم، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ...﴾(الأنعام:152). وقال صلى الله عليه وسلم: "من احتكر فهو خاطئ" (رواه مسلم). ورغب في العمل المقرون بالعفة، قال صلى الله عليه وسلم: "لأن يأخذ أحدكم حبله فيأتي بحزمة الحطب على ظهره فيبيعها فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه" (رواه البخاري). ودعا إلى تكافؤ الفرص في الكسب وتحفيز القادرين على العمل، قال صلى الله عليه وسلم: "من كانت له أرض فليزرعها أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه" (متفق عليه).

و-القيم الوقائية والصحية
الصحة نعمة إلهية وهي "تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى" كما يقال، و"المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير" (رواه مسلم). وهي "تشمل جوانب الإنسان كلها: الجسمية والنفسية والروحية، فإذا أحسن الإنسان الاستفادةَ من نعمة الصحة والحفاظ عليها وعمل على تعزيزها وتقويتها فقد استمسك بالعروة الوثقى واستمتع بخيرات العافية وبركاتها، ونعم بالنجاة من عامة الأمراض والأسقام، وإنما يفلح في ذلك إذا سلك في حياته سلوكا يعزز صحته، واتبع في معاشه أسلوبا يزيد رصيده الصحي، ولجأ إلى الوقاية التي هي خير من قناطير العلاج".
ويمتلك الإسلام منظومة من القيم الحضارية الناظمة للسلوك الوقائي والصحي تبدأ بقواعد حفظ النسل كضرورة من الضروريات الخمس في الشريعة الإسلامية، فقد حددت الشريعة الإسلامية مقررات وقواعد لتنظم الصحة الإنجابية للأسرة بدءا باختيار الزوجين ورسمِ قواعد لتنظيم الأسرة عن طريق المباعدة بين الأحمال بالوسائل المشروعة، ودعت إلى رعاية الأم الحامل والمرضع وعلاج كل أسباب العقم وغير ذلك من التعليمات الإسلامية الشرعية المتعلقة بالصحة الإنجابية. وكلُّ ذلك تدعو الشريعةُ إلى نشره والتربية عليه وفقا للقيم الأخلاقية وأساليب الحكمة المحقِّقة للوعي الكامل بهذه القضايا لدى أجيال المراهقة والشباب والأزواج حتى يكون تصرفهم سليما ومتوازنا يستهدف صرف الشهوة الجنسية الطبيعية في مصرفها الطبيعي لتحقيق الغرض من بقاء النسل واستمرار الحياة والاستجابة لأمانة الاستخلاف.
كما نهى الإسلام عن كل ما يضر بالصحة الجسمية والنفسية من مخدرات وخمر وكافة المهلكات، ودعا إلى ممارسة الرياضة البدنية كالسباحة والرماية وركوب الخيل وغيرها، لأن الأمة بأبنائها ولن تسود أمة تخترقها الأمراض وتنهكها الأوبئة. فقد مر الرسول صلى الله عليه وسلم بمجموعة من الشباب يتدربون على الرمي، فقال لهم مشجعا: "ارموا يا بني إسماعيل، فإن أباكم كان راميا" (رواه البخاري).
وحث على التداوي والْتِماس كل وسائل الاستشفاء، ودل الإنسان على صور من ذلك تجمع بين المادة والروح، قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا...﴾(النحل:68-69). وعن عبد العزيز قال: دخلت أنا وثابت على أنس بن مالك فقال ثابت: يا أبا حمزة اشتكيت، فقال أنس: ألا أرقيك برقية الرسول صلى الله عليه وسلم؟ قال بلى، قال: "اللهم رب الناس، مذهب البأس، اشف أنت الشافي، لا شافي إلا أنت، شفاء لا يغادر سقما" (رواه البخاري). ونجد أن الإسلام سن قواعد في الحجر الصحي حتى لا تنتشر الأمراض والأوبئة، قال صلى الله عليه وسلم: "الطاعون رجز أرسل على طائفة من بني إسرائيل، أو على من كان قبلكم، فإن سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارا منه" (رواه مسلم). وسن منظومة من الآداب والاحتياطات الصحية التي تكون وقاية وحصنا من انتقال العدوى والأمراض، قال صلى الله عليه وسلم: "إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبع مرات وعفروه الثامنة في التراب" (رواه مسلم).
والخلاصة أن القيم الصحية والوقائية قائمة في مجملها على الوقوف عند حدود الله في الحلال والحرام وتقوية الجانب النفسي والروحي بالطاعات والنوافل وذكر الله والإيمان بقضائه وقدره، وكل هذه التوجيهات قيم إسلامية أصيلة تستهدف من بناء المسلم السوي القوي القادر على القيام بمهام الاستخلاف.

ز-القيم الحقوقية
خطاب حقوق الإنسان في التداول الفكري والثقافي المعاصر أصبح أكثر رواجا وذيوعا، والتوعية بالقيم الضامنة لحقوق الإنسان مثل العدل والمساواة والحرية والإنصاف وتكافؤ الفرص وغيرها من القيم أصبحت الشغل الشاغل للمنظمات الدولية والأهلية على حد سواء، بل وأصبحت مؤشرات التنمية البشرية في أي بلد تقاس بمدى احترامه لحقوق الإنسان.
ولن نضيف جديدا إلى كتابات المفكرين المسلمين الذين فرغوا جهدهم وطاقتهم للدفاع عن المنظور الإسلامي في حماية الحقوق في منشوراتهم ومناظراتهم وندواتهم ومشاركاتهم الإعلامية، إلا أن الجهد الكبير من الناحية المنهجية ينبغي أن ينصب على ما يميز النظرية الإسلامية عن غيرها، والتمايز حاصل بالذات في أن نظرة الإسلام إلى حماية الحقوق لا تنحصر في حقوق الإنسان، وإنما يجعل هذا الجانب من الحق مندرجا ضمن منظور متكامل، فنحن حين نتحدث عن حقوق الإنسان انطلاقا من المرجعية المستندة إلى أحكام الإسلام وما ينسجم مع مقاصده من اجتهادات عالمية، فإنما نفعل ذلك من منظور يبدأ أولا بالتربية على احترام حقوق الله، لأن من لا يحترم حقوق الله لا يمكن أن يحترم حقوق غيره، ثم التربية على احترام حقوق الإنسان، وبعد ذلك تأتي حقوق المحيط على الإنسان من حيوان ونبات باعتبارها كائنات مسخرة لا تقبل العبث ولا الإسراف وإنما تستغل بالعدل والقسط والإحسان، وبذلك كان تنظيم القيم الإسلامية لمجال الحقوق أوسع وأشمل وأكمل.. ويبرز هذا المنظور الشمولي في سؤال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنهحين قال له: "يا معاذ، أتدري ما حق الله على العباد؟" قال: الله ورسوله أعلم، قال: "أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، أتدري ما حقهم عليه؟" قال: الله ورسوله أعلم، قال: "ألّا يعذبهم" (رواه البخاري).
وانطلاقا من هذا المنظور جاءت الشريعة الإسلامية لتحمي حق الإنسان في الحياة، قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾(الأنعام:151)، وقال صلى الله عليه وسلم: "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والمارق من الدين التارك للجماعة" (رواه البخاري).
ودعت إلى سياسة الناس بالعدل، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾(النساء:58)، وقال صلى الله عليه وسلم: "إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وايم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" (رواه البخاري). ونظرت إلى الناس على اختلاف أعراقهم وأجناسهم نظرة مساواة في الإنسانية والوجود؛ قال صلى الله عليه وسلم: "يا أيها الناس، إن ربكم واحد، كلكم لآدم وآدم من تراب، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، ليس لعربي فضل على عجمي ولا عجمي على عربي و لا أحمر على أبيض ولا لأبيض على أحمر فضل إلا بالتقوى" (رواه أحمد).
إن هذه القيم الرئيسة الحامية للحقوق بنظرة الإسلام الشاملة، لا تنظر إلى الإنسان نظرة اعتبار وتقدير إلا بقدر اعتباره وتقديره لحقوق الآخرين في علاقته مع خالقة ونفسه والناس والبيئة من حوله.
ثم إن الإسلام جعل من حماية الحقوق مقصده الأسمى حتى يتفرغ الإنسان للقيام بمهمة الاستخلاف بعد أن كرمه الله بنعمة التسخير. وفي ذلك يقول أبو حامد الغزالي رحمه الله: "إن مقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم. فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة، وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق".

حـ-القيم الفنية والجمالية
إن النظرة الجمالية الاستبصارية جزء لا يتجزأ من المنظور الحضاري الإسلامي، إذ إن في كل نسمة خلقها الله مسحة من الفن والجمال تقتضي التأمل والاعتبار، والإنسان الذي خلق في أحسن تقويم مُطالَب بأن ينظر إلى كل المخلوقات من حوله ليقف على دقة الصنعة الإلهية. وفي القرآن الكريم آيات بقدر ما تدعو إلى النظر والاعتبار تبرز في المشاهد المختلفة وبأسلوب رائع مكامن الجمال في الكون قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ﴾(الحجر:16).
إن القيــم الإسلامية قد جعلت من الفن والجمال سلما يرتقي للوصول إلى الله الخالق المتقن المبدع الجميل. ووسائلُ إدراك ذلك التأملُ في الكون وتوجيهُ طاقات الإنسان الإبداعية إلى ما يرسخ القيم الفاضلة، ويحفظ ذاك التناسق العجيب بين روعة التقويم في الخلق وسمو الروح، وقد كان صلى الله عليه وسلم المثل الأعلى في ترسيخ مفاهيم الجمال الحقيقي للإنسان، فقد نقلت كتب السيرة عنه صلى الله عليه وسلم صورا من العناية بلباسه وترجيل شعره وولعه بالطيب، كما نقلت كثيرا من توجيهاته للصحابة رضي الله عنهم من حوله بالحرص على نظام المسجد وارتياده بثياب حسنة عملا بقوله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾(الأعراف:31)، ونقل عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يشجع ويتذوق أعذب الشعر الداعي إلى القيم الفاضلة، قال صلى الله عليه وسلم: "الشعر بمنـزلة الكلام؛ حَسَنه كحسن الكلام وقبيحه كقبيح الكلام" (رواه البخاري في الأدب المفرد).
وصحح رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض المفاهيم الخاطئة المرتبطة بالجمال حين قال صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر"، فقال رجل: إن الرجل يجب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنة فقال: "إن الله جميل يحب الجمال" (رواه مسلم). وكان صلى الله عليه وسلم يحب أن يسمع القرآن من غيره ويدعو إلى تلاوته بصوت جميل حسن، قال صلى الله عليه وسلم: "الماهر بالقرآن مع الكرام البررة وزينوا القرآن بأصواتكم" (رواه البخاري).
وهكذا يبدو أن القيم الفنية والجمالية في المنظور الإسلامي تذهب بالإنسان إلى ما هو أسمى من التلذذ برؤية العين لمشهد جميل في الكون أو سماعه لصوت شجي، إلى إدراك أسرار الوجود القائم على الإتقان قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾(القمر:49). فتلك الرسالة الحقيقية التي تحملها هذه القيم، كما أن الإسلام لا يهتم في مجال الفن والجمال بالمظهر الخارجي بل لابد من التلازم بين جمال الظاهر والباطن والمحيط، فتلك هي الصورة النموذج التي يُنتظر من المسلم أن يرسخها في أذهان الناس، يقول الأستاذ محمد قطب: "والفن الإسلامي ليس بالضرورة هو الفن الذي يتحدث عن الإسلام؛ إنما هو الفن الذي يرسم صورة الوجود من زاوية التصور الإسلامي للوجود، هو التعبير عن الكون والحياة والإنسان من خلال تصور الإسلام للكون والحياة والإنسان. هو الفن الذي يهيئ اللقاء الكامل بين الجمال والحق، فالجمال حقيقةٌ في هذا الكون، والحق هو ذروة الجمال، ومن هنا يلتقيان في القمة التي تلتقي عندها كل حقائق الوجود".

ط-القيم البيئية
إن العالم اليوم في حاجة في هذا المجال بالذات إلى قيم حضارية نابعة من مرجعية صلبة تجعل الإنسان مسؤولا عن كل ما يمكن أن يقترف من أفعال تضر بالبيئة، والنظرة الحضارية الإسلامية لهذا المجال تكشف عن وجود قيم سامية ناظمة للتعامل مع خيرات الكون من منظوري التسخير والاستخلاف والمسؤولية عن كل تصرف مخل بالتوازن البيئي، وترتكز القيم الحضارية الناظمة للسلوك البيئي في التصور الإسلامي على هذه الأبعاد الثلاثة؛ قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾(الجاثية:13).
ونبه الإسلام إلى أن هذه الكائنات المسخرة هي في خدمة الإنسان إلى أن يأمر الله بفنائها، وأنها أمم وخلائق كأمة الإنسان تشترك معه في عبادة الخالق؛ قال تعالى: ﴿وَلِلهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلاَئِكَةُ وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾(النحل:49).{س}
وإذا كانت هذه القيم الحضارية وردت في القرآن الكريم مجملة من الناحية النظرية، فقد حولها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سلوكات تفصيلية تطبيقية، فرغب في الغرس والعناية بالنبات في غير ما حديث، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم: "ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان إلا كان له به صدقة" (رواه البخاري).
ودعا إلى الاقتصاد في استعمال الماء، فعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بسعد وهو يتوضأ فقال: "لا تسرف"، فقال: يا رسول الله أَوَفي الماء إسراف؟ قال: "نعم وإن كنت على نهر" (رواه أحمد).
ونهى عن تلويث الماء بالقاذورات،كما نهى عن التخلي في الظل وفي الطرقات، فعن أبي هريرة رضي الله عنهقال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يبولن أحدكم في الماء الراكد ثم يغتسل فيه" (رواه البخاري). وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "اتقوا الملاعن الثلاث: التبرز في الماء وفي الظل وفي طريق الناس" (رواه أبو داود). وشدد صلى الله عليه وسلم الوعيد في حق من يعبث بالحيوان ويتخذه هدفا، حين قال: "ما من إنسان يقتل عصفورا فما فوقها بغير حق إلا يسأله الله عز وجل عنها، قيل: يا رسول الله وما حقها؟ قال: "أن يذبحها فيأكلها ولا يقطع رأسها ويرمي به" (رواه النسائي).
وأمر بالإحسان إلى الذبائح والانتفاع بها على قدر الحاجة، فعن شداد بن أوس قال: قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته" (رواه مسلم). كما حث صلى الله عليه وسلم على العناية بالبيئة العامة؛ فأمر بإماطة الأذى عن الطرقات وأبواب المساجد والأماكن التي يرتادها الناس لقضاء مصالحهم ومآربهم، حيث قال: "الإيمان بضع وستون أو بضع وستون شعبة؛ فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان" (رواه مسلم). وحرص رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن تبدو المظاهر العامة للمسلمين وقد طبعها النظام والنظافة، قال صلى الله عليه وسلم: "إن الله جميل يحب الجمال، طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة، فنظفوا أفنيتكم ولا تتشبهوا باليهود" (رواه الترمذي).
إن الرصد المعرفي والعلمي الذي بيّـنّا من خلاله شموليةَ القيم الحضارية من منظور إسلامي لكل مجالات الحياة، يحتاج إلى منهجية للتنـزيل من أجل تربية الأجيال المتعاقبة على إدراك أهمية القيم في العمران من جهة، وأهمية استناد هذه القيم الحضارية إلى المرجعية الإسلامية القائمة على مبادئ الاستخلاف والتسخير والمسؤولية من جهة أخرى، كما أننا في حاجة إلى تلمس هذه المنهجية في السنة والسيرة النبوية حتى نستخدمها في إبلاغ العالمين بأهمية المنظور الإسلامي في ترسيخ القيم، وحل الإشكالات والأزمات التي يعيشها الإنسان في عصرنا الحاضر كلما وجد نفسه بعيدا عن الله..
* بدور* غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-25-2013, 06:39 PM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3635
 
الصورة الرمزية * بدور*
* بدور*
(ربــ اسـألگ رضآكـ ******1737;آلجنه******9829;)
الانتساب: 6 - 12 - 2009
الإقامة: غزة
المشاركات: 9,214
معدل تقييم المستوى: 17
* بدور* is a jewel in the rough
الملخص
دور الجامعات في تنمية القيم عند الطلبة
- استطلاع لآراء مدرسي العلوم الشرعية ومدرسي العلوم التربوية –
د. خالد محمد الخطيب
جامعة الزرقاء الاهلية
هدفت الدراسة الى التعرف على آراء مدرسي العلوم الشرعية ومدرسي العلوم التربوية حول اهم الادوار التي يمكن ان تؤديها الجامعات لتنمية القيم العربية الاسلامية عند الطلبة ، كما حاولت التعرف على نوع العلاقة ومدى قوتها بين آراء مدرسي العلوم الشرعية وآراء مدرسي العلوم التربوية حول اهم ادور الجامعات ، وكذلك العلاقة بين آراء اساتذة الجامعات الاهلية واساتذة الجامعات الحكومية .

تكونت عينة الدراسة من ( 86) استاذا جامعيا يدرّسون في الجامعات الاردنية التالية : ( الاردنية ،اليرموك، الهاشمية،الزرقاء الاهلية ، اربد الاهلية) من التخصصات الشرعية والتربوية .

صمم الباحث استبانة مكونة من (7 ) محاورحول ادوار ( المدرس ،المناهج، النشاطات الطلابية ،الخدمات الطلابية ،الجهاز الاداري، الانظمة والتعليمات الجامعية، ودور الطلبة ) ، وقد تمثلت هذه المحاور السبعة في 38 فقرة بالاضافة لسؤال مفتوح لاقتراح ادوار اخرى للجامعات في تنمية القيم لدى الطلاب . تأكد الباحث من صدق الاستبانة ، وقد بلغ معامل الثبات (0.96 ) باستخدام معادلة (كرونباخ الفا) .

توصلت الدراسة الى النتائج التالية :

- ترتبت الادوار تنازليا حسب درجة اهميتها في تنمية القيم لدى الطلبة كما يلي ( دور المدرس، دور النشاطات الطلابية ، دور المناهج ، دور الانظمة والتعليمات الجامعية ، دور الطلبة ، الجهاز الاداري ، واخيرا دور الخدمات الطلابية ) .

- العلاقة بين آراء مدرسي العلوم الشرعية وآراء مدرسي العلوم التربوية علاقة طردية ضعيفة حيث بلغ معامل ارتباط سبيرمان ( 0.429) وهذه القيمة ليست دالة احصائيا .

- العلاقة بين آراء اساتذة الجامعات الحكومية واساتذة الجامعات الاهلية علاقة طردية ضعيفة حيث بلغ معامل ارتباط سبيرمان ( 0.25) وهذه القيمة ليست دالة احصائيا .

مقدمة:

تزايد الاهتمام بدراسة القيم خلال العقود الاخيرة من قبل المتخصصين في كافة فروع العلوم الانسانية ، ولعل احد العوامل وراء ذلك ، الدور الذي تؤديه القيم واثرها في معظم جوانب المجتمع ومؤسساته لا سيما المؤسسات التربوية فالتربية في جوهرها عملية قيمية .

تعتبر القيم صورة المجتمع ، لانها الضابط والمعيار الاساس للسلوك الفردي – الاجتماعي ، والمجتمع في عمومه لا يتكون دون وجود هذا البناء المعياري (ابو العينين ،1988) .

والقيم هي الاساس السليم لبناء تربوي متميز لان فقدان التربية للقيم التي تبنى عليها الشخصية ، يفقدها روحها بل ان الاهداف التربوية والغايات والاستراتيجيات ما لم تشتق من قيم صحيحة سليمة تراعي العلاقات الانسانية في ابعادها المختلفة فانها تفقد اهميتها وقيمتها .

وقد يكون من الصعب الاتفاق على مفهوم محدد للقيمة – على الرغم من اهميتها- ذلك لان القيم ترتبط ارتباطا وثيقا بمجموع الرؤى الدينية والفلسفية والفكرية والثقافية والتربوية التي يعتنقها اصحاب المدارس المتنوعة والتي تتخذ مواقف متعددة في نظرتها للمعرفة وللانسان وللوجود ، وبمقدار هذا الاختلاف وعمق هذا التغاير ، تتعدد الرؤى وتختلف زوايا النظر عند تناول مصطلح القيم او دراسة موضوعاتها(الجلاد، 1999)

ان القيمة بمعناها المعاصر ترجع في اصلها الى الفلاسفة اليونان وكان اول من تعرض للقيم الفيلسوف ارسطو تحت عنوان الفضائل ( القيسي ، 1995) حيث جمع نحو ثلاثين منها واعتبر ان كل فضيلة لها طرفان طرف في اقصى اليمين وطرف آخر في اقصى اليسار والمطلوب الوسط وهو القيمة المطلوبة ، كالجبن والتهور وبينهما فضيلة الشجاعة.

اما بالنسبة للفكر المثالي فان نظرته للقيم تقوم على اساس ان الانسان الكامل يستمد قيمه من العالم المعنوي لا من العالم المادي وان هذه القيم مطلقة وخالدة وثابتة . والفكر الواقعي يعتبر القيم مطلقة ، حقيقة لا خيال وان كل شيء فيه قيمته وانه بالامكان الكشف عن القيم باستخدام العقل .

لكن اصحاب الفكر البراغماتي والنسبي عموما يرون ان القيم نسبية واحكام الناس حول القيم قابلة للتغير وهي تقاس بنتائجها أي بما يعود منها بالنفع .

اما بالنسبة لتعريف القيم عند علماء العصر الحديث فحدث عن الخلاف ولا حرج فالقيمة عند (ببر) هي أي شيء خيرا كان او شرا بينما يراها (بري) انها الاهتمام أي الاهتمام بأي شيء فأذا كان أي شيء موضوع اهتمام فأنه حتما يكتسب قيمة ، اما ثورندايك فيرى ان القيم هي تفضيلات وان القيم الايجابية منها والسلبية تكمن في اللذة او الالم الذي يشعر به الانسان(الخطيب ،2000)

ولقد قام (ابو العينين، 1988) بتحليل لعدد كبير من التعريفات للقيم والتعليق عليها ونقدها ثم خلص الى التعريف التالي :

القيمة هي مفهوم يدل على مجموعة من المعايير والاحكام تتكون لدى الفرد من خلال تفاعله مع المواقف والخبرات الفردية والاجتماعية بحيث تمكنه من اختيار اهداف وتوجيهات لحياته ، يراها جديرة بتوظيف امكانياته ، وتتجسد خلال الاهتمامات او الاتجاهات او السلوك العملي او اللفظي بطريقة مباشرة وغير مباشرة .

ان غرس القيم في النشئ احد الاهداف الرئيسة التي يجب ان تعنى بها التربية ذلك ان الفرد الذي يفقد قيمه يفقد اتزانه والقيم بالنسبة للمجتمع كأعمدة البناء التي تحمل البناية بأكملها فغرس القيم ضرورة فردية اجتماعية في آن واحد ( علاونة وآخرون،1991) .

ولقد ذكر ( البطش وهاني عبد الرحمن ، 1990) عدة وظائف للقيم هي :

- القيم تعد معيارا لانها توجه السلوك الصادر عن الافراد الى جهة معينة ومحددة ضمن الاطار الاجتماعي .

- تجعل الفرد اكثر ميلا وتفضيلا لايديلوجيا سياسية او دينية او اجتماعية او اقتصادية معينة دون غيرها .

- تحدد الطريقة التي يعرض بها الفرد نفسه للآخرين فهي معايير لتقديم التعزيز والثناء واللوم الذي يتلقاه الفرد من نفسه او الآخرين .

- تعد اساسا لاجراء المقارنات بين المجتمعات المختلفة .


- تلعب دورا في حل الصراعات واتخاذ القرارات .

- تخدم كدافع للسلوك المثالي الذي يعد وسيلة لتحقيق الاهداف المرجوة او المرغوب فيها .

- تساعد الفرد على التكيف .

- تسهم كوسيلة للدفاع عن الانا والذات .

اما( ابو العينين ، 1988) فقد فصل في وظائف القيم وتناول الموضوع على محورين:

المحور الاول :وظائف القيم على المستوى الفردي :

1. انها تهيء للافراد اختيارات معينة تحدد السلوك الصادر عنهم فهي تلعب دورا هاما في تشكيل الشخصية الفردية وتحديد اهدافها في اطار معياري صحيح .

2. انها تعطي الفرد امكانية اداء ما هو مطلوب منه ليكون قادرا على التكيف والتوافق بصورة ايجابية .

3. تحقق للفرد الاحساس بالامان فهو يستعين بها على مواجهة ضعف نفسه والتحديات التي تواجهه في حياته .

4. تعطي للفرد فرصة للتعبير عن نفسه وتأكيد ذاته .

5. تدفع الفرد لتحسين ادراكه ومعتقداته لتتضح الرؤيا امامه وبالتالي تساعده على فهم العالم من حوله وتوسع اطاره المرجعي في فهم حياته وعلاقاته .

6. تعمل على اصلاح الفرد نفسيا وخلقيا وتوجهه نحو الاحسان والخير والواجب .
7. تعمل على ضبط الفرد لشهواته كي لا تتغلب على عقله ووجدانه .




المحور الثاني : وظائف القيم على المستوى الاجتماعي:

1. تحفظ على الجتمع تماسكه فتحدد له اهداف حياته ومثله العليا ومبادئه الثابتة .

2. تساعد المجتمع على مواجهة التغيرات التي تحدث فيه بتحديدها الاختيارات الصحيحة وذلك يسهل على الناس حياتهم ويحفظ للمجتمع استقراره وكيانه في اطار موحد .

3. تربط اجزاء ثقافة المجتمع ببعضها حتى تبدو متناسقة كما انها تعمل على اعطاء النظم الاجتماعية اساسا عقليا يصبح عقيدة في ذهن اعضاء المجتمع المنتمين الى هذه الثقافة .

4. تقي المجتمع من الانانية المفرطة والنزعات والشهوات الطائشة فالقيم والمبادئ في أي جماعة هي الهدف الذي يسعى جميع اعضائها للوصول اليه

5. تزود المجتمع بالصيغة التي يتعامل بها مع العالم وتحدد له اهداف ومبررات وجوده وبالتالي يسلك في ضوئها وتحدد للافراد سلوكياتهم

مشكلة الدراسة :

ان المجتمع العربي والاسلامي يعاني اليوم من صراع ثقافي انتقل الى القيم وقد احدث هذا قدرا كبيرا من الخلاف والصراعات بين القديم والحديث ودار السجال بينهما وتعددت القضايا واتسع مجالها واشتد تعقيدها ، وهذا الصراع في حقيقته صراع قيمي تتعدد ابعاده وتتسع مشكلاته (ابو العينين،1988).

ويعاني المجتمع الاسلامي كذلك من قصور في تأكيد ذاته وهويته الثقافية الى جانب معاناته من قصور في الوسائل الحضارية المادية وهذا يعود في معظمه الى معاناته الحقيقية من تخلخل البناء المعياري القيمي واهتزاز نسق القيم .

ولقد رأينا من خلال ما تقدم اهمية القيم في بناء شخصية الفرد القادرة على التكيف الايجابي مع ظروف الحياة لاداء دورها الحضاري المنشود والمطلوب منها كما وتعطي المجتمع شكلها المميز

والجامعات هي مراكز العلم ومنارات الهدى ويدرس فيها خيرة شباب المجتمع والمعول عليهم الاسهام في تطور الامة والاعلاء من شأنها ، لذلك لا بد ان يكون للجامعات دور محوري في تنمية القيم لدى طلبتها بما تتمتع به من ميزات وما تمتلكه من امكانات. لأجل ذلك كان الهدف من هذه الدراسة التعرف على أهم الادوار التي يمكن للجامعة أن تضطلع بها حتى تنمي القيم العربية الاسلامية عند طلابها .
وقد حاولت الدراسة الاجابة عن الاسئلة التالية :


1. ما هي اهم الادوار التي يمكن ان تقوم بها الجامعة لتنمية القيم العربية الاسلامية لدى الطلبة من وجهة نظر مدرسي العلوم الشرعية و مدرسي العلوم التربوية ؟ .

2. ما هو نوع العلاقة بين آراء مدرسي العلوم الشرعية وآراء مدرسي العلوم التربوية حول أهم أ داور الجامعة في تنمية القيم لدى الطلبة وما قوة هذه العلاقة ؟ .

3. هل تختلف آراء اساتذة الجامعات حول أهم أدوار الجامعة في تنمية القيم لدى الطلبة باختلاف نوع الجامعة التي يدرسون بها (حكومية ، اهلية) ؟


اهمية الدراسة:

تنبع اهمية هذه الدراسة من اهمية الموضوع الذي بحثته وهو القيم كما تكتسب اهميتها من خلال ما يلي:


1. المساهمة في تبصير الجامعات بالادوار المهمة التي من خلالها تتمكن تلك الجامعات من تنمية القيم عند طلبتها .

2. المساهمة في تطوير نموذج للتعليم الجامعي تتكامل فيه ادوار العاملين في الجامعة لتحقيق وظائفها ورسالتها .

3. التعرف على المسؤولية الفردية لكل من يعمل في الجامعة مهما كانت طبيعة عمله في تنمية القيم لدى الطلبة .


الدراسات السابقة :

أعد الباحث (ابو العينين ، 1988) دراسة موسعة حول القيم الاسلامية والتربية وضح في احد فصولها كيفية تكوين القيم وبين المراحل الست لتكوين القيم وهي المراحل التي اقترحها بلوم وآخرون في كتاب تصنيف الاهداف التربوية ، وهذه المراحل وهي :

1. جذب انتباه المتعلم نحو القيمة :أي ايقاظ الاحساس بالقيمة التي تختار كهدف تربوي .

2. تقبل القيمة : وهنا تستمر الاستجابة بدرجة تكفي لجعل الآخرين يميزون القيمة في الشخص ويكون سلوكه ثابتا .


3. تفضيل القيمة وفي هذه المرحلة يصبح الفرد ملتزما بالقيمة لدرجة تجعله يتابع القيمة ويسعى وراءها .

4. الالتزام : وهنا يصل الفرد الى الاقتناع والتاكد الذي لا مجال فيه للشك ومن ثم الى التقبل الوجداني الكامل .

5. التنظيم : أي ترتيب القيم في نظام معين .

6. التمييز: أي يصبح الفرد متميزا حيث يصل الى التصرف السلوكي الذاتي الثابت طبقا للقيم التي تمثلها .

وبين في دراسته كذلك طريقة القرآن والسنة في تكوين وتنمية القيم وهي كما يلي :

1. لفت النظر الى خلق الله .

2. يصحح القرآن علاقة الانسان بما حوله بان يجعلها علاقة تعاطف وتعارف .

3. يصحح القرآن علاقة الانسان مع نفسه ثم مع من حوله من الناس وذلك بعد ان ضبط حركته بقيم معينة تجاه الخالق والاشياء .

اتم رسول الله صلى الله عليه وسلم بناء القيم في نفوس المسلمين وذلك من خلال ما يلي :

1. اثارة الحواس لقبول المثيرات واستحسانها او رفضها .
2. القدوة الحسنة لاستثارة الفطرة للاقتداء والتقليد والاندفاع لمحاكاة السلوك .
3. التعليم المباشر وتقديم الافكار والمعلومات والخبرات المتصلة بالقيم .
4. التعويد على اتيان القيمة وحمل النفس عليها .
5. التطبيق والالتزام .

كما اورد( زاهر ،1984) في كتابه القيم في العملية التربوية عدة طرق لتكوين القيمة هي:

1. اتباع المثل الصالح( القدوة ) .
2. الاقتناع : وذلك بعرض الحجج والبراهين .
3. تحديد نواحي الاختيار .
4. الخضوع لقوانين وقواعد تحتم على الفرد سلوكا معينا .
5. تقديم الافكار المنبثقة من الاصول الثقافية والدينية .
6. الاعتزاز والتقدير.
7. العمل بما تم اختياره .
8. توفير بعض المغريات الانفعالية وذلك باستخدام الدعاية والتشجيع والارشاد .

اما ( بدارنة ، 1994) فقد قام بدراسة هدفت الى تحديد الاساليب التربوية في غرس القيم العقدية لدى الطفل المسلم وقد اورد عدة طرق وهي :

1. المحاكاة والتقليد والتلقين .
2. القدوة .
3. ضرب المثل .
4. الحوار .
5. الترغيب والترهيب .
6. الوعظ .
7. القصة .
8. التامل والتفكير .

وفي دراسة للشيخ والخطيب(1986) هدفت لتحديد دور الجامعة الاردنية في تنمية اتجاهات الحداثة عند طلبتها وذلك باستخدام عينة من 594 طالبا وطالبة موزعين على فئتين متكافئتين احصائيا من طلبة السنة الرابعة والاولى من حيث متغير التخصص الدراسي والجنس ومكان النشأة في الطفولة ومستوى تعليم الوالدين .

اشارت نتائج هذه الدراسة الى ان هناك فرقا دالا بين متوسطي طلبة السنة الرابعة والاولى على سبعة اتجاهات فقط من الى 19 اتجاها المتضمنة في مقياس الحداثة الذي بناه الباحثان وهي الزمن والوقت والمهارات الفنية والقرابة والعائلة وحقوق المرأة والمشاركة العامة والمواطنة والانتماء القومي ، وتبين ايضا انه عند اعتبار اداء الطلبة في كل من التخصصات الدراسية الخمسة (المهني، العلمي ، العلوم، التجارة والاقتصاد ، الآداب ، الشريعة) على المقياس الكلي لاتجاهات الحداثة ان متوسط السنة الرابعة زاد بدلالة على متوسط الاولى في 3 تخصصات (المهني، العلوم، التجارة والاقتصاد)

وفي دراسة قام بها ( البطش وجبريل ، 1991) هدفت الى التعرف على التغيرات التي تحدث في القيم الغائية والوسيلية بحسب المراحل الثمانية لدى الافراد في البيئة الاردنية .

طبق الصورة الاردنية لمقياس روكاش للقيم على عينةمن ( 800 ) فرد موزعين على 8 فئات عمرية بين 15 – 50 سنة فما فوق تم اختيارهم من عمان الكبرى بالطريقة العشوائية الطبقية ثم تم استخراج متوسطات الرتب الغائية والوسيلية لكل قيمة تبعا لمتغير العمر .

اشارت النتائج الى ان 26 قيمة غائية ووسيلية اظهرت تغيرا بحسب العمر كما بينت النتائج ان هذه القيم التي تغيرت بحسب العمر تسير وفق 14 نمطا غائيا

كما قام( سمور ومساعدة ،2000) بدراسة هدفت الى كشف علاقة القيم الاسلامية بالاضطراب النفسي بأبعاده الستة ( القلق،المخاوف المرضية ، الوسواس ، الاضطرابات النفسجسمية،الاكتئاب، الهستيريا) ومعرفة اختلاف هذه العلاقة في ضوء متغيري الجنس ومكان الاقامة .

طبقت اداة الدراسة على 290 طالبا وطالبة من جامعة اليرموك وتوصلت الى التأكيد على العلاقة بين توازن الفرد النفسي ونظامه القيمي الديني حيث وجد ارتباط سالب دال بين مستوى القيم الاسلامية والاضطراب النفسي والفروق التي تعزى للجنس دالة لصالح الاناث ، ودالة لصالح المدينة مقارنة مع الريف

اما دراسة (البطش وعبد الرحمن ، 1990) فقد هدفت الى التعرف على البناء القيمي لطلبة الجامعة الاردنية ، طور الباحث مقياس روكاس لمسح القيم وطبقه على عينة عشوائية طبقية مكونة من 2000 طالب وطالبة في الجامعة الاردنية تبعا لمتغيرات الدراسة وهي : الجنس، والكلية(انسانية ،علمية)، والخلفية الاجتماعية ( مدينة ،ريف،بادية) اشارت النتائج ان قيمة الدين والعمل لليوم الآخر احتلت الرتبة الاولى في هرم القيم الغائية واحتلت قيمة التضحية الرتبة الاولى في هرم القيم الوسيلية .

- وجود اثر لمتغير الجنس على متوسط الرتب التي احتلتها 17 قيمة وسيلية و11 غائية .

- وجود اثر لمتغير التخصص على متوسط الرتب التي احتلتها 16 قيمة وسيلية و11 غائية .

- وجود اثر لمتغير الخلفية الاجتماعية على متوسط الرتب التي احتلتها 12 قيمة وسيلية و12 غائية .

ولقد سعت دراسة (العلاونة وآخرون ، 1991) الى تطوير مقياس للقيم الاجتماعية في الاسلام حيث قسمت فقرات المقياس الى سبعة مجالات هي :
(الاسرة ،الجوار واولوا الارحام،الطعام والشراب واللباس،المجال الاقتصادي والاجتماعي،التعامل مع غير المسلمين،الامراض الاجتماعية ،مجال المبادئ العامة ) .

من خلال استعراض تلك الدراسات وغيرها نتوصل الى ان اهتمام الباحثين بموضوع القيم كان بالغا وذلك من خلال دراسة وظائفها وكيفية تنميتها وما يتمتع به الطلبة من تلك القيم ، وبناء أدوات لقياس القيم وغير ذلك ، ونتوصل كذلك الى ان الجامعات لها دور مهم في التأثير على المنظومة القيمية لدى الطلبة . وتتميز هذه الدراسة بانها تدرس دور الجامعة في تنمية نوع خاص من القيم وهي القيم العربية الاسلامية ، كما انها درست الجهات التي يمكن للجامعة ان تؤثر من خلالها في القيم عند الطلبة ، كما تتميز هذه الدراسة عن غيرها بعينتها ، فلا يوجد دراسات – حسب علم الباحث – استطلعت آراء مدرسي العلوم الشرعية ومدرسي العلوم التربوية في دراسات متعلقة بالقيم .

عينة البحث :

بلغ حجم العينة 86 استاذا جامعيا يدرسون في كليات الشريعة والعلوم التربوية التابعة للجامعات الاردنية التالية ( الجامعة الاردنية ، جامعة اليرموك ، الجامعة الهاشمية ، جامعة الزرقاء الاهلية ، جامعة اربد الاهلية ) ، تم اختيار اساتذة الجامعات افرادا للعينة لانهم يشكلون قمة الهرم العلمي في أي مجتمع ، كما انهم اكثر الناس قربا من الجامعات والادوار التي تقوم بها واعرف الناس بطلبتها كما تم اختيار التخصصات الشرعية والتربوية لانها اكثر التخصصات قربا من موضوع القيم ويناط باصحابها عادة مهمة الارتقاء بالامة وبافرادها .

وقد توزع افراد العينة كما في الجدول ( 1) .




جدول ( 1 )
توزيع افراد العينة حسب الكلية والجامعة

الكلية / الجامعة الاردنية اليرموك الهاشمية الزرقاء الاهلية اربد الاهلية المجموع
الشريعة - 12 - 10 7 29
العلوم التربوية 12 11 15 19 - 57
المجموع 12 23 15 29 7 86

وهذه الاعداد تمثل عدد الاستبانات التي تم جمعها من افراد العينة

ادوات الدراسة :

اعد الباحث استبانة تم من خلالها جمع البيانات المتعلقة بآراء اساتذة الشريعة والتربية حول دور الجامعات في تنمية القيم لدى الطلبة حيث ضمت بصورتها الاولية ستة محاور حول دور ( المدرس ، المناهج ، النشاطات الطلابية ، الخدمات الطلابية ، الجهاز الاداري ، الانظمة والتعليمات الجامعية ) مثّل كل محور من المحاور الستة خمس فقرات كل فقرة تشير الى نشاط يتم من خلال احد المحاور او سمة من سماته

وقد قام الباحث بعرض الاستبانة على ستة من اعضاء هيئة التدريس في كلية العلوم التربوية في جامعة الزرقاء الاهلية ، وعضو من الجامعة الهاشمية ، وذلك للتأكد من صدق الاستبانة ، وقد تمت الافادة من آراء لجنة التحكيم وذلك بتعديل بعض الفقرات واضافة محور يعبر عن دور الطالب وكذلك اضافة بعض الفقرات لبعض المحاور ليصبح عدد محاور الاستبانة سبعة وعدد فقراتها 38 فقرة بالاضافة لسؤال مفتوح لاقتراح ادوار اخرى للجامعة .

تم تطبيق الاستبانة على عينة استطلاعية لتجريبها وتخليصها من نقاط الضعف التي تظهر خلال التجريب ،وقد استخدم الباحث معادلة كرونباخ الفا لحساب معامل ثبات الاستبانة ( الاتساق الداخلي للفقرات ) وقد بلغ 0.96 وتدل هذه القيمة على ان اداة القياس تتمتع بمعامل ثبات مقبول لغايات اجراء الدراسة كما تم حساب معاملات التمييز لفقرات الاستبانة فتبين انها تتراوح بين ( 0.36 – 0.82 )




محددات الدراسة :

1. قد يكون من اهم محددات الدراسة هو حجم العينة ومدى تمثيلها لمجتمع الدراسة .

2. اداة البحث من تصميم الباحث فتعميم نتائج الدراسة مرهون بمدى صدقها وثباتها .
4. حددت اداة الدراسة ادوار سبعة فقط من عناصر الجامعة تقوم من خلالها بتنمية القيم عند الطلبة وقد يكون للجامعة ادوار اخرى لعناصر اخرى .




التعريفات الاجرائية :

القيم العربية الاسلامية : وهي عبارة عن مجموعة من المثل العليا والغايات والمعتقدات والتشريعات والوسائل والضوابط والمعايير لسلوك الفرد والجماعة ، مصدرها الله عز وجل وهذه القيم هي التي تحدد علاقة الانسان وتوجهه اجمالا وتفصيلا مع الله ومع نفسه ومع البشر ومع الكون وتتضمن هذه القيم غايات ووسائل .

مدرسو العلوم الشرعية : هم اصحاب التخصصات الشرعية الذين يدرسون في كليات الشريعة في الجامعات الاردنية .

مدرسو العلوم التربوية : هم اصحاب التخصصات التربوية الذين يدرسون في كليات العلوم التربوية في الجامعات الاردنية .

المدرس : هو من يقوم بعملية تدريس طلبة الجامعة في احدى كلياتها .

المناهج: وهي مواد دراسية ونشاطات تقدم للطلبة على شكل مساقات عبر الفصول الدراسية والتي يجب على الطالب اجتيازها بنجاح ليستكمل متطلبات تخرجه

النشاطات الطلابية : وهي الانشطة التي تقوم بها عمادة شؤون الطلبة وتفسح المجال للطلبة للمشاركة بها والتفاعل معها .

الخدمات الطلابية : وتشكل مجموعة الخدمات التي تقدم للطلبة من خلال الجامعة وتتمثل بما يلي : (مركز الارشاد النفسي ، الحافلات ،المكتبة ، الكفتيريا، الامن )

الجهاز الاداري : ويقصد بها رئاسة الجامعة ومن يتصل بالطلبة من الاداريين مثل مديرية التسجيل والمالية وغيرها .

الانظمة والتعليمات الجامعية : وهي التشريعات التي تصدر من قبل الجامعة والمأخوذة من قانون وزارة التعليم العهالي والمتعلقة بالسلوكات المرغوبة وغير المرغوبة التي يمارسها موظفو الجامعة وطلبتها .

الطلبة : هم الطلبة الذين يدرسون في الجامعة .

التحليل الاحصائي:

للاجابة عن السؤال الاول تم حساب التكرارات والنسب لجميع محاور الاستبانة وجميع فقراتها ليصار الى ترتيبها تنازليا .

وللاجابة عن السؤال الثاني تم ترتيب المحاور بناء على درجة الاهمية من خلال آراء الشرعيين وترتيبها مرة اخرى بناء على آراء التربويين واستخدام معامل ارتباط سبيرمان للرتب للتعرف على نوع العلاقة وقوتها .

للاجابة عن السؤال الثالث تم ترتيب المحاور بناء على آراء اساتذة الجامعات الخاصة واستخدام معامل ارتباط سبيرمان للرتب للتعرف على نوع العلاقة وقوتها .

النتائج وتفسيرها :

لقد نص السؤال الاول من اسئلة الدراسة على ما يلي:

ما هي اهم الادوار التي يمكن ان تقوم بها الجامعة لتنمية القيم العربية الاسلامية عند الطلبة من وجهة نظر مدرسي العلوم الشرعية و مدرسي العلوم التربوية ؟ .
- وبعد تحليل البيانات المتجمعة من استطلاع آراء افراد العينة وذلك بأيجاد مجموع الدرجات والنسب لكل محور من محاور الاستبانة تم ترتيب المحاور حسب درجة تأثيرها في تنمية القيم لدى الطلبة تنازليا كما يظهر في الجدول ( 2 )

جدول (2)
ترتيب الادوار تنازليا حسب اهميتها في تنمية القيم عند الطلبة ومجموع درجاتها ونسبها المئوية

الترتيب الادوار مجموع الدرجات الحد الاعلى للدرجات النسب المئوية
الاول دور المدرس 2145 2408 0.89
الثاني دور النشاطات الطلابية 1356 1720 0.79
الثالث دور المناهج 1341 1720 0.78
الرابع دور الانظمة والتعليمات الجامعية 1340 1720 0.78
الخامس دور الطلبة 1327 1720 0.77
السادس دور الجهاز الاداري 1293 1720 0.75
السابع دور الخدمات الطلابية 1536 2064 0.74

وقد حسب مجموع الدرجات من خلال تحويل خيارات عينة الدراسة على تدريج الاستبانة الى ارقام وذلك لجميع فقرات كل محور ثم جمع هذه الارقام ، اما بالنسبة للحد الاعلى للدرجات فهو حاصل ضرب عدد افراد العينة بعدد فقرات المحور مضروبا في ( 4 ) ، والنسب المئوية هي خارج قسمة مجموع الدرجات على الحد الاعلى للدرجات .

يبين الجدول (2) ان اهم الادوار التي يمكن ان تنمى القيم من خلالها عند الطلبة هو دور المدرس حيث كان ترتيبه الاول وبفارق كبير عن بقية الادوار ثم بعد ذلك دور النشاطات الطلابية ودور المناهج ودور القوانين الجامعية ودور الطلبة واخيرا دور الجهاز الاداري ودور الخدمات الطلابية .

ويلاحظ من الجدول كذلك الادوار الستة التي تلي دور المدرس متقاربة من حيث الاهمية فلا يتجاوز فرق النسب بينها ما قيمته 0.05 مما يدل على ان هذه الادوار الستة كلها مهمة في تنمية القيم عند الطلبة الا ان دور المدرس اكثر منها اهمية .

ويبين الجدول( 3 ) ترتيب الادوار تنازليا حسب اهميتها في تنمية القيم مع ترتيب فقرات كل دور مع مجموع الدرجات والنسب المئوية


جدول (2)
ترتيب الادوار وفقرات كل دور تنازليا حسب الاهمية في تنمية القيم لدى الطلبة مجموع الدرجات والنسب ( علما بأنالمجموع الكلي لكل فقرة هو 344 ) .
الادوار ترتيب الفقرات الفقرة مجموع الدرجات النسب المئوية
المدرس 1 التزام المدرس بالقيم العربية والاسلامية في سلوكه داخل وخارج الحصة 319 0.93
2 تقبل المدرس للطلبة ومحاورتهم باحترام داخل وخارج الحصة 313 0.91
3 تعزيز المدرس وتشجيعه للطلبة على الالتزام بالقيم 313 0.91
4 مناقشة القيم مع الطلبة خلال المحاضرات وربطها بحياة الطالب 310 0.90
5 استعداد المدرس لابداء النصح لمن يطلب من الطلبة ومساعدتهم في حل مشكلاتهم 308 0.90
6 الكفاءة العلمية للمدرس 301 0.88
7 طرائق التدريس التي يستخدمها المدرس 282 0.82
المناهج 1 ربط مفردات المساقات بالقيم المتعلقة بها 281 0.82
2 طرح مساقات متخصصة متعلقة بالقيم لجميع طلاب الجامعة 269 0.78
3 اشتمال مساقات متطلبات الجامعة على فصول خاصة بالقيم 269 0.78
4 ان تكون متطلبات بعض المساقات نشاطات متعلقة بالقيم 263 0.76
5 تضمين خطط المساقات مراجع تهتم بالقيم 259 0.75
النشاطات الطلابية 1 الالتزام بالقيم في كافة النشاطات الطلابية 288 0.84
2 استثمار الرحلات العلمية والترفيهية لغرس القيم لدى الطلبة 272 0.79
3 اقامة محاضرات وندوات وورش عمل للحديث عن القيم والالتزام بها 270 0.78
4 التأكيد على القيم من خلال النشرات واللوحات الجدارية 266 0.77
5 تشكيل لجان طلابية لحض الطلاب على الالتزام بالقيم 260 0.76
الانظمة والتعليمات الجامعية 1 ان يكون احد اهداف الجامعة تنمية القيم لدى الطلبة 279 0.81
2 الحرص على تعيين المعروفين بالتزامهم بالقيم العربية والاسلامية 279 0.81
3 وضع نظام للحوافزوالجوائز التقديرية للطلبة الذين يلتزمون بالقيم 269 0.78
4 وضع قانون لمعاقبة الطلبة غير الملتزمين بالقيم 258 0.75
5 اصدار نشرات تعريفية بالقيم العربية والاسلامية وترغيب الطلبة بالالتزام بها 255 0.74
الطلبة 1 الجمعيات والنوادي التي ينشئها الطلبة داخل الجامعة 279 0.81
2 مساهمة الطلبة في المشاريع الخيرية داخل وخارج الجامعة 278 0.81
3 مشاركة الطلبة بحوارات وندوات مع المسؤولين حول قضايا الامة الرئيسية 272 0.79
4 مشاركة الطلبة بدراسات ميدانية لاستقصاء القيم السائدة 251 0.73
5 انضمام الطلبة لجمعيات ومؤسسات خيرية وسياسية خارج الجامعة 247 0.72
الجهاز الاداري 1 التزام العاملين في الجهاز الاداري بالقيم 288 0.84
2 تسهيل الاجراءات الادارية وانجازها للطلبة بسرعة ويسر 277 0.81
3 عمل دورات متخصصة للمدرسين والاداريين تتعلق بالقيم وكيفية تنميتها 248 0.72
4 عمل مسابقات دورية متعلقة بالقيم 242 0.70
5 التواصل مع اولياء الامور والحديث معهم حول القيم 238 0.69
الخدمات الطلابية 1 التزام القائمين على تقديم الخدمات بالقيم المطلوبة 287 0.83
2 الحرص على تقديم الخدمة بافضل صورة 278 0.81
3 تشجيع الطلبة على الالتزام بالقيم من قبل مركز الارشاد النفسي 256 0.74
4 توفير مادة مكتبية متنوعة ومشوقة متعلقة بالقيم والالتزام بها 255 0.74
5 تشغيل اشرطة هادفة في الحافلات والكفتيريا واماكن تواجد الطلبة 246 0.72
6 تواجد رجال الامن بين الطلبة وحثهم على الالتزام بالقيم 214 0.62

يبين الجدول (3) كيف ترتبت الفقرات في كل دور من الادوار الواردة في الاستبانة تنازليا حسب تأثيرها في تنمية القيم لدى الطلبة فالتزام المدرس بالقيم العربية والاسلامية في سلوكه داخل وخارج غرفة الصف يشكل التأثير الاكبر في تنمية القيم عند الطلبة وهي الفقرة الاولى من دور المدرس .

اما دور النشاطات الطلابية فالفقرة الاولى هي الالتزام بالقيم في كافة النشاطات الطلابية اما دور المناهج فالفقرة الاولى هي ربط مفردات المساقات بالقيم المتعلقة بها وهناك فقرتين في دور القوانين الجامعية احتلتا المرتبة الاولى وهما الحرص على تعيين المعروفين بالتزامهم بالقيم العربية والاسلامية والثانية هي ان يكون احد اهداف الجامعة تنمية القيم لدى الطلبة ، والفقرة الاولى في دور الطلبة هي الجمعيات والنوادي الطلابية التي ينشئها الطلبة داخل الجامعة اما دور الجهاز الاداري فقد كانت الفقرة الاولى هي التزام العاملين في الجهاز الاداري بالقيم والخدمات الطلابية كذلك فقد كان لالتزام القائمين على تقديم الخدمات بالقيم المطلوبة الترتيب الاول .

ومن خلال نظرة شاملة لنتائج فقرات الاستبانة نجد ان الالتزام بالقيم من قبل العاملين في الجامعة ( بغض النظر عن طبيعة عملهم ) له التاثير الاكبر في تنمية القيم لدى الطلبة .

ويمكن ان تفسر هذه النتيجة بأن الاستاذ الجامعي في نظر طلابه يمثل بؤرة العلم والمعرفة واشعاع الاخلاق والقيم النبيلة ، وان الجميع ينظر للمدرس انه المجسد والمعبر عن كل خير وفضيلة من خلال سلوكه والتزامه بقيمه الاصيلة .

كما ان المدرس هو الصق الناس بطالبه فهو الرفيق الحميم في جميع مراحل دراسته فالخير عند الطالب ما يراه المدرس خيرا والسوء عنده ما يراه المدرس سوءا ، وهذه النتيجة طبيعية لان مهمة التدريس هي من اعظم المهام واكثرها تأثيرا فهي التي تبنى النفوس والعقول والارواح وصدق شوقي عندما وصف دور المدرس بقوله :

ارأيت اعظم او اجل من الذي يبني وينشئ انفسا وعقولا

ويمكن ان تفسر هذه النتيجة ان الاستاذ الجامعي يعتبر ان له الدور الاكبر في التأثير على شخصية الطالب – لان الذي اجاب على الاستبانة هم المدرسون وليس غيرهم – وهذا شئ ايجابي لانه يشعر المدرس بأهمية دوره وعظم مسئوليته والامانة الملقاة على كاهله .

اما بالنسبة للسؤال الثاني من اسئلة الدراسة فهو :

ما نوع العلاقة بين آراء مدرسي العلوم الشرعية وآراء مدرسي العلوم التربوية حول اهم الادوار للجامعة في تنمية القيم لدى الطلبة وما قوة هذه العلاقة ؟ .

يبين الجدول (4) ترتيب الادوار تنازليا حسب درجة التأثير في تنمية القيم لدى الطلبة من وجهة نظر مدرسي العلوم الشرعية ومجموع الدرجات والنسب

جدول (4)

ترتيب الادوار تنازليا حسب التأثير في تنمية القيم عند الطلبة من وجهة نظر الشرعيين ومجموع الدرجات والنسب

الترتيب الادوار مجموع الدرجات الحد الاعلى للدرجات النسب المئوية
الاول دور المدرس 736 812 0.91
الثاني دور القوانين الجامعية 463 580 0.80
الثالث دور المناهج 441 580 0.76
الرابع دور النشاطات الطلابية 439 580 0.76
الخامس دور الجهاز الاداري 436 580 0.75
السادس دور الخدمات الطلابية 520 696 0.75
السابع دور الطلبة 423 580 0.73


يبين الجدول (4) ان مدرسي العلوم الشرعية يرون ان الدور الاكبر الذي يؤثر في تنمية القيم عند الطلبة هو دور المدرس ثم دور الانظمة والتعليمات الجامعية ثم المناهج والنشاطات الطلابية والجهاز الاداري واخيرا الخدمات الطلابية والطلبة .

كما يتضح من الجدول من خلال مجموع الدرجات والنسب ان الادوار الستة الاخيرة متقاربة في درجة الاهمية لكن الفرق بينها وبين دور المدرس فارق كبير .

ويبين الجدول (5) آراء مدرسي العلوم التربوية حول درجة تأثير الادوار في تنمية القيم لدى الطلبة


جدول (5)

ترتيب الادوار تنازليا حسب درجة التأثير في تنمية القيم لدى الطلبة من وجهة نظر التربويين ومجموع الدرجات والنسب

الترتيب الادوار مجموع الدرجات الحد الاعلى للدرجات النسب المئوية
الاول دور المدرس 1407 1596 0.88
الثاني دور النشاطات الطلابية 907 1140 0.80
الثالث دور الطلبة 904 1140 0.79
الرابع دور المناهج 900 1140 0.79
الخامس دور الانظمة والتعليمات الجامعية 877 1140 0.77
السادس دور الجهاز الاداري 857 1140 0.75
السابع دور الخدمات الطلابية 1018 1368 0.74

يبين الجدول (5) كيف ترتبت الادوار تنازليا من وجهة نظر التربويين ( دور المدرس، دور النشاطات الطلابية، دور الطلبة، دور المناهج ، دور القوانين الجامعية، دور الجهاز الاداري ، واخيرا دور الخدمات الطلابية)
ويتضح من الجدول كذلك من خلال مجموع التكرارات والنسب اهمية دور المدرس مقارنة مع بقية الادوار

ولايجاد العلاقة بين آراء مدرسي العلوم الشرعية وآراء العلوم والتربوية قام الباحث بايجاد معامل ارتباط سبيرمان فكانت قيمته تساوي (0.429) والدلالة الاحصائية لها هي ( 0.337) وهذا يدل على وجود علاقة ايجابية (طردية) بين آراء الشرعيين والتربويين الا ان هذه العلاقة علاقة ضعيفة لانها لم تكن ذات دلالة احصائية


والسؤال الثالث نص على ما يلي :

هل تختلف آراء اساتذة الجامعات حول اهم الادوار للجامعة في تنمية القيم لدى الطلبة باختلاف نوع الجامعة الذين يدرسون بها( حكومية ، اهلية)؟

وللاجابة على هذا السؤال تم ترتيب الادوار حسب درجة تأثيرها في تنمية القيم لدى الطلبة تنازليا من وجهة نظر الذين يدرسون في الجامعات الحكومية كما في الجدول (6)

جدول(6)

ترتيب الادوار تنازليا حسب التأثير في تنمية القيم لدى الطلبة من وجهة نظر الاساتذة الذين يدرسون في الجامعات الحكومية
الترتيب الادوار مجموع الدرجات الحد الاعلى للدرجات النسب المئوية
الاول دور المدرس 1261 1400 0.90
الثاني دور الطلبة 800 1000 0.80
الثالث دور المناهج 791 1000 0.79
الرابع دور النشاطات الطلابية 784 1000 0.78
الخامس دور الانظمة والتعليمات الجامعية 777 1000 0.78
السادس دور الجهاز الاداري 740 1000 0.74
السابع دور الخدمات الطلابية 886 1200 0.74

يبين الجدول (6) ان الدور الاهم هو دور المدرس اما ترتيب بقية الادوار فهي كما يلي: ( دور الطلبة ، دور المناهج، النشاطات الطلابية، القوانين الجامعية ، الجهاز الاداري ، الخدمات الطلابية )

كما تم ترتيب الادوار تنازليا حسب درجة تأثيرها في تنمية القيم عند الطلبة من وجهة نظر الاساتذة الذين يدرسون في الجامعات الاهلية كما في الجدول (7)

جدول (7)

ترتيب الادوار تنازليا حسب التأثير في تنمية القيم لدى الطلبة من وجهة نظر الاساتذة الذين يدرسون في الجامعات الاهلية

الترتيب الادوار مجموع الدرجات الحد الاعلى للدرجات النسب المئوية
الاول دور المدرس 883 1008 0.88
الثاني دور النشاطات الطلابية 572 720 0.79
الثالث دور الانظمة والتعليمات الجامعية 563 720 0.79
الرابع دور الجهاز الاداري 553 720 0.77
الخامس دور المناهج 550 720 0.76
السادس دور الخدمات الطلابية 652 864 0.75
السابع دور الطلبة 527 0.73

يبين الجدول(7) ان الدور الاهم هو دور المدرس وتترتب الادوار تنازليا بعد دور المدرس كما يلي( دور النشاطات الطلابية،القوانين الجامعية،الجهاز الاداري،المناهج،الخدمات الطلابية ،الطلبة)

وللتعرف على نوع العلاقة بين آراء اساتذة الجامعات الحكومية وآراء اساتذة الجامعات الاهلية وقوتها تم حساب معامل ارتباط سبيرمان للرتب فكانت قيمته تساوي( 0.25) والدلالة الاحصائية لها(0.589) مما يدل على ان العلاقة بين آراء اساتذة الجامعات الحكومية والخاصة علاقة ايجابية (طردية) أي ان هناك توافقا في الآراء الا ان هذه العلاقة ليست قوية حيث لم تكن قيمة معامل الارتباط دالة احصائيا وذلك لان قيمة الدلالة الاحصائية (0.589) اكبر من (0.05)


ويمكن تفسير نتيجة السؤال الثاني والثالث - دون ان تخدعنا البيانات الكمية - ومن خلال نظرة فاحصة الى النتائج ، حيث ان التوافق كبير في آراء جميع افراد العينة ان كانوا شرعيين او تربويين ، وان كانوا يدرسون في جامعات حكومية او جامعات اهلية ، وذلك لان مجموع الدرجات ونسبها المئوية متقاربة جدا لجميع الادوار الستة الواردة في الاستبانة ، والذي يتميز فقط هو دور المدرس ، وقد يكون سبب هذا التوافق ان جميع افراد العينة ينظرون الى تلك الادوار انها عناصر لبيئة الطالب الجامعية ، وان تلك البيئة تتشكل من نسب متقاربة من تلك العناصر ، وان الطالب يتعامل معها جميعا بصورة متواصلة ، بنسب تواصل متقاربة ، ولذك كانت الاراء متفقة على ان درجة التأثير لتلك الادوار الستة في تنمية القيم عند الطلبة متقاربة .

اما بالنسبة للاجابة على السؤال المفتوح في الاستبانة والذي ينص على ما يلي:

هل يوجد ادوار اخرى للجامعة يمكن ان تسهم في تنمية القيم لدى الطلبة – لم ترد في الاستبانة- الرجاء ذكرها؟

وقد تم رصد العديد من تلك الاقتراحات وخصوصا تلك التي لم يرد مثلها في فقرات الاستبانة وهي :

- احداث زي محتشم موحد للطالبات
- الفصل بين الطلاب والطالبات في بعض شعب الدراسة
- العمل على تفعيل دور اساتذة الشريعة للقيام بواجبهم نحو القيم
- خصم تشجيعي للطلبة الملتزمين بالقيم في نهاية مدة الدراسة الجامعية
- تغيير مناهجها وفق القيم الاسلامية
- انشاء مشاريع تعاونية اقتصادية بين الطلبة والعاملين يديرونها بانفسهم لمساعدة المحتاجين منهم على شكل هبات او قروض
- دعوة بعض " النجوم" والمشاهير من الرياضيين والاعلاميين الملتزمين بالقيم والدعاة لادارة الحوارات والقاء المحاضرات
- مساعدة الجامعة للطلبة الفقراء
- رحلات العمرة( بشكل خصوصي) وكذلك الحج




التوصيات :

1. زيادة الاهتمام بكفاءة المدرس الجامعي الاكاديمية والمسلكية قبل وبعد تعيينه في الجامعة .

2. نشر الوعي بين العاملين في الجامعات باهمية دورهم والواجب الملقى على عاتقهم فيما يتعلق بتنمية القيم لدى الطلبة .

3. تحويل بعض الافكار الواردة في الاستبانة الى برامج عملية من قبل الجامعات حتى تتمكن من تنمية القيم لدى طلابها .

4. اجراء من الدراسات المتعلقة بالقيم وتنميتها وان تكون بعض تلك الدراسات من نوع البحوث النوعية.




المراجع :

1. ابو العينين، علي خليل (1988)، القيم الاسلامية والتربية ، ط1 مكتبة ابراهيم الجلبي ، المدينة المنورة .

2. بدارنة، سعد الدين (1994)،الاساليب التربوية في غرس القيم العقدية لدى الطفل المسلم ،رسالة ماجستير ،جامعة اليرموك ، اربد.

3. البطش،محمد وجبريل ،موسى(1991) التغير في التفضيلات القيمية عند الافراد الاردنيين بتقدمهم في العمر ،مجلة ابحاث اليرموك (سلسلة العلوم الانسانية والاجتماعية ) مجلد 7 عدد2.

4. البطش،محمد وليد وهاني عبد الرحمن (1990) ،البناء القيمي لدى طلبة الجامعة الاردنية ، دراسات مجلد 17 أ العدد 3.
5. الجلاد،ماجد(1999) النظام القيمي في ضوء توجيهات التربية الاسلامية ،مجلة العلوم التربوية والنفسية العدد 32.

6. الخطيب ، خالد (2000) استراتيجيات تعليم القيمة ، ورقة مقدمة كمتطلب لمساق استراتيجيات التعلم والتعليم في مرحلة الدكتوراة .

7. زاهر ،ضياء(1984) ،الاساليب التربوية في غرس القيم العقدية لدى الطفل المسلم رسالة ماجستير ، جامعة اليرموك ، اربد.

8. سمور ،قاسم محمد ، ومساعدة ،عبد الحميد احمد (2000) العلاقة بين مستوى القيم الاسلامية والاضطراب النفسي لدى عينة من طلبة جامعة اليرموك ، مجلد مركز البحوث التربوية ،جامعة قطر ، سنة 7 عدد 17.

9. الشيخ والخطيب (1986) ، دور الجامعة الاردنية في تنمية اتجاهات الحداثة عند طلبتها ،مجلة العلوم الاجتماعية مجلة 14 العدد4 .

10. علاونة ، شفيق وعبد الرحمن صالح وبني خالد ،حسين (1991) بناء مقياس القيم الاجتماعية في الاسلام ،مؤتة للبحوث والدراسات (سلسلة العلوم الانسانية والاجتماعية )مجلد6 عدد3.

11. القيسي ، مروان ابراهيم (1995) المنظومة القيمية كما تحددت في القرآن الكريم والسنة النبوية ، دراسات (العلوم الانسانية ) المجلد 22 أ العدد 6.
* بدور* غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-25-2013, 06:40 PM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3636
 
الصورة الرمزية * بدور*
* بدور*
(ربــ اسـألگ رضآكـ ******1737;آلجنه******9829;)
الانتساب: 6 - 12 - 2009
الإقامة: غزة
المشاركات: 9,214
معدل تقييم المستوى: 17
* بدور* is a jewel in the rough
حرب القيم

حامد بن عبد الله العلي



ليس ثمة مجال للريب أن القسمة الثنائيّة الصارمة، تتنزّل اليوم على كلّ المتعاطين مع المشروع الإمبريالي الأمريكي ـ الصهيوصليبي ـ الجديد في عالمنا الإسلامي، ولن يسلم أحد من التعاطي معه، إنّه مفروض علينا فرضا، أمرٌ غشي النّاس كُرهـا، وهو أعظم خطر مـرّ على أمتنا، وهو فتنة شاء الله أن يفتن بها عبـاده، وهو الحكيم العليم،،

(إِنْ هِيَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِي مَن تَشَاء أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ)،،

نسأل الله أن يحفطنــا والمسلمين من شرّهـا، ويرزقنا فيها العزيمة على الرشد، والسداد في الأمر، وحسن العاقبة آمين،،



فهما قسمان، لاثالث لهما:

أحدهما:

قومٌ يرون أن أمل هذه الأمـّة بأن تقوم بذاتها إلى عزّها، قد انتهى إلى غير رجعة، وانقضى فلم يعد فيه نبض لحياة، أوشعاع من نور،

ولا سبيل لنا إلا أن نقبل ابتلاع المشروع الأمريكي لنا، ونبحث عن زاوية مـا في سوقه، ونعترف أننا لسنا أمّة لها مقومات الأمـّة القادرة على النهوض حضاريا، وإنما غنمٌ ضائعة في ليلة شاتية، وجدت راعيها في المشروع الغربي الأمريكي، فهي فرصتها الوحيـدة!!

وجلّ هؤلاء،، إنما هم أذناب الهزيمة النفسية، وحثالة السقط الفكري، وأتباع كل ناعق من شياطين الغرب.

ومن هؤلاء (إسلاميون) احتالوا على أنفسهم بإقناع أنفسهم أن انطواءهم تحت هذا القسم هو عين الحكمة والمصلحة الشرعية، وأن الإسلام يمكن أن لايتعارض مع المشروع الأمريكي، وهرعوا إلى تزيين هذا الهوى المُردي، بزينة زائفة، من تحريف النصوص، وإنزال قواعد الشرع في غير منازلها.

قال الحق - سبحانه -: (أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ * وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ * مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ)..

نعم،، الله - تعالى -الذي بيده الأمر كلّه، وإليه يرجع الأمر كلّه، علانيته وسره، الذي يرسل الرياح فيحيي الأرض الميتة بغيثه، هو الذي يرسل الهدى على القلوب، فتغدو عزيزة بالله - تعالى -، مرفوعة بالكلم الطيب والعمل الصالح، ويخزي الذين يمكرون السيئات لهذا الدين، ويبوءُ مكرهم بالخسران المبين.

وهذا القسم، المشروع الأمريكي فرحٌ بهم أيّما فرح، فهم جنوده، وأعوانه، وجسره الذي يمر عليه إلى أهدافه، كما فعل المشروع الإمبريالي الاستعماري السابق على أمتنا، تماما حذو القذة بالقذة.



والقسم الثاني:

الذين ألقي الله في روعهم، العزيمة الصادقة، المقرونة بالتضحية بكلّ شيء، على مناهضة هذا المشروع الغربي الأمريكي،

فمنهم من نفخت فيه عروبيّته نفخة الأنفة من الانقياد للأجنبي، فأخذته عزة العروق القحطانية أو العدنانية الممتلئة بإباء الأحرار، ولنعم العروق هي:

عروق الحرّ تنزعه لموت ** يعيش به حياة الخالدين

غير أن هؤلاء محبوسٌ عنهم النصر، مردودٌ أمرهم إلى الهزيمة، إنْ لم يأخذوا راية محمد - صلى الله عليه وسلم - باليمين، أخذ القويّ المستبين، ذلك أن قدر العروبة أن يُضرب عليها الذل إنْ لم تحمل رسالة قائد العرب والعجم إلى الهدى، سيد العرب والعجم والأولين والآخريــن، محمد - صلى الله عليه وسلم -.

لكنهم والله خيرٌ من الذين لم يعد فيهم من عزة الإسلام، ولا شيم العروبة مثقال ذرّة.

وهذه رسالة للذين اختاروا في شام الإسلام، وفسطاط عزته، دمشق المجد، الأبيّة على كل غازٍ مستكبـر، اختاروا طريق المواجهة مع المشروع الأمريكي ولنعم ما اختاروا، رسالة ناصح: أن يرجعوا إلى دينهم، ويتمسكوا بشريعة ربهم، ويكفُّوا عن الظلم والإسبتداد فهما المصرع، وهما في الحقيقة العدوّ الذي يصرع.

وليلتفّوا حول راية الجهاد الإسلامي المنقاد لله ولرسوله، وليتوبوا من مبادئ حزب البعث الضالة، ولينزعوا عنها إلى رشد الشريعة المحمدية الهادية المهديّة، فإنّ كلّ مبدأ يناقضها هو والله حلقة الضعف التي سترديهم، وبؤرة الهزيمة التي سيدخل منها الأعداء إليهــم،، ولينظروا إلى ما ضرب الله في العراق من مثل، فقد سقط شعار الجاهلية سريعا وتهاوى، وبقي شعار الإسلام براية العزة الخفاقة كل يوم يتعالى..

ومنهم الهداة، الذين هبُّوا حاملين لراية الإسلام المظفّرة، وشدّوا على خناصرهم بيعة الجهاد المحمّدي، باللسان والسنان، واستقرت في قلوبهم السكينة التي بها اطمأنوا إلى موعود الله، والبصيرة التي بها رأوا نصر الله، حتى رأوا بنور قلوبهم، هزيمة أعداء هذا الدين على أسوار الإسلام العظيم، كأنهم يرونها رأي العين.

وهؤلاء هم الذين جمعوا بين:

صحة التوحيد، ونور العلم بالوحي.

وسلامة القلب من الاغترار بالدنيا والركون إليها.

ومعرفة حقيقة الخطر الذي يهدد هذا الدين، وهذه الثالثة،

تتمثل في أمرين:

أحدهما: معرفة نفسية الغرب الإمبريالي الاستعماري، وأنها نفسية جبلت على الظلم والاغتصاب والعدوان،

ولا أخالني بحاجة إلى أن استشهد بالحروب الأوربية الأولى والثانية، التي ترجمت عقلية ونفسية الغرب الإمبريالي، ولن أستشهد بالاستعمار وما صنع في عالمنا من الجزائر إلى أندونيسيا، ولن أستشهد بما تفعله أمريكا وكلبها المدلل الكيان الصهيوني فينا من الأهوال، اليوم ومن قرن من الزمان،

ولا بمخازي غوانتنامو والسجون الأمريكية المنتشرة في العالم، ولا ببؤس المهاجرين العرب والأفارقة بأوربا، الذي فضح زهو باريس بتحضّرها المصطنع، فأسقط عنها ورقة التوت، وبدت سوءتها للعالم، وانكشف كـم فيها من ظلم، واضطهاد، ورقّ، وعنصرية دينية، وعرقية.

بل سأستشهد بشاهد من أهلها، وللشهادة قيمة أخــرى، لأنها تلقي الضوء على الأصل والمنبت الذي انطلق منه الاستعمار الغربي الإمبريالي، سابقا على كل محاولات التزييف الإعلامي الهائل الذي ينتشر في العالم اليوم، محاولا تجميل وجه الغرب القبيح:

نعم،، ما أروع والله كلمة ذلك المفكر الإنجليزي الشريف المستر جود في كتابه القيم Guide To Wickedness P.i91(إن حربا تشهر تحت إشراف عصبة الأمم ليست للعدل بين الأمم، يقوم بها شرطة العالم للأخذ على يد الظالم وعقاب المعتدي، ليست هذه الحرب إلاكفاحا بين الطوائف المتنافسة في القوة، الواحدة منها حريصة على المحافظة على القسط الأكبر من ثروة العالم ومواردها، والأخرى متهالكة على تحصيلها، إن مثل هذه الحروب لاتختلف عن حروب نشبت بين الطوائف المتنافسة في الماضي، ولا عن حروب النمسا وبروسيا، وعن حروب السنوات السبع، وعن حروب نابليون، وعن حرب 1914ـ 1918، لاتختلف هذه الحرب عن هذه الحروب إلا بالاسم، أما التذرّع بأن هذه الحروب، إنما نصبت للدفاع عن الديمقراطية وعن عصبة الأمم، وضد الفاشية والاعتداء، فلا يغير من الموقف شيئا)

عجبا والله، إنهــا إذاً الخدعة القديمة ذاتها، لازالت سارية المفعول، ولازالت تضحك على العقــول!!

غير أنهم جاؤوا هذه المرة فاحتلوا العراق بعد أن ضربوا عرض الحائط بهيئة الأمم،

ثم بعدما استولى اللصوص وقطاع الطرق، على الغنيمة بإهراق الدماء، وقتل الأبرياء، تنادوا إلى السلام، وبحثوا عمّن يحمّلونه جريمتهم (الإرهاب):

هل أقول: لله درك يا مستر جود إذ قلت واصفا الإنجليز بنفس النفسية والعقلية التي تنطبق على السياسة الأمريكية والغربية بصورة عامة: (الانجليز لاشك أمة سلمية، ولكن مسالمتهم مسالمة لص، اعتزل حرفته القديمة، وقد أحرز شرفا وجاها، بفضل غنائمه السابقة، وهو يبغض الذين يدخلون جديدا في حرفته القديمة، عنده فضول أموال وغنائم لايستهلكها، ولكنه يلقب الذين يريدون أن يساهموا في ذلك بهواة الحرب) ص 180

أم أقول: لله درك يا مستر جود إذ قلت بنفس الوصف الشامل: (إن الكبر ـ أكثر من الطمع ـ هو الذي يحمل الطبقة الحاكمة في بريطانيا، على إتباع خطط لاتتفق مع ما يتظاهرون به من حب الصلح والوئام، دع رجلا يقترح على ولاة الأمر في بريطانيا، أن يهجروا قيراطا من رمل من ممتلكاتها التي لاتغرب فيها الشمس، ومن أشدها قحولة وجدبا، تر المحافظين الأبطال في بريطانيا يقيمون العالم ويقعدونه سخطا وحنقا، وترى الصحافة الإنجليزية المعتدلة تتميـّز غيظا، إذا تعلم أن هؤلاء المحافظين ليسوا طماعين فقط، بل هم مستكبرون معاندون) ص 180

وكلامه هذا ينطبق على الأنظمة الظالمة المستبدة التي يريد الغرب اليوم أن يزيلها لينهب ما تحتها من الكنوز، غير أنه بعيد كل البعد عمّن التفوا تحت راية لا إله إلا الله محمد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، يبتغون ما عند الله، محتقرين حطام الدنيا الفانية، التي يتقاتل عليها عبّادها، يتساقطون فيها كما تتساقط الفراش في النار.

وصــدق،، الكبر والطمع بلا حدود، ولاشفقة، هما سمة السياسة الإمبريالية الغربية ـ وليس هذا حكم على كل شعوب الغرب ـ هذا هو تركيبهم النفسي، خصيصة إبليس نفسه، خصيصة الإنسان الكافر،

(فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَـدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ).



الثاني:

معرفة حقيقة نواياه التفصيلية، وأنها في جملتها، ليست سوى نسخة جديدة، لحملة إمبريالية استعمارية جديدة، وضعت في صميم أهدافها، تحطيم منظومة القيم الإسلامية، لكن عبــر وضع قيم مزيفة بديلة، ظاهرها شعار الإسلام، وباطنها إطفاء نوره،

كما قال الحق - سبحانه -: (يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ * هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِّنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُونوا أَنصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ فَآَمَنَت طَّائِفَةٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَت طَّائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آَمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ).



إنها حرب القيم، فكونوا أنصار الله يا مسلمون، واحذروا:

(وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَاحْذَرُواْ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاَغُ الْمُبِينُ)

اللهم هذا البيان وعليك البلاغ، اللهم إني قد بلغت اللهم فاشهد.. حسبي الله ونعم الوكيل، نعم المولى
* بدور* غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-25-2013, 06:40 PM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3637
 
الصورة الرمزية * بدور*
* بدور*
(ربــ اسـألگ رضآكـ ******1737;آلجنه******9829;)
الانتساب: 6 - 12 - 2009
الإقامة: غزة
المشاركات: 9,214
معدل تقييم المستوى: 17
* بدور* is a jewel in the rough
سيماء المرأة في حرب القيم بين النفس والصورة

د. فـريد الأنصاري


◄ مقدمة:

السِّيمَاء والسِّيمِيَاء، بياء زائدة: لفظان مترادفان لمعنى واحد. وقد ورد ذلك في كتاب الله، لكن مقصوراً غير ممدود، أي بلا همز، هكـذا: (سِـيمَا). قال ـ تعالى ـ: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ} [الفتح: 29]. وقال ـ سبحانه ـ: {تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273].

والسِّيمَاءُ في معاجم اللغة: هي العلامة، أو الرمز الدال على معنى مقصود؛ لربط تواصل ما. فهي إرسالية إشارية للتخاطب بين جهتين أو أكثر، فلا صدفة فيها ولا اعتباط(1).

واستعمالنا لهذا المصطلح في مجال القيم المتعلقة بالمرأة، والمتدافعة في معركة الحضارة؛ إنما هو لمحاولة الكشف عما ترمز إليه المرأة في الإسلام؛ نفساً وصورةً. وما تكون به أو لا تكون، في زمان (العولمة). فأما (نفساً) فباعتبارها (أنثى الإنسان) من الناحية الوجودية، وأما (صورةً) فباعتبارها هيأة خِلْقِيَّة، ذات تجليات مظهرية خاصة، وما حلاها ـ لذلك ـ الإسلام به من لباس، تتحقق إسلاميته بشروطه ومقاصده الشرعية.

وما معنى ذلك كله (النفس والصورة) من الناحية السيميائية، وما دلالته التعبيرية من الناحية التعبدية؟ إننا ننطلق من مبدأ قرآني عظيم: وهو أن لا شيء من موجودات هذا الكون الفسيح إلا له دلالة سيميائية، ومعنى رمزي لوجوده، وهو مسمى (حكمته) الخِلقية، قال ـ تعالى ـ: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ * لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إن كُنَّا فَاعِلِينَ * بَلْ نَقْذِفُ بِالْـحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 16 - 18]. فما خلق الله شيئاً، وما جعله، ولا شرعه؛ إلا لحكمة، هي مغزى وجوده، أو جَعْلِه، أو تشريعه. ومن هنا كان من أسماء الله الحسنى اسمه ـ تعالى ـ: (الحكيم). فهو ـ سبحانه ـ (حكيم) خَلْقاً وتشريعاً. فإرادته الخلقية التكوينية، وإرادته التشريعية التكليفية؛ كلتاهما لا تتصرف إلا بحكمة بالغة. فخَلْق الأنثى على هيئتها كان بإرادته التكوينية، وسترها ـ تكليفاً بحدود معلومة من اللباس ـ كان بإرادته التشريعية. وكل ذلك من حكمة الخالق ـ جل وعلا ـ، وجماع ذلك كله أنه سيماء ربانية لحكمة بالغة.

فكم هو شنيع خطأ فهم أولئك الذين يظنون أن مسألة اللباس في الإسلام مسألة شكلية! وأي شكل في الوجود لا يعبّر عن مضمون؛ بدءاً بأبسط الأشياء حتى أعقدها! ودونك العلوم والفلسفات والحضارات عبر التاريخ، فانظر!

إن منطلق البحث السيميائي في اللباس الإسلامي، ونتيجته أيضاً، كلاهما مرتبط بأصول العقيدة أساساً! سواء تعلق ذلك بالرجال أو بالنساء على السواء، لكن لكل منهما سيماؤه الخاصة. وغلط مَنْ يحصر ذلك في مجال التشريع فقط!

ومن هنا يتبين مدى الخطر الذي تؤدي إليه (حركة التعري) من تدمير عقدي للإسلام! كما سترى بحول الله. إن واقع الأمة اليوم، في هذا المقتل الجوهري على جانب من الخطر عظيم. فلقد رأينا أن قضية اللباس بما ترمز إليه من دلالات سيميائية؛ هي حرب حضارية تُشن على الإسلام؛ لتدمير مواقعه الوجدانية في بنية التدين الاجتماعي. إن ذلك يعني سحب البساط من تحت كل أشكال العمل الديني التجديدي في البلاد الإسلامية، وجعله يضرب في الفراغ سدى!

إن هذا الخطر الخلقي الداهم ليس له علاقة بتفسيق الشباب فقط، ولكنه مدمر لبنية التدين كلها! إنه استراتيجية عالمية خبيثة لغزو العالم الإسلامي على مستويات متعددة، واحتلال الوجدان الإنساني فيه، وتدمير شخصيته على المستويين النفسي والاجتماعي معاً! وذلك أخطر أنواع الاحتلال، وأشد وجوه الاستخراب!

وبناء على ما سبق؛ نقسم مقالنا هذا ـ كما هو عنوانه ـ إلى قسمين: الأول يتعلق بسيماء النفس، والثاني يتعلق بسيماء الصورة. وبيان ذلك هو كما يلي:

◄ القسم الأول: سيماء النفس لدى المرأة في الإسلام:

لقد انطلق الخطاب القرآني للمرأة من مبدأ الخطاب الكلي للإنسان، منذ كان خطاب الوجود الأول للنفس الإنسانية! وذلك قول الله ـ تعالى ـ: {وَإذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ ألَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172]، فكان هذا التكليف الكوني العجيب: {إنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْـجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإنسَانُ إنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً} [الأحزاب: 72].

لقد جاء هذا التكليف في سياق خطاب كوني، وُجِّهَ للسماوات والأرض وما بينهما، فتَصَدَّر الإنسان بما فطر عليه من مؤهلات؛ ليكون إمام العابدين لله الواحد القهار، وليكون ســيد السائرين إليه ـ تعالى ـ في الأرض وفي السماء. وليس بعيداً عن هذا القصد أمر الله ـ تعالى ـ ملائكته بالسجود لآدم، أول الخليقة من النفس الإنسانية، وهو يحمل في صلبه ذريته ذكراناً وإناثاً.

ومن هنا خاطب المولى ـ جل جلاله ـ المرأة في القرآن باعتبارها (عاملاً)، على سبيل التسوية المطلقة بين الرجل والمرأة في المسؤولية الوجودية من حمل الأمانة الكبرى، كما مر في قوله ـ تعالى ـ: {فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّنْ بَعْضٍ} [آل عمران: 195] .

وأما ما خالفت المرأة الرجل فيه من أحكام؛ فذلك راجع إلى الطبيعة التكاملية بين الذكورة والأنوثة، وليس إلى تنقيص خلقي تكويني في طبيعتها. فقد ينقص الرجل في شيء لتكمله المرأة، وقد تنقص المرأة في شيء ليكمله الرجل؛ سعياً لتكوين الحاجة الفطرية الطبيعية بينهما، ورغبة في دوام الالتقاء وضمان استمرار الحياة(2).

إن تشريع اللباس الإسلامي إنما كان ـ مذ كان ـ في هذا السياق الكوني العظيم، فليس فيه إذن شكليات وهامشيات، إنه جوهر من جواهر الحياة، وعمق من أعماق الوجود الإنساني في الخطاب القرآني! إنه سيماء لحمل أمانة الاستخلاف في الأرض، قال ـ عز وجـل ـ: {هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا} [هود: 61]. ومن ثَمَّ كان ذلك أول قصد إبليس بالتدمير والتخريب في المجتمع الإنساني الأول! فاقرأ وتدبر هذه الآية العجيبة! قال ـ تعالى ـ: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْـجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 26 - 27].

ذلك سر عجيب من أسرار اللباس في القرآن، فتدبر!

والمرأة إذ تكشف عن أطرافها، ومفاتنها الجسمانية بتسيب شهواني؛ فإنما معناه أنها تُبرز التمثال على حساب الطبيعة، وتمجد الفخار على حساب الروح! وتفر من تزيين حقيقة النفس إلى تزيين غلافها الخارجي فقط! فتخرج عن طبيعة الوجود البشري الذي قام على المفهوم النفسي في القرآن كما تبين، وتتنصل عن ماهيتها الوجودية ووظيفتها الكونية.

◄ القيم التربوية لسيماء النفس لدى المرأة:

تقوم سيماء النفس لدى المرأة في الإسلام على ثلاث قيم رئيسة، ذات أبعاد جمالية خاصة، هي من لطائف الأنثى خِلْقَةً، ومن أسرارها العميقة. وهي كما يلي:

◄ أولاً: قيم جمالية الأنوثة:

الأنوثة هي سر الجاذبية الخِلْقية في المرأة. والأنوثة في الإسلام مفهوم تكاملي؛ ومن هنا كانت جماليته؛ أي أن به يُحَصِّل الرجل كمالَه، من حيث هو جنس بشري، وبدونه فهو ناقص أبداً. وكذلك المرأة في المقابل لا تكون إلا بالرجولة التي على الرجل أن يحفظها ويرعاها لها! و (الجمالية التكاملية) هي المذكورة في قوله ـ تعالى ـ: {هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ} [البقرة: 187]؛ ومن هنا وجدنا الإسلام ينهى بشدة عن (تَرَجُّلِ المرأة) أي تشبهها بالرجل؛ لما فيه من فقدان الهوية الفطرية للتكاملية الإنسانية، ثم لما فيه من إخلال بالتوازن الجنسي، والجمالي في الخلق. فالأنوثة حقيقة وجودية ضرورية لاستمرار النسل من ناحية، وضرورة وجودية للشعور بمعنى الحياة لدى الجنسين؛ بما يكون من إنتاج للوظيفة البشرية في بناء الأسرة. ومن ثَمَّ؛ من وظيفة عمرانية في قيام الحضارات، واستمرار التاريخ إلى ما شاء الله. فكان الترجل النسوي لذلك تهديداً للوجود الإنساني وخرماً لتوازنه!

وقد وردت أحاديث عن الرسول الأكرم -صلى الله عليه وسلم- في هذا الخصوص؛ من مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: العاق لوالديه، والمرأة المُتَرَجِّلَةُ ـ المتشبهة بالرجال ـ، والدَّيُّوثُ! وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن الخمر، والمنان بما أعطى»(3). ومثله قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاثة لا يدخلون الجنة أبداً: الدَّيُّوثُ، والرَّجُلَةُ من النساء، ومدمن الخمر»(4). وعن عائشة ـ رضي الله عنها ـ أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: «لعن الله الرَّجُلَةَ من النساء!»(5).

والترجل في المرأة قد يكون شكلياً كما باللباس، أو طريقة الكلام، أو المشي، أو نحو ذلك من الشكليات الظاهرة، وقد يكون بدنياً بتغيير خلق الله في نفسها، بالجراحات الطبية المحرمة التي تؤثر في طبيعتها الأنثوية، ووظيفتها الوجودية. وكل ذلك حرام بنص الأحاديث ومقاصد الشريعة. ومن هنا حرم الإسلام حتى مجرد التشبه بالرجل بله الترجل، كما حرم على الرجل التشبه بالنساء سواء! وذلك كما في قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «لَعَنَ اللهُ المتشبهات من النساء بالرجال، والمتشبهين من الرجال بالنساء!»(6).

وقال في خصوص التشبه في اللباس: «لعن الله الرجلَ يلبس لبسةَ المرأة، والمرأةَ تلبس لبسةَ الرجل»(7). فالأنوثة إذن؛ مقصد إسلامي وجودي وتشريعي، وكل خَرْم له هو خَرْم لحقيقة التدين ولحقيقة الحياة.

◄ ثانياً: قيم جمالية الحياء والتخفي:

الحياء ضد الفحش والتفحش، وضد البَذَاء، وجمالية الحياء هي من المقتضيات الفطرية للأنوثة، والحياء بطبيعته يميل إلى التخفي؛ لأن به يحفظ وجوده في النفس وفي المجتمع. إن الحياء كالزئبق، بمجرد ما ترفع عنه الغطاء يطير في الهواء ويتلاشى! ومن هنا كان لا حياء مع العري، وكان لا حياء مع البروز الفاضح. التخفي سر بقاء الحياء، والحياء سر بقاء الجمال! وإنما جمال الوردة ما لم تقطف! فإذا قطفت فركتها الأيدي ففقدت بهاءها، فلا جمال بعد! ومن هنا كانت الوردة الأجمل هي تلك المحصنة بين خضرة الأوراق وتيجان الأشواك!

والحياء عموماً مبدأ إسلامي كلي، عام في كل شيء، سواء كان في الأقوال، أو في الأفعال، أو في الألبسة، أو في التصرفات وسائر الحركات. وهو معنى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- الجامع المانع: «ما كان الفحش في شيء قط إلا شَانَه، ولا كان الحياء في شيء قط إلا زَانَه»(8). كما أنه كان عاماً في كل إنسان، من حيث هو مسلم يحمل عقيدة معينة، وانتماء حضارياً متميزاً. ولذلك قرنه النبي -صلى الله عليه وسلم- بالإيمان في قوله: «إن الحياء والإيمان قُرِنَا جميعاً، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر»(9)، ومثله قوله -صلى الله عليه وسلم-: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبَذَاءُ من الجفاء، والجفاء في النار»(10).

ثم جعله بعد ذلك سلوكاً يومياً، وتعبداً عملياً، وربطه بالله جل وعلا؛ معرفةً بجلال وجهه، وعظمة سلطانه، وجمال إنعامه، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «استحيوا من الله ـ تعالى ـ حق الحياء! من استحيا من الله حق الحياء؛ فليحفظ الرأس وما وعى، وليحفظ البطن وما حوى، وليذكر الموت والبِلَى! ومن أراد الآخرة ترك زينة الحياة الدنيا. فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حق الحياء!»(11).

لقد قصدت بإيراد هذه النصوص أن أبين أن الحياء مقصد من أهم المقاصد الشرعية التي تداني ما سطره العلماء في مقاصد الشريعة. وتَتَبُّعُ هذا المعنى بالمنهج الاستقرائي في النصوص الشرعية؛ يجعل منه كلياً من أهم الكليات الخلقية في الإسلام.

ذلك ما يتعلق بالحياء مطلقاً في الإسلام؛ أعني من حيث هو خُلُقٌ إسلامي عام في الرجال والنساء على السواء، وإن كان وجوده في المرأة أجلى وأبين وأجمل.

إلا أن المرأة في الشريعة الإسلامية اختصت منه بلطائف ومعان وأحكام ليست على الرجل، ضبطاً وتشريعاً. فكثيرة هي الأعمال التي أنيطت بالمرأة دون الرجل؛ رعياً لمقصد الحياء! فكل ما أوجب عليها التستر الجسمي أو الحركي أو الصوتي؛ فهو راجع إلى هذا المعنى.

فأما التستر الجسمي فهو ما فرض الله عليها من اللباس الإسلامي، في محكم القرآن العظيم، من قوله ـ تعالى ـ: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْـمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59]، وما فصّلته السنة النبوية في ذلك، من جزئيات بيانية توضيحية، من مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ما من امرأة تخلع ثيابها في غير بيتها إلا هتكت ما بينها وبين الله»(12). ومثله قوله -صلى الله عليه وسلم-: «أيما امرأة نزعت ثيابها في غير بيتها خرق الله ـ عز وجل ـ عنها ستره»(13).

وأما التستر الحركي فهو ما فرضه الله عليها من الاتزان في المشي وفي الصلاة، وما حرمه عليها من التغنج في الشوارع، والأماكن التي يغشاها الرجال، قال ـ تعالى ـ: {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31]، ومنعها من إمامة الرجال في الصلاة؛ لما فيه من كشف لحركة جسمها ومفاتنه عند الركوع والسجود! ونحو ذلك في الشريعة كثير.

وأما التستر الصوتي فهو متعلق بتلحين أنغامها الصوتية خاصة، وما في معناه من تغنج صوتي، وليس متعلقاً بمطلق الصوت طبعاً! وذلك كمنعها من الأذان، وتجويد القرآن بمحضر الرجال الأجانب عنها. ومن باب أولى وأحرى منعها من الغناء للرجال، وتلحين الصوت عند الكلام العام؛ قصد التأثير الجنسي على الرجل من غير الزوج! وذلك كله إنما هو مقدمات الزنى. ويجمع هذه المعاني قول الله ـ تعالى ـ الصريح: {فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْروفًا} [الأحزاب: 32].

كل ذلك إنما كان رعياً لجمالية الحياء الأنثوية في المرأة، وحفظاً لفطرتها النفسية ولطائفها الوجدانية، وحمايتها من التسيب الخلقي الذي هو باب كل شر!

وعليه؛ فقد كان التخفي في الإسلام مطلباً تعبدياً للمرأة في كل شيء؛ حتى في صلاتها! وبهذا المنطق يجب فهم حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي جعل صلاتها في بيتها أفضل ـ في الأجر والمثوبة ـ من صلاتها في المسجد، على عكس ما سنَّه للرجل تماماً. وذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها!»(14) وأوضح منه قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لأن تصلي المرأة في بيتها خير لها من أن تصلي في حجرتها، ولأن تصلي في حجرتها خير لها من أن تصلي في الدار، ولأن تصلي في الدار خير لها من أن تصلي في المسجد»(15).

وعن أم حميد امرأة أبي حميد الساعدي؛ أنها جاءت النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالت: يا رسول الله، إني أحب الصلاة معك. قال: «قد علمت أنك تحبين الصلاة معي، وصلاتك في بيتك خير من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجدي!»، فأَمَرَتْ؛ فَبُنِيَ لها مسجد في أقصى بيتها وأظلمه، فكانت تصلي فيه حتى لقيت الله عز وجل(16).

كل هذا التخفي في العادات والعبادات؛ إنما هو لحفظ جمالية الحياء. ذلك المقصد الذي يشكل سراً من أسرار الجمال في الأنثى!

وبهذه النصوص والمقاصد؛ يدرك المتبصر مقدار المخالفة الشرعية، في جمالية الحياء والتخفي، بين مثال المرأة المسلمة وبين حالها في واقعها المعاصر! فانظر ـ رحمك الله ـ كم هي بذيئة حالة الاستعراض التي تمارسها المرأة اليوم على الملأ، في الشوارع والأماكن العامة، تقليداً لعادات اليهود والنصارى! بل لقد وصل الجهل بمثل هـذه الحقائـق إلى أن صـار كثير ممـن ينتسبن إلى التدين والعفاف؛ لا يجدن حرجاً في الخروج مع أزواجهن، مشياً على هيأة من التغنج الفاضح، والتلاصق المخجل! خاصة الأزواج الحديثي العهد بالزواج. وكأن كونهما مرتبطين بعَقد شرعي كاف لتسويغ حالة الاستهتار الخلقي التي يمارسانها على الملأ، من التخاصر والتمايل. فما بالك بمن دونهما من الساقطين والساقطات! لقد فقد الناس الإحساس بالحياء! وفسدت أذواقهم إلا قليلاً!

◄ ثالثاً: قيم جمالية الأمومة:

الأمومة في الإسلام مفهوم خاص، وكذلك سائر مفاهيم الأسرة، كالأبوة، والبنوة، والعمومة والخؤولة... إلخ.

يخطئ من يظن أن تلك المصطلحات كما وردت في النصوص الشرعية، من كتاب وسنة، هي بالمعنى البيولوجي التناسلي فقط! كلا! إنها مفهومات تعبدية! فالأبوة بالمعنى الجنسي، أو الأمومة بالمعنى التناسلي؛ كلاهما مفهوم بيولوجي له دلالة جنسية، يشترك فيها بالتساوي الإنسان مع سائر البهائم، والحيوانات الأهلية والوحشية!

إن المفهومات الأسرية في الإسلام لها دلالة متفرعة عن مفهوم (الرَّحِم) بمعناه الإسلامي. و (الرحم) مصطلح قرآني أصيل، مشتق من (الرحمة)، يدل على معنى ديني مقدس في الإسلام، وهو الرابطة التعبدية التي تربط الناس فيما بينهم؛ بعلاقات تناسلية مبنية على مبادئ الشريعة، فلا يدخلها من الفروع والأصول إلا من كان نتاج عقد شرعي كامل!

ومن هنا فقَدَ الزاني مفهومَ (الأبوة) لما وُلِدَ له في الحرام؛ فلم يكن (أباً) بهذا الاعتبار! ولذلك لم يَجُزْ أن يلحق ابن الزنى بأبيه البيولوجي في أي شيء؛ نسباً وإرثاً! لأن الأب في الإسلام إنما هو من كان له ولد شرعي من عقد شرعي.

والأصل في ذلك أن الله ـ تعالى ـ جعل الرحم التي هي رابطة الأسرة في الإسلام؛ مَعْنىً تعبدياً لا يجوز انتهاكه بتغيير أو تبديل، ولا بقطع صلة؛ أي قطع العلاقات بين الفروع والأصول، رأسياً أو أفقياً. بل جعل صلتها عملاً تعبدياً كسائر العبادات الأخروية المقرِّبة إلى الله تعالى. وجعل رتبتها التعبدية مقرونة في القرآن بتقـوى الله ذاته جل وعلا. وذلك قوله ـ سبحانه ـ: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].

وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه في الحديث القدسي: «قال الله تعالى: أنا خلقتُ الرحمَ وشققتُ لها اسماً من اسمي، فمن وصلها وصلتُه، ومن قطعها قطعتُه، ومن بتَّهَا بتَتُّه!»(17)، ومثله قوله ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «الرَّحِمُ شُجْنَةٌ من الرحمن. قال الله: من وصلك وصلتُه، ومن قطعك قطعتُه!»(18)، والشُّجْنَةُ هنا: القرابة المشتبكة كاشتباك العروق والأغصان. وفي صحيح مسلم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «الرحم معلّقة بالعرش تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله!»(19)، فتجاوز مفهوم (الرحم) أن يكون مجرد غشاء من اللحم في بطن المرأة لحمل الجنين، بل تعدى هذا المفهوم للدلالة على العلاقة التعبدية بين أفراد الأسرة من الأصول والفروع رأسياً وأفقياً. وهذا سـر القوة والصمود في بقـاء الأسـرة ـ بالمعنى الإسلامي ـ عبر التاريخ، رغم كل أشكال التذويب الثقافي الذي تعرض له المسلمون في كل مكان!

إن الرحم نفسها بالمعنى البيولوجي، أي الغشاء الجنيني، هي راجعة في الاشتقاق اللغوي إلى معنى (الرحمة)؛ لما تتسم به الأم من هذا المعنى العظيم كلما حملت؛ فكانت لذلك مورد العطف والحنان! وإنما الرحمة مـن الله الرحمن الرحيم. هو ـ جل وعلا ـ يخلق ما يشاء كما يشاء.

وللدكتور عبد الوهاب المسيري تحليل دقيق للحركة النسوية في العالم العربي، يرجع به في نهاية المطاف إلى فضح الرغبة الغربية في تدمير نظام الأسرة الإسلامي؛ لما ذكرنا من اعتبارات، يقول: «والعالم الغربي الذي ساند الدولة الصهيونية ـ التي تحاول تفكيك العالم العربي والإسلامي سياسياً وحضارياً ـ يساند بنفس القوة حركات التمركز حول الأنثى في بلادنا... فالعالم الغربي الذي أخفق في عملية المواجهة العسكرية المباشرة مع العالم الثالث، اكتشف أن هذه المواجهة مكلفة وطويلة، ولا طاقة له بها؛ ومن ثم فالتفكيك هو البديل العملي الوحيد.

كما أدرك العالم الغربي أن نجاح مجتمعات العالم الثالث في مقاومته يعود إلى تماسكها، والذي يعود بدوره إلى وجود بناء أسري قوي، لا يزال قادراً على توصيل المنظومات القيمية، والخصوصيات القومية إلى أبناء المجتمع؛ ومن ثم يمكنهم الاحتفاظ بذاكرتهم التاريخية، وبوعيهم بثقافتهم وهويتهم وقيمهم ...

وإذا كانت الأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع؛ فإن الأم هي اللبنة الأساسية في الأسرة؛ ومن هنا تركيز النظام العالمي الجديد على قضايا الأنثى! فالخطاب المتمركز حول الأنثى هو خطاب تفكيكي ...، وهو خطاب يهدف إلى توليد القلق، والضيق والملل، وعدم الطمأنينة في نفس المرأة، عن طريق إعادة تعريفها! بحيث لا يمكن أن تتحقق هويتُها إلا خارج إطار الأسرة! وإذا انسحبت المرأة من الأسرة تآكلت الأسرة وتهاوت! وتهاوى معها أهم الحصون ضد التغلغل الاستعماري والهيمنة الغربية!»(20).

ومن ثَمَّ حازت الأم في الشبكة الأسرية موقعاً مركزياً، لا يدانيها فيه أحد، ولذلك قال الله ـ تبارك وتعالى ـ في القرآن العظيم: {وَوَصَّيْنَا الإنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إلَيَّ الْـمَصِيرُ} [لقمان: 14]، فهو وإن وصى الإنسان بوالديه معاً؛ إلا أنه خص الأم بذكر وظيفتها البيولوجية والنفسية والتربوية؛ فكان لها بذلك خصوص تمييز، لا يلحقه الأب. وهو صريح قول النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي رواه أبو هـريرة ـ رضي الله عنه ـ قال: «جاء رجل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أمك. قال: ثم من؟ قال: ثم أبوك»(21).

ومن هنا كان للأمومة جمالية خاصة في الإسلام، تتحقق على المستوى التربوي في تنشئة الفتاة، وإعدادها النفسي؛ لتملأ الوجدان الاجتماعي كله بالحب والحنان؛ مما يرسي نوعاً من التوازن السيكولوجي في الأجيال، ويقوي النسيج الاجتماعي للأمة.

◄ القسم الثاني: المرأة وسيماء الصورة في حرب القيم:

ونعني بسيماء الصورة هنا صورة الجسم، فكل الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، المتعلقة بلباس المرأة؛ إنما هي راجعة إلى الأصل الأول المبين في الفصل الأول، أي سيماء النفس، فوجب أن تكون الصورة خادمة للنفس وليس العكس، كما هي فلسفة الحضارة المادية في الغرب اليوم!

◄ الصورة سيماء حضارية:

يخطئ الذين يظنون أن الصورة ـ بما تحمله من ألبسة وعلامات ـ محايدة لا انتماء لها. بل هي رمز خطير من أهم رموز الانتماء الحضاري! إنها تعبر عن تصور ما للحياة والوجود والمصير بصورة واعية، أو غير واعية.

إن العري في الغرب اليوم، عري الرجل والمرأة كليهما، صورة تعبر عن فلسفة حضارية! فأوروبا وسليلتاها: أمريكا وأستراليا، تختزن مضموناً وثنياً قديماً، يرجع إلى العهد اليوناني القديم. لقد انهزمت المسيحية يوم تبناها قسطنطين إمبراطور روما، فانتقلت من الشرق مهدها الأول إلى الغرب؛ ذلك أن الغرب لم يستطع أن يتخلص من فكره الوثني القديم. فبدل أن تتمسح أوروبا توثنت المسيحية! أو بدل أن (تتنصر روما ترومت النصرانية) كما قال بعض مؤرخي الملل والنحل من المسلمين. وهذه أعظم مصيبة في تاريخ الديانة المسيحية! لقد فقدت طبيعتها الروحية إلى الأبد! قال ابن كثير ـ رحمه الله ـ: «ثم نبغ لهم ملك من ملوك اليونان يقال له (قسطنطين)، فدخل في دين النصرانية. قيل: حيلة؛ ليفسده، فإنه كان فيلسوفاً، وقيل: جهلاً منه، إلا أنه بدَّل لهم دين المسيح وحرَّفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبرى التي هي الخيانة الحقيرة، وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصلوا له إلى المشرق، وصوروا له الكنائس والمعابد والصوامع، وزاد في صيامهم عشرة أيام؛ من أجل ذنب ارتكبه فيما يزعمون، وصار دين المسيح (دين قسطنطين)!»(22).

إن الفنان اليوناني القديم الذي لا يجد حرجاً في رسم أو نحت الصورة عارية تماماً، مع العناية الشديدة في نقش الأعضاء التناسلية للرجل والمرأة، في التماثيل والصور؛ إنما يستجيب لطبيعة الفلسفة الإغريقية القديمة. فكل ذلك له دلالة التفسير المادي للحياة، والتصوير الغرائزي للإنسان! وهو حس وثني غليظ، بمقتضاه عبد الإنسان الشهوات السلطانية والمالية والجنسية، سواء في عهد الفراعنة في مصر، أو في عهد اليونان القديم، حيث الآلهة هي مرجع التفكير، والاعتقاد الفلسفي والاجتماعي لدى الإنسان. ولذلك كان العهر جزءاً من فلسفة اليونان، وجزءاً من قيمهم الدينية. وقد فصّل العلامة المودودي في كتابه (الحجاب) هذا المعنى بما يكفي، لكنا نقتطف منه قوله ـ رحمه الله ـ: «وتبدلت مقاييس الأخلاق عندهم، إلى حد جعل كبار فلاسفتهم، وعلماء الأخلاق عندهم؛ لا يرون في الزنى وارتكاب الفحشاء غضاضة، يلام المرء عليها ويعاب!... وانتشرت فيهم عبادة أفروديت «Aphrodite» التي كان من قصتها عندهم في الأساطير «Mythology» أنها خادنت ثلاثة آلهة، مع كونها زوجة إله خاص! وأيضاً كان من أخدانها رجل من عامة البشر، علاوة على تلك الآلهة. ومن بطنها تولد كيوبيد «Kupid» إله الحب! نتيجة اتصالها بذلك الخدن البشري!»(23).

إن هذا المضمون ـ مع الأسف ـ لم تستطع المسيحية في أوروبا أن تقضي عليه، وإنما تكيفت معه وتبنته؛ استجابة لمحاباة الإمبراطور من جهة، واستجابة للعرقية الغربية اليونانية القديمة من جهة أخرى. ولكن الذي حدث هو تحول الأوثان من صورة إلى صورة! فبدل أن تصور الآلهة اليونانية شرعت في تصوير الآلهة المسيحية! فظهرت صورة العــذراء وصـورة المــسيح عليه الســلام ـ زعموا ـ وصور القديسين! وأثقلت بها الكنائس في كل مكان! وصار للمسيحية تجل وثني مع الأسف! هو الذي تطور ليعري الصورة البشرية الحية في الغرب اليوم كاملة! فتوجهت العقلية الغربية إلى التعري في كل مجالات الحياة! ومن هنا شهد الغرب ثقافة العري التي طبعت أدبه وفنونه، ومن ثم صدرها إلينا مع المثقف العربي المصنوع على النمط الأوروبي!

ولذلك فليس عبثاً أن يتجه الفن الإسلامي في العمارة إلى التجريد بدل التجسيد! من خلال اعتماد الخط العربي في الزخرفة والتعبير، والأشكال الهندسية الانحنائية، المتكاتفة والمتعاطفة، نقوشاً وأسواراً وأزقة، كتعاطف المصلين في الصف خلف الإمام. ثم الأشكال التجريدية في الأعمال من صيام وقيام. كل ذلك لأن التجريد هو الفضاء الأقدر على التعبير عن عقيدة التوحيد.

إن حركة العري الجنسية في الغرب اليوم ما هي إلا امتداد طبيعي للانتماء الحضاري اليوناني القديم! فهي تحمل في طياتها تقديس الشهوات، وعبادة الملذات. وبذلك صار للجسم/الصورة سلطة كبيرة في بناء التصورات وصناعة القرارت، في السياسة والتجارة والإعلام! وتلك هي الوثنية في صورتها الجديدة!

◄ الصورة سيماء إعلامية تجارية:

وبهذه الخلفية الحضارية وُظِّفَتْ صورة المرأة، كاسية أو عارية، في الثقافية الإعلامية الغربية، فكانت بذلك رمزًا لترويج السلع والبضائع، والمنتوجات المختلفة، من خلال أبعاد صورتها الجسمانية، وما يتداعى عنها من غرائز جنسية، تستدعيها في نفسية المشاهد والمتلقي؛ ليكون بعد ذلك أحد المستهلكين للبضاعة التي مرت إلى عقله عبر قناة الجسد، جسد المرأة المشتهى!

إن هناك شيئاً يمكن تسميته بعلم النفس التجـاري! لكنه (علم) ـ إن صحت العبارة ـ نشأ في بلاد لا تعرف معنى لمفهوم الحرام! بل إنما تفتقت عنه عبقرية الشيطان اليهودي أساساً؛ ولذلك فقد جاء يحمل كل خصائص الرأسمالية المتوحشة. فصار صناعةً تستغل كل شيء، وتضحي بأي شيء: الدين والأخلاق والأعراض والقيم الإنسانية جملة؛ من أجل الوصول إلى غاية واحدة: هي الربح! فكان أن وظف السيمياء الأكثر تأثيراً في نفسية المستهلك الشهواني، وهي: جسد الأنثى، في صورته الجنسية!

فكانت هذه الصورة ـ مع الأسف ـ هي القناة الإشهارية الأولى، لكل البضاعة العالمية، من السيارة حتى الحذاء! ولم تعد صورة المرأة في الواقع النفسي التجاري العالمي؛ تتجاوز معنى مـومياء البلاستيك المعدة لعرض الأزياء على قارعة الطريق!

والصورة سيماء سياسية: وبنجاح السيماء التجارية في استغلال جسد المرأة بأبعاده الجنسية؛ انتقلت العدوى إلى مجال التدافع السياسي الصرف خاصة في الوطن العربي والإسلامي اليوم، حيث توظف الصورة العارية من خلال الأدب، والثقافة، والفن السينمائي، والمسرحي، والألبوم الغنائي، والموديل الفتوغرافي، وموضة الشارع المتحركة، حتى نمط العمل الإداري! كل ذلك لتدمير بنية التدين في المجتمعات الإسلامية، هذه البنية التي تعتبر خميرة ما يسمى (بالإسلام السياسي) باصطلاح أعدائه، أو (الصحوة الإسلامية)، أو (حركة تجديد الدين)، باصطلاح أبنائه. لقد استُغل السلاح النسوي استغلالاً خطراً، في إعادة صياغة الأسرة؛ وفق المقياس الأوروبي وقيمه الحضارية، ونقض أصول بناء الأسرة في القرآن بالتدريج. كل ذلك يحصل اليوم من خلال وسائل من أخطرها التطبيع على تداول الصورة العارية كموضة متحركة في بنية المجتمع العربي والإسلامي!(24)

◄ والصورة سيماء قرآنية:

ومن هنا لم تكن عناية الإسلام بالصورة الجسمية فارغة من أي مضمون، أو مجرد شكليات، وجودها كعدمها، كلا! بل هي أيضاً تعبر عن انتماء حضاري، وموقف عقدي، ورؤية وجودية. إنها عمق مذهبي، والتزام ديني(25). ولذلك فليس عبثاً أن تجد القرآن نفسه وهو أعظم مصدر ديني في الإسلام ينص على قواعد اللباس، وقواعد التصرف الصوري (نسبة إلى الصورة)، على سبيل الإلزام حيناً، وعلى سبيل الإرشاد حيناً آخر.

إن رمزية اللباس في الإسلام تنطلق مرجعيتها من قصة خلق آدم وزوجه حواء ـ عليهما السلام ـ، حيث كان لباس الجنة رمزاً للرضا الإلهي، وبمجرد ارتكابهما للخطيئة تحول ذلك إلى عري! فالعري هو رمز التمرد على الخالق. إنه إذن رمز الشيطان! قال ـ عز وجل ـ: {فَقُلْنَا يَا آدَمُ إنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْـجَنَّةِ فَتَشْقَى * إنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى * وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى * فَوَسْوَسَ إلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْـخُلْدِ وَمُلْكٍ لاَّ يَبْلَى * فَأَكَلا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْـجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى} [طه: 117 - 122]. إن هذه الآيات تلخص قصة اللباس كيف بدأ في تاريخ الإنسان وفي تاريخ الدين كله. فآدم وزوجه ـ عليهما السلام ـ كانا على تمام النعمة في الجنة، أَكْلاً وشُرْباً ولباساً. فقوله ـ تعالى ـ: {وَلا تَعْرَى}؛ دال على أنه ـ عليه السلام ـ كان يتمتع بلباس الجنة هو وزوجه. قال القرطبي في تفسير هذه الآيات: «فأعلمه أن له في الجنة هذا كله: الكسوة والطعام والشراب والمسكن»(26). وقال ابن كثير في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {إنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى}: «إنما قرن بين الجوع والعري؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر»(27). وقوله: {وَلا تَضْحَى}؛ أي لا تتعرض لحر الشمس. فهو في ظلالها وجمالها.

فصرح القرآن العظيم بعلة وسوسة الشيطان لآدم وزوجه؛ أنها الرغبة في تعريتهما التعرية التامة! حتى تظهر لهما سوءاتهما، فيريان ذلك من أنفسهما معاً! وليس أبعد في المنكر والخزي من أن يتعرى الإنسان، ويكشف عن عورته على ملأ الناس! إذن تمسخ طبيعته التي فطر عليها، من رتبة الإنسانية إلى دَرَك البهَمِيَّة، كما هي معظم شوارع هذا الزمان وتلفزيوناته! صحيح أن آدم وزوجه إنما كانا وحيدين في جنسهما آنذاك؛ إذ هما أول الخلق البشري. ولكن قصة آدم إنما كانت لوضع أصول التربية الفطرية للإنسان، والعهد إليه بميثاقها.

فالشيطان سعى قصداً إلى نقض هذه المقاصد، وتعرية الإنسان وتطبيعه على التعري، وخرق الحياء كقيمة إنسانية. ولذلك قال ـ عز وجل ـ في سورة الأعراف مبيناً: {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْـخَالِدِينَ *وَقَاسَمَهُمَا إنِّي لَكُمَا لَـمِنَ النَّاصِحِينَ * فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْـجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ} [الأعراف: 20 - 22].

ومن هنا كانت الآية البصيرة ـ وكل آيات القرآن بصائر ـ الآية التي تحكم منطق اللباس في الإسلام، وتوجهه، وتمنحه مضمونه المقاصدي بالشمول الكلي، تحيل تعليل فطرة اللباس وطبيعته الإسلامية على قصة آدم نفسها، لكن بوضوح أبين، ودلالة أقوى، وهي قوله ـ تعالى ـ: {يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ * يَا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مِّنَ الْـجَنَّةِ يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْءَاتِهِمَا إنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ إنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [الأعراف: 26 - 27].

والذي نفسي بيده! لو تدبرت النساء اليوم هذه الآية وحدها لكفتهن! ولكن أكثرهن ـ مع الأسف ـ عَمْياوَاتُ القلوب، {فَإنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46].

ومن جمالية التعبير القرآني بهذه الآية البصيرة؛ أنه ـ تعالى ـ ذَكَر لباس الثياب، ثم كنَّى عنه بالريش؛ وذلك لما للطائر من جمال؛ إذ ينطلق بريشه محلقاً في الفضاء، أو مستقراً على الشجر، أو ماشياً على الأرض. وما أتعسه من طير فَقَدَ ريشه! أو نتفه مَنْ يعذبه به! ألا ذلك هو العذاب الأليم! وقرن ـ تعالى ـ هذا كله بلباس التقوى، وإنما القصد (بلباس التقوى) صلاح النفس، لا اللباس المادي الظاهر، ولكنه هنا سيق ليكون هو غاية اللباس المادي في الإسلام، والمقصد الأساس من تشريعه، فإنما اللباس ما عبَّر عن ورع صاحبه وتقواه؛ ذكراً كان أم أنثى.

ومن ثَمَّ كان العهد الذي أخذه الله على الإنسان بعدم عبادة الشيطان؛ يعود بنا إلى قصة العري والعصيان الآدمي، وذلك قول الله ـ جل جلاله ـ: {أَلَمْ أَعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ} [يس: 60 - 61]. فكان الالتزام باللباس نوعاً من الوفاء العَقَدي لعهد الله وعدم الإشراك به، كما كان التعري نوعاً من الشرك والوثنية! لما فيه من إبراز وتقديس للجسمانية على حساب الروحانية؛ ومن هنا كانت أحكام اللباس في الإسلام متأصلة في عقيدة التوحيد! وهذا معنى من ألطف ما يكون، وسر من أعجب أسرار القرآن.. فتدبر!

في هذا الفضاء الكوني القرآني إذن؛ جاءت آية سورة الأحزاب في فرض نموذج لباس المرأة: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْـمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [الأحزاب: 59]، وآيات ســورة النور التي منــها قــوله ـ تعـالـى ـ: {وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلاَّ مَـا ظَهَـرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ} [النور: 31] .

وفي هذا الفضاء أيضاً جاء تمييز الرجال بألبستهم وصورهم، صحيح أن الإسلام لم يفرض نموذجاً عربياً أو عجمياً للباس، ولكنه فرض قواعد يجب أن تُحترم؛ سواء كان اللباس عربياً أو عجمياً، وقد لبس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اللباس العجمي وأقره بين الصحابة، كالقَبَاطِي والجبة الرومية، وغير ذلك(28)؛ ما دامت تلك الألبسة لا تحمل دلالة دينية رمزية لغير المسلمين من ناحية، وما دامت من ناحية أخرى تستجيب لقواعد اللباس الرجالي في الإسلام.

فالأمر الوارد بإعفاء اللحية بصورة مخصوصة لا بأي صورة، وكذا الأمر بالتزام قواعد معينة عند كل لباس؛ كل ذلك يخدم هذه الأصول التشريعية والعقدية المنطلقة من قصة آدم، والساعية إلى تمييز الإنسان المسلم عن عالم الخطيئة والعصيان الشيطاني، الذي انحدرت إليه أمم المجوس وأهل الكتاب من اليهود والنصارى. فقوله -صلى الله عليه وسلم- مثلاً: «خالفوا المشركين! أحفوا الشوارب وأوفوا اللحى!»(29)، وفي رواية لمسلم: «خالفوا المجوس»؛ ليس لتشكيل صورة قائمة على مجرد فن الديكور! كلا! بل هو لتمييز الصورة الإسلامية في سيميائها الحضارية، وانتمائها العقدي. إنها تعبير عن التبرؤ من النموذج الشيطاني الذي جر إليه إبليس اللعين الأمم الضالة لتغيير خلق الله، كما حكى عنه القرآن العظيم مفصلاً بشكل عجيب! قال ـ تعالى ـ: {إن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إلاَّ إنَاثًا وَإن يَدْعُونَ إلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا * لَعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا * وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} [النساء: 117 - 119].

ومن ذلك حديث أبي أمامة قال: «خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على مشيخة من الأنصار بيض لحاهم، فقال: «يا معشر الأنصار، حمّروا وصفروا وخالفوا أهل الكتاب!» قال: فقلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- «تسرولوا وائتزروا وخالفوا أهل الكتاب!» قلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يَتَخَفَّفُونَ ولا ينتعلون!(30) فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «فتخففوا وانتعلوا وخالفوا أهل الكتاب!» فقلنا: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عَثَانِينَهُمْ (يعني: لحاهم) ويُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ (يعني: شواربهم)! قال: فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «قصوا سبالكم ووفروا عثانينكم! وخالفوا أهل الكتاب!»(31).

وبهذا القصد نهى الرجال عن إسبال الثوب، وإرخائه إلى ما تحت الكعبين من الأقدام؛ لما كان يدل عليه من خيلاء وكبر في عادات العرب، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «ما أسفل الكعبين من الإزار ففي النار!»(32). وقال -صلى الله عليه وسلم- مبيناً علة ذلك: «مَنْ جَرَّ ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة»(33). ولنكتف بهذه الإشارات فيما يتعلق بسيمياء اللباس لدى الرجل؛ حتى لا نخرج عن غرض هذا المبحث المتعلق بسيمياء المرأة على الخصوص. وإنما القصد أن نبين أن اللباس عموماً في الإسلام، سواء منه ما تعلق بالرجال، أو ما تعلق بالنساء، له دلالة سيميائية ترجع في رمزيتها إلى مقاصد دينية تعبدية، تضرب حقيقتها في عمق التصنيف الاعتقادي، وتتشكل صورتها في صلب الانتماء الحضاري، والتميز الثقافي.

◄ العري كبيرة من الكبائر:

فمن هنا إذن؛ كان الوعيد النبوي شديداً بالنسبة للمتعريات من المسلمات، ففي هذا الإطار السيميائي، والسياق الحضاري؛ جاءت الأوامر القرآنية والنبوية بالتزام صورة معينة للباس لدى النساء. وأنكر الرسول -صلى الله عليه وسلم- إنكاراً رهيباً تعري المرأة. والعجيب أن ذلك الإنكار تعلق بصورة (كاريكاتورية) للباس المرأة؛ لم تكن قد ظهرت في زمانه -صلى الله عليه وسلم-، ولا عرفتها العرب. وإنما حدَّث عنها ـ عليه الصلاة والسلام ـ مطلاً على المستقبل من مشكاة النبوة، ومستبصراً للغيب، مما علمه الله. أي أنه كان يقرأ زماننا ويبصر عري نسائنا من قمة زمانه -صلى الله عليه وسلم-! فأنكر ذلك المستقبل الماضي في علـم الله، وحـذر من مجاراته والافتتان به؛ لِمَا عَلِم ـ عليه الصلاة والسلام ـ من انتسابه الشيطاني، وتمرده على رب الكون! فرتب عليه وعيداً شديداً من عذاب الله! وتلك صفة كبائر الذنوب عموماً في الإسلام، والسياق قاطع بأن هذه منها! وقد اشتهر في ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم- في الحديث الصحيح: «صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النّارِ لَمْ أَرَهُمَا. قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النّاسَ. وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ، مُمِيلاَتٌ مَائِلاتٌ، رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ، لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَإنّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا»(34).

فهذا الحديث من دلائل نبوته -صلى الله عليه وسلم-، فقد وصف فيه ما لم يره بعين البصر، وإنما رآه بعين النبوة، مما سيكون في آخر الزمان وهو زماننا هذا. فكان وصفه العجيب كأدق ما يكون الوصف؛ لما عليه حال النساء اليوم، مما لم يسبق له مثيل في التاريخ! فهن فعلاً كما قال -صلى الله عليه وسلم- (كاسيات عاريات)؛ بمعنى أنهن يلبسن ما به يكون العري أشد! وهو شيء غريب فعلاً. ألا ترى أن نوع اللباس الأنثوي اليوم إنما هو لزيادة بيان تفاصيل العورة، ومواطن الفتنة من الجسم: خِرَقٌ رقيقة أو ناعمة تكشف وتشف، أو ترسم هيأة البدن على التمام والكمال، وتعري بعضه أو أغلبه تعرية تامة. فإذا المرأة في الشارع تسير عارية تماماً! إنها لو خرجت بلا ثوب مطلقاً لما فتنت كما تفتن الآن بقليل اللباس؛ مما يكون به عرض مواطن الفتنة في الجسم على أبين وجه، وعلى أدق توصيف! فأي شيطان هذا الذي يملي هندسة الشر على منتجي الموضة في العالم؟ ذلك هو قول النبي -صلى الله عليه وسلم- (كاسيات عاريات!).

ثم إنهن بعد ذلك (مائلات مميلات)، ومعناه أنهن مائلات عن الصراط المستقيم أولاً، ثم هن مائلات في مشيتهن بالطرقات، يَسِرْنَ بنوع من الانحناء إلى شمال تارة، وإلى يمين تارة أخرى؛ إمعاناً في عرض أجسامهن العارية بأوضاع مختلفة، في المعرض المفتوح لأجساد النساء! ماذا بقي بعدُ من الكرامة لهؤلاء؟

وأما كونهن (مميلات) فهو أنهن يملن أعطافهن وأردافهن ـ إذا مشين ـ بتكسر ماجن، وتعهر فاضح. و (الإمالة) أيضاً هي أثر ذلك كله على قلوب الشباب خاصة، وقلوب الرجال عامة، من التأثير الشيطاني والغواية الإبليسية التي تميلهم عن الصراط المستقيم، وتخرجهم عن سبيل الهدى إلى سبل الضلال، وتخرجهم من النور الظلمات، أو من الظل إلى الحرور!

ثم هنّ كما قال -صلى الله عليه وسلم-: «رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ»، ومعناه أن طريقة قص شعرهن، وشكل حلاقته؛ تجعل رؤوسهن أشبه ما تكون بأسنمة البُخْت المائلة. والبُخْت: جمع بُخْتِية، وهي الناقة. لكنها نوع خاص من الإبل، مُنَسَّلَةٌ من الجِمال العجمية. والأسْنِمَةُ: جمع سنام، وهو ذروة الناقة. وكثيراً ما تكون ذروة الناقة، أو الجمل؛ فعلاً مائلة إلى جانب معين، ثائرة الوبر، متناثرة الشعر، بشكل وحشي، أو قل (فوضوي) بالمعنى الفني المعاصر للكلمة! أليس النساء هنّ كذلك فعلاً؟ بلى والله! وبالضبط كما وصفهن النبيُّ! فَعُدَّ أنواع القَصَّات في حلاقة الموضة الجهنمية اليوم! لترى مدى صدق الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الوصف الاستبصاري النبوي! عُدَّ إذن: القَصَّةَ المربَّعة! وقَصَّةَ الفرس! وقَصَّةَ الفتى! (للبنات طبعاً!) والقَصَّةَ الإيطالية! والقَصَّةَ الوحشية...! إلى آخر ما في جعبة إبليس من تحليقات شيطانية! ذلك هو والله! وصف الرسول -صلى الله عليه وسلم- لهنّ: (رُؤُوسُهُنّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ)! وصدق نبي الله -صلى الله عليه وسلم-.

فإذا أضفت إلى هذا ما أخبر به ـ عليه الصلاة والسلام ـ في بداية هذا الحديث، وهو الصنف الأول من أهل النار، أي: (قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النّاسَ!) رأيت ما يسمى في العصر الحديث بـ (قوات مكافحة الشغب)، ورأيت (جلادي السجون)، وشرطة الاختطافات والاستنطاقات القسرية، ورأيت كيف يحملون معهم هراواتهم وسياطهم، وسائر أدوات التعذيب الميكانيكية والكهربائية؛ لتحطيم جماجم المستضعفين، وتهشيم عظام المظلومين في كثير من بلاد العالمين! مما لم يدر بخلد شياطين العهد النبوي! إذا أضفت ذلك إلى ذلك؛ علمت دقة التصوير النبوي لمدى خطورة الانحراف الذي عليه المرأة المسلمة اليوم!

فاقرئي الحديث ـ بُنَيَّتي ـ مرة أخرى، وتدبري! أليس كان ـ عليه الصلاة والسلام ـ ينظر إلى زماننا هذا بالضبط، وبدقة متناهية؟ أليس كان ينظر من مشكاة النبوة إلى غيب يبعد عنه -صلى الله عليه وسلم- بأزيد من أربعة عشر قرناً من الزمان؟ بلى والله! وقطعاً ستصدق نذارته كما صدقت نبوته. وإنما نذارته هنا هي قوله عن الفريقين: إنهم جميعاً: (صنفان من أهل النار)، وأن النساء الكاسيات العاريات: (لاَ يَدْخُلْنَ الْجَنّةَ، وَلاَ يَجِدْنَ رِيحَهَا. وَإنّ رِيحَهَا لَيُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا)! أي أنه كان يصف البعد الرهيب الذي يفصل بين هؤلاء النسوة وبين ريح الجنة؛ لِمَا هن هاويات فيه من دركات الجحيم الضاربة في أعماقها والعياذ بالله!

ولقد روي هذا المعنى بنبوءات أخرى عجيبة، في أحاديث صحيحة، تتحدث عن موديلات السيارات الفاخرة التي تركبها النساء العاريات! فأبصَرَ منها النبي -صلى الله عليه وسلم- لقطة فيها من التناقض السلوكي، والانفصام النفسي والاجتماعي؛ ما نراه اليوم عياناً! وهو ذهاب هؤلاء الكاسيات العاريات مع أزواجهن إلى المساجد للصلاة أحياناً! زعموا! وهو ما يقع خاصة يوم الجمعة، وأحياناً لا يذهبن للصلاة، وإنما يتبعن موكب العرسان، على عادة بعضهم في إدخال العريس إلى المسجد، في جوقة من الزغاريد والغناء، والعري الفاضح الماجن. وهذا أمر نشاهده اليوم في مصيف الأعراس، في بعض المساجد المغربية! وهو من أقبح البدع وأسوئها! اقرأ هذا الحديث النبوي العجيب، وانظر إلى تلك السيارات الموصوفة منذ أزيد من أربعة عشر قرناً من الزمان! قال -صلى الله عليه وسلم-: «سيكون في آخر أمتي رجال يركبون على سروج كأشباه الرحال، ينزلون على أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف! العنوهن فإنهنّ ملعونات! لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمن نساؤكم نساءهم! كما خدمتكم نساء الأمم من قبلكم»(35).

وروي بلفظ آخر هو قوله -صلى الله عليه وسلم-: «يكون في آخر هذه الأمة رجال يركبون على المَياثِرِ(36)؛ حتى يأتوا أبواب المساجد، نساؤهم كاسيات عاريات، على رؤوسهن كأسنمة البخت العجاف، العنوهن فإنهن ملعونات! لو كانت وراءكم أمة من الأمم لخدمتهم كما خدمكم نساء الأمم قبلكم!»(37).

فتدبر هذا الخطاب الرهيب، والوعيد الشديد في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (العنوهنّ فإنهنّ ملعونات!) ما كان ليكون ذلك كذلك؛ لو لم يكن التعري خطيئة من أبشع الخطايا، وأخسها! ولو لم يكن مسخاً للفطرة الإنسانية، وتغييراً لخلق الله في السلوك النفسي والاجتماعي! إنه سيمياء الشيطان!

فالسِّتْرَ السِّــتْرَ بُنَيَّتي! فإنه ســـيماء الرحمن! قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله ـ تعالى ـ حَيِيٌ سِتِّيرٌ، يحب الحياء والستر، فإذا اغتسل أحدكم فليستتر!»(38).

◄ خاتمة:

والخلاصة في هذه المسألة أنه يمكنك القول: إن هيأة المسلم في لباسه ومظهره ـ رجلاً كان أو امرأة ـ هي عبارة عن صلاة! بكل ما تحمله كلمة (صلاة) من معاني السير إلى الله خضوعاً وخشوعاً.

إن سيماء الصورة في الإسلام لغة كاملة؛ لغة من لغات الصلاة المودعة في أسرار هذا الملكوت! إنها تعبير عن منطق الطير، وصحف إبراهيم، وألواح موسى، ومزامير داود وإنجيل عيسى، وآيات هذا الكتاب العظيم الذي أنزل على محمد عليه الصلاة والسلام، وعلى سائر الأنبياء والمرسلين. ذلك الدين الواحد، ضل عنه المحرفون الذين بدلوا، وغيروا خلق الله، ونبذوا ستر الله، وانحازوا لعري إبليس! فهدى الله المسلمين إلى جمال الستر. ولكن أكثرهــم اليوم ـ مع الأسف ـ لا يعقلون!


--------------------------------------------------------------------------------

(*) رئيس قسم الدراسات الإسلامية، بجامعة السلطان المولى إسماعيل، المغرب.

(1) انظر: مختار الصحاح، ولسان العرب، والقاموس المحيط، مادة: (سوم).

(2) وعلى هذا الوزان يفهم قول النبي -صلى الله عليه وسلم- للنساء: «ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن» متفق عليه. فليس المراد قطعاً الاستهانة بجنس الأنثى كلا! فحاشا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يصدر منه شيء من ذلك، والأنثى خلق الله السوي، وصنعه المتقن. وإنما المقصود هو النقص التكاملي، كما بيناه أعلاه، وهو هنا في خصوص هذا الحديث نقص يقابله فيض عاطفي نبيل نقص فيه الرجل، وكذا تفرغ بيولوجي لحمل سر الخلق الإلهي العظيم، وضمان استمرار الحياة! فكانت لها بذلك إجازات في الحيض وفي النفاس؛ لتأدية ذلك الدور الأمومي الذي فاقت به زوجها أضعافاً ثلاثة! كما هو واضح في حق الآباء على الأبناء. فتأمل!

(3) رواه أحمد والنسائي والحاكم عن ابن عمرو. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 3071، في صحيح الجامع.

(4) رواه الطبراني عن عمار بن ياسر. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 3062، في صحيح الجامع الصغير.

(5) رواه أبو داود، وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 5096 في صحيح الجامع.

(6) رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عن ابن عباس. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 5100، في صحيح الجامع.

(7) رواه أبو داود والحاكم عن أبي هريرة. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 5095، في صحيح الجامع.

(8) رواه أحمد والترمذي وابن ماجه عن أنس. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 5565، في صحيح الجامع.

(9) رواه الحاكم والبيهقي عن ابن عمر. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 3061، في صحيح الجامع.

(10) رواه الترمذي والحاكم والبيهقي في شعبه عن أبي هريرة، كما رواه ابن ماجه والحاكم والبيهقي عن أبي بكرة. ورواه الطبراني والبيهقي في الشعب عن عمران بن حصين. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 9913، في صحيح الجامع.

(11) رواه أحمد والترمذي والحاكم والبيهقي عن ابن مسعود. وحسنه الألباني. انظر: حديث رقم: 935، في صحيح الجامع.

(12) رواه أبو داود والترمذي عن عائشة. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 2965، في صحيح الجامع.

(13) رواه أحمد والطبراني والحاكم والبيهقي عن أم سلمة. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 8072، في صحيح الجامع.

(14) رواه أبو داود عن ابن مسعود، ورواه الحاكم عن أم سلمة. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 3383، في صحيح الجامع.

(15) رواه البيهقي في سننه عن عائشة. وحسنه الألباني. انظر: حديث رقم: 9305، في صحيح الجامع.

(16) رواه أحمد والطبراني. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: «ورجال أحمد رجال الصحيح غير عبد الله بن سويد الأنصاري، ووثقه ابن حبان». ولذلك قال ابن حجر في فتح الباري: «وإسناد أحمد حسن».

(17) رواه أحمد، وأبو داود والترمذي والحاكم عن عبد الرحمن بن عوف، كما رواه الحاكم عن أبي هريرة. وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 4134، في صحيح الجامع.

(18) رواه البخاري.

(19) رواه مسلم.

(20) مقال د. عبد الوهاب المسيري: «ما بين حركة تحرير المرأة، وحركة التمركز حول الأنثى: رؤية معرفية»، منشور بمجلة المنعطف المغربية، ص 39، عدد مزدوج: 51 ـ 61- 1241هـ ـ 0002م. (21) متفق عليه.

(22) تفسير ابن كثير: في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {إذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إلَيَّ} [آل عمران: 55].

(23) الحجاب: 51، وانظر تفاصيل هذه الفلسفة فيما بعدها من صفحات!

(24) انظر: ذلك مفصلاً في كتابنا: الفجور السياسي والحركة الإسلامية بالمغرب.

(25) يقول الدكتور أحمد الأبيض التونسي: (إن الدعوة للتمسك بالزي الإسلامي ليست دعوة شكلانية ظاهرية؛ لإيماننا أن اللباس ليس غلافاً خارجياً للجسد، بل هو كساء للجسد بمجموع القيم والمبادئ التي تحملها ثقافة معينة، ومن خلالها تقرأ الجسد وتُرَمِّزُه)، فلسفة الزي الإسلامي: 8 ـ 9.

(26) الجامع لأحكام القرآن: 11/352.

(27) مختصر تفسير ابن كثير، للصابوني: 3/ 861. طبعة دار الفكر بيروت.

(28) والقَبَاطِي، بفتح القاف، وكسر الطاء، كما هو عند ابن الأثير: جمع قِبْطِيَّة، وهي: ثوب من ثياب مصر القبطية رقيقة بيضاء، كأنها منسوبة إلى القبط. انظر كتاب النهاية في غريب الحديث والأثر: (حرف الجيم باب الجيم واللام). وشاهده ما رواه أسامة بن زيد قال: «كساني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قبطية كثيفة مما أهداها له [هرقل] فكسوتها امرأتي، فقال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما لك لم تلبس القبطية؟ قلت: يا رسول الله، كسوتها امرأتي. فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: مُرْهَا فلتجعل تحتها غلالة؛ فإني أخاف أن تصف حجم عظامها!)، رواه أحمد والطبراني. قال الهيثمي: (وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل وحديثه حسن وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات) مجمع الزوائد: 5/ 731. وفي سنن أبي داود عن دِحْيَةَ بن خليفة الكلبي أنه قال: «أُتِيَ رسول اللّه -صلى الله عليه وسلم- بقباطيَّ فأعطاني منها قبطية فقال: اصدعها صدعين (يريد شقها نصفين)، فاقطع أحدهما قميصاً، وأعط الآخر امرأتك تختمر به. فلما أدبر قال: وأمر امرأتك أن تجعل تحته ثوباً لا يصفها»، رواه أبو داود.

وعن عروة بن المغيرة بن شعبة عن أبيه «أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لبس جبة رومية ضيقة الكُمَّين» رواه أحمد والترمذي وقال: حديث حسن صحيح. كما رواه بصيغ أخرى الإمام النسائي والبيهقي والطبراني. وروى ابن ماجه عن عبادة بن الصامت قال: «خرج علينا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات يوم وعليه جبة رومية من صوف، ضيقة الكمين، فصلى بنا فيها، ليس عليه شيء غيرها!» وقال ابن حزم: «والصلاة جائزة في ثوب الكافر والفاسق ما لم يوقن فيها شيئاً يجب اجتنابه؛ لقول الله تعالى: {خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا} [البقرة: 29]. وقد صح أن رسول الله صلى في جبة رومية. ونحن على يقين من طهارة القطن، والكتان، والصوف، والشعر، والوبر، والجلود، والحرير للنساء، وإباحة كل ذلك. فمن ادعى نجاسة أو تحريماً لم يصدق إلا بدليل من نص قرآن، أو سنة صحيحة! قال ـ تعالى ـ: {وَقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 119]، وقال ـ تعالى ـ: {إنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْـحَقِّ شَيْئًا} [يونس: 36]» المحلى: 4/ 57.

(29) متفق عليه.

(30) تَخَفَّفَ: لبس الخُفَّ، وهو: جلد يلبس للقدمين كالجوارب.

(31) رواه أحمد والطبراني وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: ورجال أحمد رجال الصحيح، خلا القاسم، وهو ثقة وفيه كلام لا يضر.

(32) رواه البخاري.

(33) متفق عليه.

(34) رواه مسلم.

(35) رواه أحمد وابن حبان والطبراني في الثلاث. قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 5/137: (رجال أحمد رجال الصحيح. وعبارة الطبراني قال: «سيكون في أمتي رجال يُركبون نساءَهم على سروج كأشباه الرحال&#187.

(36) المَيَاثِر: جمع مَيْثَرَة، وهي الأريكة الفخمة. والمقصود هنا أريكة السيارة.

(37) رواه الطبراني والحاكم، وقال: هذا حديث صحيح على شرطهما ولم يخرجاه.

(38) رواه أحمد وأبو داود والنسائي، وصححه الألباني. انظر: حديث رقم: 1756 في صحيح الجامع
* بدور* غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-25-2013, 06:41 PM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3638
 
الصورة الرمزية * بدور*
* بدور*
(ربــ اسـألگ رضآكـ ******1737;آلجنه******9829;)
الانتساب: 6 - 12 - 2009
الإقامة: غزة
المشاركات: 9,214
معدل تقييم المستوى: 17
* بدور* is a jewel in the rough
مستقبل التربية على القيم في ظل التحولات العالمية المعاصرة


د. خالد الصمدي


عرف الفكر المعاصر تدافعاً بين التيارات الداعية إلى علمنة المجتمع، وفصل الدين عن الدولة؛ بتسويغ الحداثة والانخراط في العالمية الاقتصادية والثقافية، بعيداً عن القيود الدينية، وبين التيارات الداعية إلى التمسك بأصول الهوية الإسلامية، والانفتاح الموزون على التجارب العالمية الإيجابية، والتي تستوعبها مقاصد الشريعة الإسلامية، بما تكفله من رقي حضاري بمختلف أشكاله؛ اعتماداً على مبدأ الاستخلاف.

وقد وجدت هذه الدعوات تجلياتها وآثارها في المجتمع المسلم، في مجالات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، رصدتها كتابات ودراسات وتحليلات، ركَّزت على تتبع مختلف مداخل التأثير في الهوية الحضارية للشعوب الإسلامية، فأجمعت على خطورة مدخل التربية والتعليم في هذا التدافع، بين مختلف المداخل القيمية المؤطرة لتصورات الأجيال، والموجهة لقناعتهم وأفكارهم على المدى المتوسط والبعيد. ويكفي أن تقرأ فصولاً من كتاب (واقع العالم الإسلامي بين تغريب التعليم وكشف تخريب المتآمرين) لسعيد عبد الحكيم زيد؛ لتقف على معطيات تاريخية وشهادات ووثائق مهمة، تثبت خطورة تركيز المخططين للسيطرة على العالم الإسلامي على ملف التربية والتعليم، بدأ بما سمي بإصلاح معاهد التعليم التقليدية كالأزهر والقرويين، وتغيير مناهج التعليم بفصل العلوم الشرعية عن العلوم التجريبية، وإنشاء معاهد التعليم الغربية، ونشر البعثات الأجنبية، ودعم المراكز الثقافية الغربية أو المتغربة.

وقد قدم الدكتور سفر بن عبد الرحمن الحوالي دراسة قيّمة، رصد فيها نشأة العلمانية وتطورها وآثارها في الحياة الإسلامية المعاصرة، وخصص الفصل الثاني من الكتاب لمظاهر العلمانية في الحياة الإسلامية، ومنها مجال التربية والثقافة، مستعرضاً اللحظات التاريخية ومخططات الاستعمار الفرنسي والإنجليزي. بدأ بمرحلة ما بعد الحروب الصليبية، مبرزاً وسائل وطرق تغيير برامج ومناهج التعليم، وطرق ووسائل التدريس بين التعليم الأصيل والتعليم العصري، المستحدث في مصر وسوريا والمغرب؛ بدعم من الدول المستعمرة. والنتيجة يقول مؤلف الكتاب: «نشأة جيل مقطوع الصلة بدينه، مفتون بالغرب وتياراته الثقافية المختلفة التي تتفق في شيء واحد، هو تحللها من الالتزام بالدين»(1).

كان ذلك نتيجة طبيعية للفصل بين العلم والأخلاق، ستجد آثارها السلبية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية على المستوى العلمي، كما نرى ونشاهد في عصرنا الحاضر.

وقد بيَّن الدكتور طه عبد الرحمن في كتابه (سؤال الأخلاق) وضعية الانفصال بين العلم والأخلاق، منتقداً موقف العقلانية من القيم الخلقية، حيث يقول: «تزيد معارضة هذه العقلانية للاعتبار الديني درجة على معارضة أختها التنظيمية له، ذلك أنها لا تقتصر على إسقاط القيم الأخلاقية، وإنما تتعداه إلى إسقاط الأصول الأخلاقية الدينية، ومعلوم أن الأصول الأخلاقية هي جملة المعايير والقيم الرئيسة التي تتولد منها باقي المعايير والقيم السلوكية تَوَلُّد الفرع من الأصل، فلما كانت العقلانية الانتظامية تسعى إلى إنشاء بنية أخلاقية جديدة للإنسان، فقد لزم أن تقوم الأصول الاصطناعية الأولى التي تضعها لهذه البنية الأخلاقية الجديدة، مقام الأصول المعنوية الروحية المبثوثة بالخلقة في الإنسان؛ أي أن تقوم مقام ما يسميه الدين بمعاني الفطرة الإنسانية، وعلى هذا فإن عقلانية الانتظام تطلب في نهاية المطاف تغيير هذه الفطرة التي خُلق عليها الإنسان»(2).

وقد أحس العالم اليوم، سواء الإسلامي أو الغربي، بخطورة هذا الانفصال بين التعليم والقيم، وأخذت كثير من الأقلام التربوية تدعو إلى إعادة الصلة بينهما لما لذلك من تأثير في إعادة بناء الإنسان، فالغرب هو الذي دعا في نهاية القرن 19 إلى ضرورة الفصل بين التعليم والدين، بل وصدر مرسوم بذلك في 23 فبراير 3291م، وبصدوره اختفت من البرامج الرسمية كل الواجبات تجاه الإله، وظلت المدرسة مستقلة عن كل تعليم ديني(3).

غير أنه لم يكد القرن العشرون ينتصف حتى كان هذا الفصل قد أحدث انعكاسات تربوية سلبية على الواقع التربوي والأخلاقي عند التلاميذ والطلبة في المجتمع الغربي، الشيء الذي دفع «فيلبس كوبس» في كتابه (الأزمة التربوية العالمية) للقول: «إن الاضطراب الثقافي الذي نجم عن الثورات العلمية والتقنية الأخيرة جعل من التربية الأخلاقية موضوع اهتمام ودراسة، ففي القرن التاسع عشر كانت هذه التربية تشكّل قاعدة البرامج التعليمية في سائر بلاد أوروبا وأمريكا الشمالية، ثم إن الطابع القروي كان لا يزال سائداً، كما أن الحركة العمرانية الحديثة لم تكن قد انطلقت بعد، وكانت العلاقات الأسرية متينة، والاعتقادات والمؤثرات الدينية قوية... لكنه ابتداء من العقد الرابع للقرن العشرين، أي منذ 0391م، حصل تغيير جذري في المناخ الاقتصادي والسياسي والتربوي، كان من نتائجه أن اعتبرت التربية الأخلاقية أمراً بائداً ومنطوياً على مغالطة تاريخية، وهكذا تم إهمال هذه التربية من قِبَل المدرسين والمشرفين على التعليم، وظلت على هذا النهج حتى نهاية السبعينيات، وقتئذ حصل الاضطراب الثقافي المشار إليه آنفاً محدثاً أنواعاً من الأزمات الاجتماعية التي أقلقت بال السياسيين والمشرعين والمشرفين على المدارس وأولياء الأمور.

وإذا كان هذا التوصيف لأزمة التعليم عند فصله عن القيم قد ظهر في الغرب وتحدث عنه علماء التربية؛ فإن كثيراً من الباحثين في العالم الإسلامي يحذّرون من هذا الفصل بين التعليم والقيم في التجارب التعليمية والنظم التربوية. يقول الدكتور محمود محمد سفر: «إن من الحق أن نقرر: أن التعليم نشأ في أقطار العالم الإسلامي نشأة كان التعليم الديني فيها هو نقطة الارتكاز؛ إذ كانت له حلقات ومدارس اتخذت من المسجد منطلقاً ومقراً، وقد تطور التعليم الديني من حيث مناهجه في شتى أقطار العالم الإسلامي فعلاً مرة وسمق، وهبط أخرى وتأخر، ولكنه استمر ـ على كل حال ـ يشكّل الحياة العامة للمسلمين، حتى دقت نواقيس الحضارة الأوروبية وجلبت معها بخيلها ورجلها العلم الأوروبي، وانبهر المسلمون بما حققه هذا العلم الأوروبي... ومن هنا بدأ صراع صامت بين أسلوب التعليم القديم وبين الأساليب الحديثة، واستقر الرأي في كثير من ديار الإسلام أن تترك معاهد التعليم الديني على مناهجها، ونتجاوزها بتقديم العلم الحديث بأساليبه ومناهجه في معاهد جديدة... إن ازدواجية التعليم في العالم العربي والإسلامي مشكلة يجب إعادة النظر فيها؛ من أجل نظام تعليمي موحد ينبثق عن أحسن ما في القديم وأفضل ما في الحديث»(4).

وبهذا تلتقي النداءات التربوية بضرورة عودة المؤسسة التعليمية إلى ممارسة دورها في التعليم إلى جانب ترسيخ القيم الحضارية للمجتمع؛ لأن كل البلدان ترى في المدرسة مؤسسة اجتماعية تعمل على صياغة المجتمع، وذلك بالحفاظ على ثقافته وقيمه، كما تعمل في الوقت نفسه من أجل تجديده، وذلك عن طريق استيعاب ما وصلت إليه الحضارة الإنسانية من رقي وتقدم في مجالات مختلفة، مثل العلوم والتكنولوجيا ووسائل الاتصال(5).

وهكذا يظهر الارتباط الوثيق بين التربية والمجتمع؛ في كون التربية الأداة الثقافية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية التي توظفها المجتمعات والجماعات البشرية للمحافظة على استمرارها، وإعادة إنتاجها الاجتماعي والثقافي من جهة، ولتجديد مقوماتها وتطويرها الذاتي من جهة ثانية(6).

وهكذا تعبر مختلف النداءات والدعوات بمصطلحات مختلفة (التعليم والقيم، التربية القديمة والتربية الحديثة، التربية والمجتمع) عن ضرورة إعادة تشكيل هذه العلاقة في نسيج موحد المقاصد والأهداف حتى تحقق النظم التعليمية رسالتها(7).

إننا في حاجة إلى إعادة النظر في مناهج التربية والتعليم، لإعادة التعليم إلى حضن التربية كجزء منها، وكوسيلة لتحقيق عبادة الله في الأرض وخلافته فيها. فكيف صاغ الإسلام نظريته التربوية المستجيبة للفطرة، الثابتة في الأصول والمقاصد، المستوعبة للمتغيرات في الطرق والوسائل؟ ذلك ما سنحاول عقد مقاربة له من خلال المحاور الآتية:

- سؤال القيم في مناهج التعليم وتأثيرات العولمة.

- نظام التعليم مدخل التربية على القيم.

- نحو رؤية تأصيلية للقيم الإسلامية وطرق إدماجها في مناهج التربية.

■ سؤال القيم في مناهج التعليم وتأثيرات العولمة:

في خضم التحولات التي يعرفها العالم المعاصر؛ أصبح سؤال الهوية يطرح نفسه بحدة، وأصبح الحديث عن الخصوصيات الثقافية زمن العولمة مثار جدل واسع في أوساط المهتمين بالمسار الحضاري لكل بلد وقطر وإقليم. ويمكننا القول إن محاولات التنميط الثقافي والاجتماعي بعد النجاح القهري في عولمة الاقتصاد؛ يمر بالضرورة عبر إعادة خلخلة منظومة القيم التي تحفظ لكل بلد خصوصياته، وهكذا أصبحت النظرة إلى قضايا السكان والتنمية وحقوق الإنسان تأخذ بعدها الدولي من خلال مؤتمرات الأمم المتحدة، وتجد الأصوات المنادية بالخصوصية الحضارية للشعوب ترفع أصوات الاحتجاج والاعتراض والتحفظ على كل ما يمس أسسها العقائدية والفكرية وما لا ينسجم وواقعها، وتحاول أن تستصدر من هذه المؤتمرات توصية تمكنها من تكييف التوصيات الدولية مع خصوصياتها.

إلا أن الأمر بالنسبة للقيم الإسلامية يتجاوز الحديث عن الخصوصيات الإقليمية، لكونها قيماً عالمية وكونية على الأقل من الناحية النظرية، وهذا هو الذي يدفعنا في اتجاه الانتقال من الدعوة إلى مراعاة الخصوصيات إلى الدعوة إلى حوار الحضارات لبناء حد أدنى من القيم الإنسانية المشتركة.

وحين ننظر إلى الواقع نجد أن الدعوة إلى ضرورة الاعتراف بالخصوصيات الحضارية للشعوب التي لا تحمل خصوصيات عالمية، أو الحديث عن حوار الحضارات، تصطدم بالاتجاه العالمي الأحادي النظرة، المسنود بالقوة الاقتصادية وتكنولوجيا الإعلام والاتصال، والذي يدعو الجميع إلى الانخراط في سياق العولمة بقيمها ومبادئها، فانتقل العالم من حوار الحضارات إلى صراع القيم وإعادة تشكيل عقل الإنسان وفق أنماط محددة.

ومن هنا أصبح الحديث عن ضرورة إعادة النظر في البرامج والمناهج التعليمية، خاصة في بعض البلدان الإسلامية التي يُدَّعى أنها ترسخ ثقافة العنف، والمطالبة بضرورة احترام المواثيق الدولية في صياغة قوانين الأسرة والتعليم والصحة وغير ذلك مما له صلة مباشرة بمنظومة القيم.

وفرق بين أن تمارس هذه البلدان نقداً ذاتياً تحاول من خلاله إعادة النظر في منظومة التربية والتعليم بالاستناد إلى منظومة القيم التي تؤمن بها، وبين أن تكون تحت ضغوط سياسية واقتصادية تدفعها إلى إعادة النظر في منظومة القيم ذاتها، وتحاول أن تقنع نفسها ومحيطها بضرورة إعادة صياغة سؤال القيم، فتقول: ما هي القيم التي ينبغي أن تحكم نظامنا التربوي؟ ومن ثَمَّ ما هي القيم التي ينبغي أن تحكم المجتمع؟

والخيار في نهاية المطاف يسير في اتجاهين:

إما خيار تعزيز منظومة القيم الإسلامية، وذلك عن طريق إعادة النظر في كيفية بناء المفهومات لدى المتعلم وأساليب ذلك وطرقه، والوسائل العلمية والمقاربات التربوية والتقنية الكفيلة بإبراز هذه القيم في صورتها الواضحة المشرقة، وبعدها الإبداعي، وعالميتها المرتكزة على الرحمة بالناس، ودورها في حل الأزمات والإشكالات التي يتخبط فيها المجتمع المعاصر.

وإما خيار الانخراط في منظومة القيم المادية التي تسوّقها العولمة بواسطة الإعلام والاقتصاد والقوة العسكرية، ومن ثَمَّ الذوبان في مسلك حضاري تتشكل معالمه بعيداً عن أساليب الإقناع والحجاج والحوار والتثاقف، واحترام الاختلاف والخصوصيات الحضارية للشعوب.

ومعلوم أن كثيراً من المفكرين المسلمين، بل وغير قليل من غير المسلمين، يدعون إلى ضرورة حماية الخصوصيات الحضارية للشعوب، ويعتبرون أن التحول في القيم تحول في الذات الحضارية بالضرورة، وأن أخطر ما يغير في الإنسان قيمه، وأن ما يهدد الكيانات الحضارية لا يكمن في الغزو العسكري ولا في الأمراض المادية الماحقة، فقد أبيدت أمم بكاملها ولكنها انبعثت من جديد؛ لأن جذوة القيم كانت لا تزال حية فيها.

وعليه؛ فإن الخيار الأول يبرز إلى الواجهة وتكون الصياغة الصائبة للسؤال أن تقول:

كيف يمكن أن تكون القيم الإسلامية قيماً للتغيير؟ عوض أن تقول: كيف يمكن تغيير القيم الإسلامية؟

■ نظام التعليم مدخل للتربية على القيم:

إذا كان الطفل منذ مراحل نموه الأولى يبني قدراته ومهاراته وقدراته وخبراته وتصوراته عن طريق التعلم من المحيط كمدرسة أولى أو من التعليم النظامي كمدرسة ثانية؛ فإن المدخل الطبيعي لتشكيل شبكة المفهومات في ذهنه، ومن ثم نوع القيم التي توجه سلوكاته ووجدانه، هو ما يُقدم له من أنماط التعلم، وما يشترك فيه من أنشطة تعليمية تعلمية مندمجة، تشكل في نهاية المطاف المنهاج التعليمي الذي ترسمه خبرات الكبار للصغار؛ انطلاقاً من الخيارات الكبرى التي تحكم مسار الأمة الحضاري.

ومن هنا تكمن خطورة نظام التعليم في أي بلد، ودوره في التربية على القيم؛ بدءاً بالفلسفة التي ينطلق منها هذا النظام، وانتهاء بآليات التنفيذ، وبينهما أسئلة كبيرة؛ من قبيل تحديد مواصفات المتعلم عند نهاية مسار التكوين، والكفايات المعرفية والتواصلية والمنهجية والتكنولوجية التي يتوقع أن يمتلكها، وهندسة نظام التكوين بمختلف مسالكه وشعبه، وموقع الوحدات الدراسية المكونة للمنهاج، ومحتويات هذه الوحدات، ومدى تناغم المفهومات والقيم بشكل أفقي فيها اعتباراً لوحدة الفئة المستهدفة، وطرق ووسائل التدريس، ومواصفات وخصوصيات المدرس ومحيط التعلم.. وغير ذلك.

ومعلوم أن إصلاح نظام التربية والتعليم في كل بلد ينبغي أن يكون مساراً متحركاً بصفة دائمة، وخاصة على مستوى المناهج التعليمية التي تعتبر البوصلة المتحكمة في باقي عناصر المنظومة التربوية، غير أن سؤال المناهج في بلدان العالم العربي والإسلامي يتوارى إلى الخلف في كثير من مشاريع إصلاح التعليم، في حين يتم التركيز على إصلاح المنظومة التقنية وترقيتها، خاصة على مستوى التجهيزات والوسائل التعليمية، وتوفير الظروف الملائمة للدراسة والتكوين الفني والتربوي للمدرسين.

إلا أن إعادة النظر في البرامج والمناهج عادت مجدداً إلى الواجهة حين طُرح سؤال الهوية والتربية على القيم بفعل تحديات خارجية، وخاصة تحت ضغط تنفيذ توصيات المؤتمرات الدولية، وخاصة المرتبطة بالسكان والتنمية وحقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها دولياً، والإعلانات العالمية المتتالية الداعية إلى حوار الحضارات، فكيف يمكن إذن التوفيق بين الخصوصيات الحضارية والالتزامات الدولية؟ وكيف يمكن من خلال ذلك تطوير المناهج التعليمية في ضوء الفلسفة التربوية الإسلامية وأهدافها مع استدماج كل وسائل العصر وتقنياته في التعليم والتعلم ونقل القيم؟

إن منظومة القيم الإسلامية قادرة على إنقاذ العالم من شراك المادية القاتلة التي كتمت أنفاس الغرب قبل الشرق، وسنستعرض خصوصيات هذه المنظومة للدلالة على قدرتها على تحقيق التغيّر الحضاري المنشود عن طريق التوفيق بين الحاجات الحقيقية المادية والروحية للبشرية، وما يتطلبه العصر من وسائل وتقنيات في التواصل تتطور باستمرار.

وقد قمنا بصياغة مشروع متكامل لتأصيل القيم الإسلامية، وبيان طرق ووسائل إدماجها في مختلف المواد الدراسية في المنهاج التعليمي باعتباره المجال الأوسع والأخطر لإعادة ترتيب منظومة القيم لدى الأجيال المكونة للمجتمعات القادمة على أسس إسلامية أصيلة توظف كل وسائل العصر وتقنياته المادية والتربوية.

نقتصر منه في هذا المقال على ما يتعلق بالتأصيل النظري للقيم الإسلامية؛ من حيث مفهومها وأصولها وخصائصها؛ لبيان قدرتها على الاستجابة للتحديات الحضارية المعاصرة.

■ نحو رؤية تأصيلية للقيم الإسلامية وطرق إدماجها في مناهج التربية:

أولاً: في مفهوم القيم الإسلامية:

في دراستنا لمادة «قوم» في كتاب «المصطلح التربوي من خلال القرآن الكريم»؛ وقفنا على استعمالات متعددة للمصطلحات المكونة من هذه المادة، كالقيّم، والقيّوم، والاستقامة، والقائم ـ وما سواها.

قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة في مادة «قوم»: «القاف والواو والميم: أصلان صحيحان، يدل أحدهما على جماعة من الناس، وربما استعير في غيرهم. والآخر على انتصاب أو عزم»(8)، وذكر الراغب في المفردات أن الاستقامة «تقال في الطريق الذي على خط مستو، والإنسان المستقيم هو الذي يلزم المنهج المستقيم»(9).

وقد ورد مصطلح الاستقامة والمستقيم في القرآن الكريم بمعنى الهداية والطريق المستقيم، قال ابن كثير في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28]: «أي من أراد الهداية»(10).

وقال في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الملك: 22]: «أي على طريق واضح بيّن، والمؤمن يكون في نفسه مستقيماً وطريقه مستقيمة»(11).

قال سيد قطب في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ} [التكوير: 28]: «أي أن طريق الهداية ميسر لمن يريد»(12).

والتقويم: «هو بيان قيمة الشيء»(13)، وقد ورد في القرآن الكريم بمعنى حسن الصــــورة، والهيئة، قال ابن كثير في تفســـير قوله ـ تعالــى ـ: {لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسَانَ فِي أَحْـــسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]: «أي أنــه ـ تعالى ـ خلق الإنسان في أحسن صورة وشكل، منتصب القامة، سوي الأعضاء، وحسنها»(14).

وقال سيد قطب في تفسير قوله ـ تعالى ـ: {فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} [التين: 4]: «أي خص الإنسان بحسن التركيب، وحسن التعديل، وحسن الخلق، وحسن التكوين»(15).

وقال ابن العربي في تفسيرها: «إن الله خلق آدم على صورته، يعني على صفاته، فإن الله خلقه حياً عالماً مريداً متكلماً... لذلك فليس لله ـ تعالى ـ خلقٌ هو أحسن من الإنسان جمال هيئة، وبديع تركيب!»(16).

والقيوم الدائم القائم بتدبير ما خلق، وقال الحسن: معناه القائم على كل نفس بما كسبت حتى يجازيها بعملها. من حيث هو عالم لا يخفى عليه شيء منها، والقيوم من أسماء الله تعالى، وهو ـ سبحانه ـ القائم بنفسه مطلقاً لا بغيره(17).

وفي قوله ـ تعالى ـ: {وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} [البينة: 5]؛ القيمة القائمة بالحق والدين المستقيم(18).

وفي سنن الدرامي من حديث عبد الله بن صالح بسنده إلى ابن غنم قال: «نزل جبريل على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فشق بطنه، ثم قال جبريل: قلب وكيع فيه أذنان سميعتان وعينان بصيرتان، محمد رسول الله المقفى الحاشر، خلقك قيم، ولسانك صادق، ونفسك مطمئنة»(19).

وروى البخاري في كتاب الدعوات من حديث ابن عباس: «كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يتهجد قال: اللهم! لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، ووعدك حق، وقولك حق، ولقاؤك حق...» الحديث(20).

ففي الحديث الأول قوله: «خلقك قيم»، وذلك بعد تصفية القلب من الدرن وما يعلق به من الآثام تهيئاً لحمل الرسالة، وكذلك عرف عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- أنه ما عبد صنماً قط قبل البعثة.

وفي الحـديث الثاني بيـان لمصـدر القيـم فـي الكـون، وهـو الله ـ تعالى ـ والإنسان مدرك لحقائق الكون منه. وإلى الله ـ تعالى ـ يرجع الأمر كله بعد حياة الابتلاء التي تنتهي بالتقويم: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْـمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْـمَوْتَ وَالْـحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 1 - 2].

والقارئ لما سبق يدرك أن مادة «قوم» التي يشكّل منها المصطلح الذي نحن بصدد دراسته تدور حول مصدر القيمة ومسلكها وامتدادها وأثرها وصفاتها، فالمصدر: هو الله القيوم، والمسلك: طريق مستقيم لا عوج فيه، والامتداد: في الحياة والكون كله، والأثر: في نفس الإنسان الذي جعله الله خليفة في الأرض، والذي ميّزه بحسن التركيب وحسن التعديل في الهيئة، وأمره بحسن التدبير والتسيير في التعامل مع المخلوقات المسخرة له عبادة وطاعة للخالق، وصفات الثبات والدوام والإطلاق وعدم التغيير التي تكتسبها القيم التي زرعها الله في الإنسان حين نفخ فيه من روحه.

وعليه؛ فإن مصطلح القيم لا ينفك عن هذا المحيط من المعارف الكاملة المتكاملة، وعلى هذا المعنى تدور تعاريف كثير من الباحثين المعاصرين في مجال القيم.

يقول الدكتور ماجد عرسان الكيلاني: «القيم محطات ومقاييس تحكم بها على الأفكار والأشخاص والأشياء والأعمال والموضوعات والمواقف الفردية والجماعية من حيث حسنها وقيمتها، أو من حيث سوئها وعدم قيمتها وكراهيتها، أو في منزلة معينة بين هذين الحدين»(21).

ويقول الدكتور أحمد مهدي عبد الحليم: «ويشير مفهوم القيمة إلى حالة عقلية ووجدانية، يمكن تعرفها في الأفراد والجماعات والمجتمعات من خلال مؤشرات، هي المعتقدات والأغراض والاتجاهات والميول والطموحات والسلوك العملي، وتدفع الحالة العقلية والوجدانية صاحبها إلى أن يصطفي بإرادة حرة واعية وبصورة متكررة نشاطاً إنسانياً ـ يتسق فيه الفكر والقول والفعل ـ يرجحه على ما عداه من أنشطة بديلة متاحة فيستغرق فيه، ويسعد به، ويحتمل فيه ومن أجله أكثر مما يحتمل في غيره دون انتظار لمنفعة ذاتية»(22).

وحين ترتبط القيم بمنظومة فكرية وعقائدية مطلقة تتمثل في الإسلام؛ فإنها تستمد قوتها ورسوخها في النفس منه، فتتنفس من هوائه وتنتشر في سمائه ولا تجد في الواقع حاجزاً يمنعها من الامتداد في ذاتها إلا ما كان من مد وجزر في طبائع العباد من حيث استعدادهم للقرب منها في حالة الصفاء أو ابتعادهم عنها حين تتراكم حواجز المادة، وتتوارى إلى رجعة نسائم الروح، فيقول الإنسان: {وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84] .

ثانياً: أصول القيم الإسلامية:

منذ أن بعث الله ـ سبحانه وتعالى ـ نبيه إبراهيم ـ عليه السلام ـ بملة الإسلام؛ كان دعاؤه المبارك لأمته أن يبعث فيها رسولاً يركز فيها قيماً ثلاثة، جمعها قوله ـ تعالى ـ: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْـحَكِيمُ } [البقرة: 129] .

وقد استجاب الله ـ تعالى ـ لنداء نبيه وخليله، فبعث محمداً -صلى الله عليه وسلم- هادياً ومربياً، وأنزل معه الكتاب والحكمة، قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(23)، ومن هذا المنبع الثّر نَهَلَ جيل الصحابة الكرام قيم الإسلام، وصنعوا بواسطتها جيلاً حمل راية الإسلام إلى العالم.

وانطلاقاً من ذلك كانت الأصول العامة للقيم الإسلامية ملخصة في ثلاث:

- القرآن الكريم.

- السنة والسيرة النبوية.

- اجتهادات علماء التربية المسلمين.

أ - القرآن الكريم:

إن النظر العام يلخص رسالة القرآن الكريم في التربية على القيم، وما الأحكام والتشريعات إلا وسائل، لا قيمة لممارستها إن لم تؤد إلى التربية الإيمانية، قال ـ جل وعلا ـ: {قَالَتِ الأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَـمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ * إنَّمَا الْـمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات: 14 - 15].

ويمكننا أن نركز الكلام في حديثنا عن بنية القيم الإسلامية في القرآن الكريم في نقاط أربع:

1 - تحديد القيم الكبرى التي تخلق التوازن في تعامل الإنسان مع خالقه والناس والمحيط: ويمكننا أن نحدد هذه القيم الكبرى بحسب علاقات الإنسان الثلاث في: قيمة التوحيد، وقيمة الحكمة، وقيمة التسخير.

فقيمة التوحيد قيمة كبيرة تتفرع عنها قيم العبودية كلها بجزئياتها وتفاصيلها، كقيمة التقوى، وطاعة الأوامر واجتناب النواهي، والقربى بالنوافل، والتحرر من عبودية المخلوقات، وغيرها مما سنعرفه بتفصيل في مجالات القيم الإسلامية.

وقيمة الحكمة قيمة كبيرة تحكم تعامل الإنسان مع أخيه، تتفرع عنها قيم التعاون، والتآزر، والتآخي، والإيثار، والتكافل، ولين الكلام والتواضع، وما في حكم ذلك من قيم تنظيم العلاقات العامة بين الناس.

وقيمة التسخير قيمة كبيرة كذلك، تتفرع عنها قيم تعامل الإنسان مع بيئته ومحيطه من الأمم الأخرى غير الإنسان: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم} [الأنعام: 38] .

2 - تكريم الرسل وورثتهم من العلماء الحاملين لهذه القيم والناشرين لها والمضحين من أجلها: قال ـ تعالى ـ: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ} [البقرة: 253]، وقال: {إنَّا أَوْحَيْنَا إلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ} [النساء: 163]، وقال ـ تعالـى ـ: {قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إلَى إبْرَاهِيمَ وَإسْمَاعِيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} [البقرة: 136]، فرسالة القيم رسالة واحدة، والمرسلون بها بلغوها إلى كل الأقوام، قال ـ تعالى ـ: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ} [يونس: 47].

وللأنبياء ورثة كرّمهـم اللـه بكــرم القيــم التي يحملونها، قال ـ تعالى ـ: {يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ} [المجادلة: 11]، وربط الله ـ تعالى ـ بين العلم والقيم منذ الوهلة الأولى للقراءة: {اقْرأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ} [العلق: 1 - 5]، والقارئ للقرآن يدرك حقيقة بالغة الأهمية، وهي أن الغاية الكبرى للعلم معرفة الخالق وخشيته، قال ـ تعالى ـ: {إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28]، فإذا تجرد العلم عن القيم لم ينفع صاحبه، وهذا هو الفرق بين إبليس الذي وضعه علمه ونزل به إلى أسفل سافلين، وآدم الذي كرّمه الله بتوبته فعلّمه الأسماء كلها، وأناط به الخلافة، وعمّر به الأرض.

3 - بناء أساليب الحكمة وفصل الخطاب: إن الرسالة والرسول قطبان في عملية تبليغ القيم، ولكن وسيلة التبليغ وطريقته موهبة ربانية؛ فكم من عالم ليس بحكيم! وكم من حكيم أجاد التبليغ بعلم قليل! لذلك طلب موسى من ربه أن يؤازره بأخيه هارون؛ لأنه أفصح منه لساناً، وفهّم الله ـ سبحانه ـ سليمان القضاء دون داود، وكرم محمداً -صلى الله عليه وسلم- بأن آتاه الله الكتاب والحكمة، قال ـ تعالى ـ: {يُؤْتِي الْـحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْـحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [البقرة: 269]، ومعلوم في النظر القرآني أن لا خير في علم لا تشفعه حكمة وتزكية؛ إذ هي قيم متلازمة، {وَيُعَلِّـمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْـحَكِيمُ} [البقرة: 129]، والحكمة حسن تلقي العلم وتبليغه، قال ـ تعالى ـ: {وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159]، والآية مليئة بالقيم الإيجابية ونقيضها الذي يحصل حين تغيب الحكمة، وقال ـ تعالى ـ: {وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا} [النساء: 5]، وقال: {وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ} [العنكبوت: 46].

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- مثالاً في الحكمة. وقد وهبه الله ما وهب داود من قبله حين قال ـ تعالى ـ: {وَآتَيْنَاهُ الْـحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْـخِطَابِ} [ص: 20]، كما سنرى من خلال أمثلة من سيرته العطرة. ولذلك كان -صلى الله عليه وسلم- يوجه خطابه إلى الأمة وهو يرسم لهم ميزان الاعتدال في تعليم وترسيخ القيم الإسلامية في النفوس؛ قائلاً: «يسروا ولا تعسروا، وبشّروا ولا تنفروا»(24)، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ـ كما يقول الصحابة ـ يتخوَّلهم بالموعظة كراهية السآمة(25)، وتلك كانت الأسس الأولى لصياغة النظرية التربوية الإسلامية؛ انطلاقاً من توجهات القرآن الكريم.

4 - تحديد معايير التقويم لمعرفة مدى تحقق القيم الإسلامية في النفس وتمثلها في المجتمع: وتفسير ذلك أن الله ـ تعالى ـ جعل التقويم الغاية من خلق الخليقة حين قال: {تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْـمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْـمَوْتَ وَالْـحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً} [الملك: 1 - 2]، وألفاظ الحساب والعقاب والجزاء والمصير كثيرة في القرآن، تنبه الإنسان إلى ضرورة التقويم الذاتي، {فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَــــا * قَدْ أَفْلَـــحَ مَـــن زَكَّاهَــا} [الشــمس: 8 - 9]، وقـد حـدد القرآن في بداية سورة المؤمنون بعض قضايا الإنسان والمجتمع، ووضع أمام كل قضية معيار التقويم فيها حتى يعرض الإنسان سلوكاته وتصرفاته عليها فينظر هل حفظ أم ضيع، قال ـ تعالى ـ: {قَدْ أَفْلَحَ الْـمُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ * إلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ * فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ لأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ * وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ * الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} [المؤمنون: 1 - 11].

ب - السنّة والسيرة النبوية: لئن وضع القرآن الكريم الجانب النظري في صياغة القيم ونشرها وترسيخها؛ فإن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بسنته وسيرته وضع الإجراءات التطبيقية لذلك في واقع المسلمين، وذلك على النحو الآتي:

- السلوك والقدرة:

قال ـ تعالى ـ: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّـمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يزاوج بين النظر والتطبيق في تعليم القيم الإسلامية؛ بحيث يصلي بالناس ثم يقول لهم: «صلوا كما رأيتموني أصلي»(26)، ويحج بهم ثم يقول: «لتأخذوا مناسككم»(27)، وينحر ويحلق في صلح الحديبية فيفعل الناس بعد امتناع.

وحاجتنا اليوم إلى نماذج في السلوك يحتذي بها المتعلم، ومواصفات تتوفر في المربي المسلم يحتذي الناشئة بها، فالفصل بين التربية والتعليم كارثة الأنظمة التعليمية في المدرسة المعاصرة.

- بناء الأساليب وتقنيات التواصل في تعليم القيم:

إن الناظر في السيرة النبوية بعين تربوية منقبة عن تقنيات التواصل مع الناس؛ ليجد أن فيها من الإشارات ما إن جمعها ليشكل نظرية متكاملة في التواصل، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- «يعبِّر بملامح وجهه عن السخط والرضا، ويغير من هيئة جلسته أثناء الكلام لبيان أهمية الأمر وخطورته؛ كما هو الشأن في حديثه عن شهادة الزور، قال راوي الحديث: «وكان متكئاً ثم جلس وقال: ألا وشهادة الزور. مراراً حتى قلنا: ليته سكت»(28)، وفي هذا إشارة إلى تقنية التكرار أيضاً، وهو يشير -صلى الله عليه وسلم- بأصابعه لتقريب الأفهام، مثل قوله: «بعثت أنا والساعة كهاتين. وضم السبابة والوسطى»(29)، وهو يضرب المثل مستخدماً القصة، ويأتي بأخبار الأمم السابقة، مثل قوله -صلى الله عليه وسلم-: «مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بنى بيتاً» الحديث(30)، وقوله -صلى الله عليه وسلم- أيضاً: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات أيبقى من درنه شيء؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فكذلك الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا»(31). وهو -صلى الله عليه وسلم- يلحظ نفسية السائل وقابليته للتعليم، فيجيب بحسب ذلك أجوبة تختلف في الشكل والموضوع، فمن حيث الشكل هي بين الطول أحياناً والقصر أحياناً، ومن حيث الموضوع دواء مناسب لداء السائل.

والعجب أن الرجل يقول: أوصني يا رسول الله! فيقول -صلى الله عليه وسلم-: «لا تغضب!» فيقول السائل: زدني! قال: «لا تغضب»! وكررها ثلاثاً(32)، ولكننا نجده يقول لمعاذ بعد أن أجابه عن سؤاله الذي قال فيه: «يا رسول الله! دلني على عمل يدخلني الجنة ويباعدني عن النار!»، فجعل -صلى الله عليه وسلم- يقول في جوابه: «ألا أدلك على رأس الأمر وعموده وذروة سنامه... ألا أدلك؟... ألا أخبرك؟»(33)، وذلك من حكمته -صلى الله عليه وسلم- في النظر إلى قابلية المتعلم للتلقي، وهي من أرقى تقنيات التواصل التربوي التي عرفها الفكر التربوي المعاصر أخيراً.

ج - اجتهاد وإبداع علماء التربية المسلمين:

لم تكن التربية عندهم علماً مستقلاً ولكنها كانت محضن القيم، وكانت أساس تلقي العلوم الشرعية من فقه وحديث وتفسير، وكانت الممارسة العملية في مجالس التعليم وليدة الجو الخاشع الذي يخلقه العالم والمتعلم لاعتقادهما الراسخ بقدسية العلم الملقن وخاصة ما ارتبط منه بالوحي. ألا ترى أن الإمام مالك ـ رحمه الله ـ كان يفرّق بين مجلس الفتوى ومجلس الحديث، ويجعل لهذا الأخير قواعد وطقوساً، وكان ـ رحمه الله ـ يقتصر في الجواب على السؤال والسؤالين، وكان يقول لا أدري في سواها مما لا يعرف.

وفي الحديث كان الإمام مالك ـ رحمه الله ـ يميل إلى التقليل من الرواية والإكثار من الفقه، فقد قال لابني أخته: «أراكما تحبان هذا العلم ـ يعني الحديث ـ، فإن أردتما أن تنفعا وينفع الله بكما؛ فأقلا منه وتفقها»(34)، وظهر في مدرسته اتجاهان: اتجاه الرأي مع أبي القاسم، واتجاه الحديث مع ابن وهب في مصر، ومن ذلكم القطر انتقل الاتجاهان إلى القيروان مع ابن سحنون وأسد بن الفرات، ومنها إلى المغرب والأندلس، ولكل من الاتجاهين قواعد في الإقراء وتلقي العلم. وفي مقابل هذا كانت مدارس الرأي في العراق تتوسع في الأسئلة حتى اشتهرت عندهم مجالس المناظرات والجدل في الموجود والمتوقع، حتى ظهر عندهم ما سمي بالفقه الافتراضي. ومن خلال مدارس الفقه تبلور الفكر التربوي عند علماء الإسلام، فكتب ابن سحنون والقابسي من أهل القيروان آراءهما التربوية في سياسة الصبيان وأدب العالم والمتعلم، وتبعهما غيرهما.

والذي نذكره هنا أن ما أنتجوه من فكر تربوي وابتدعوه من أساليب في نقل القيم المصاحبة للعلم؛ صاغوا منه نظرية تربوية إسلامية مرنة، تتكيف مع الأحوال والظروف، وتستوعب المتغيرات، وتنتج لكل حالة حلاً، ولكل واقعة حديثاً. وانطلاقاً من كل ذلك تمكن المختصون من الباحثين أن يلتمسوا خصوصيات للنظام التربوي الإسلامي التي يتقاطع فيها مع غيره من الأنظمة التربوية، وخاصة في الوسائل والإجراءات، ويتميز عنها بثوابت وأصول.

ثالثاً: القيم الإسلامية سماتها وخصائصها:

إن قراءة في أصول القيم الإسلامية ـ كما حددت بعض ملامحها في ما سبق ـ، والنظر إلى واقع المسلمين في تمثل هذه القيم والتفاعل معها إيجاباً وسلباً؛ تجعلنا نحدد سمات وخصائص للقيم الإسلامية تتميز بها عن غيرها من القيم الوضعية.

وكثيرة هي الدراسات التي تناولت خصائص القيم الإسلامية بالدرس والتحليل، فتفاوتت في تحديد الخصائص والسمات بين موسّع ومضيّق، والحاصل أن كل ما قرأت من دراسات في المجال تكاد تفاصيلها ومجالاتها تنحصر عند التأمل في خمس صفات، وهي:

أ ـ الربانية في المصدر:

وقد بسطنا فيها الكلام عند حديثنا عن أصول القيم الإسلامية من الكتاب والسنة والتطبيقات الاجتهادية للعلماء والمربين المسلمين، ويكفي أن أذكر في هذا المقام بكلام ابن العربي في أحكام القرآن حين قال: «إن الله خلق آدم على صورته، يعني على صفاته، فإن الله خلقه عالماً قادراً مريداً متكلماً... فليس لله ـ تعالى ـ خلق هو أحسن من الإنسان جمال هيئة، وبديع تركيب»(35).

ويكفي أن نعرف أن الله خلق آدم ونفخ فيه من روحه، ومع روح الله ومنها انزرعت القيم في كيان الإنسان، فحبه للخير وكرهه للشر من روح الله، قال ـ تعالى ـ: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا} [الشمس: 7 - 8]، وقال: {ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ} [السجدة: 9]. وبيَّن ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حين قال: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبــواه يهــودانه أو ينصـرانه أو يمجسـانه»(36)، قال ـ تعالى ـ: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} [الروم: 30].

فالإنسان ليس صفحة بيضاء، كما أنه ليس صفحة سوداء مليئة بالآثام ـ كما هو معروف في النظرية المسيحية ـ، ولكنه مفطور على دين الإسلام وقيمه، وحين نزل إلى الأرض واختلط بالبيئة اقترب أو ابتعد من هذه القيم بحسب المؤثرات. فشرع الله ـ تعالى ـ في كتابه وسنة نبيه وسائل وطرقاً لاكتساب الصفاء من الأدران، والقرب من القيم الربانية الأصيلة في فطرة الإنسان.

ب - الواقعية:

فالقيم الإسلامية ليست قيماً نظرية مثالية، وإنما هي خلاصة شريعة نزلت حسب الوقائع والأحداث، واستجابت لمشكلات الناس وقضاياهم، وليست فكراً يبتغي المدنية الفاضلة التي لا وجود فيها للشر، وبالتالي فهي واقعية في مراميهــا وأهــدافهـا، قاعدتها قوله ـ تعالى ـ: {وَعَجِلْتُ إلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى} [طه: 84]. والعجلة هنا الترقي في سلم الرضا بحسب الطاقة والاستطاعة، {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلاَّ وُسْعَهَا} [البقرة: 286] .

فالعدل على سبيل المثال قيمة إسلامية راسخة، ولكن تحقيقه في الواقع مدافعة للظلم بقدر الاستطاعة، ولذلك كان رسول الله يقول: «إنما أنا بشر، وإنه يأتيني الخصم فلعل بعضكم أن يكون أبلغ من بعض؛ فأحسب أنه صدق؛ فأقضي له بذلك! فمن قضيت له بحق مسلم؛ فإنما هي قطعة من نار! فليأخذها أو ليتركها!»(37).

والحب قيمة إسلامية عظمى، ولكن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في العدل بين زوجاته في هذا الجانب كان يقول: «اللهم! هذه قسمتي في ما أملك؛ فلا تلمني فيما لا أملك»(38)، يعني الميل العاطفي. وكذلك الحفاظ على مال اليتيم قيمة اقتصادية عظيمة في الإسلام، ولكن يوجد إلى جانبها وعيد يحذر من أكل مال اليتيم لوجود هذه الظاهرة في الواقع، وستبقى موجودة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها؛ لأن الأشياء تتميز بضدها.

وقس على هذا مختلف القيم الإسلامية، فرغم كونها مطلقة في أصولها، ربانية في مصدرها؛ فإن إنزالها على الواقع يحكمه التدرج والحسنى لنفي القيم السيئة بالحسنة، قال -صلى الله عليه وسلم-: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن»(39).

ثم إن الله ـ تعالى ـ لم يطلب من الإنسان مطلق الكمال في تمثل القيم الإسلامية، ولكنه طلب منه الصعود في سلمه على قدر العزم، ثم يسأل الله بعد ذلك أن يبلغه سؤله وأمله.

ج - العالمية والإنسية:

لا يختلف اثنان من ذوي الألباب أن العدل حسن والظلم سيء، وأن الكذب مشين والصدق مزين، والبخل والشح مكروهان، والسخاء والبذل مطلوبان؛ مهما اختلفت الملل والنحل.

فتلك وأضدادها قيم عالمية هي أصل الفطرة جاء بها الإسلام العالمي، قال ـ تعالى ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا} [سبأ: 28]، وقال ـ سبحانه ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

فقيم الإسلام التي تضمنتها رسالة الأنبياء والرسل كافة وختمها محمد -صلى الله عليه وسلم-؛ ليست للمسلمين بخصوصهم وإنما هي منفتحة على سائر الأمم والشعوب، ينهلون منها فتقوّم سلوكاتهم، وتعدل من اتجاهاتهم، فتكون هذه العالمية مدخلاً إلى الإسلام عند كثير من الأمم والشعوب والأفراد.

وقد أخذ محمد -صلى الله عليه وسلم- بهذه القيم العالمية وجاء ليتممها، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق»(40)، والإتمام يعني أن الإسلام أقر قيماً إنسانية موجودة بالجبلة والفطرة لدى الناس مهما اختلفت مللهم ونحلهم، وذلك مدخل لهم كي ينتبهوا إلى قيم الإسلام الخالدة فيسارعوا إلى اعتناقه كاملاً غير منقوص إتماماً لنعمة الله عليهم: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا} [المائدة: 3].

ونحن ننبه هنا إلى أمر جدّ مهم، وهو أن تمسك الإنسان بالقيم الإنسانية العالمية خارج إطار الإسلام والإيمان يفيده في دنياه ولا يفيده في آخرته بحسب النية والقصد، فالملتزم بالقيم الإنسانية يبتغي بذلك مرضاة الله ورضوانه يجد الثواب عنده يوم لقائه، ومن تمسك بهذه القيم إرضاء للضمير وابتغاء دنيا؛ فلن يبخسه ـ تعالى ـ حقه في دنياه، وماله في الآخرة من خلاق، قال ـ تعالى ـ: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ } [إبراهيم: 18]، وقال ـ تعالى ـ: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِـمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا * وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا * كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا} [الإسراء: 18 - 20].

د - التكيف:

ذلكم أن القيم الإسلامية قابلة للتحقق في المجتمع بمختلف الوسائل والطرق، وتتكيف مع مختلف الأحوال والأزمان والأمصار دون أن يؤثر ذلك في جوهرها، فالعدل يتحقق في المجتمع عبر مؤسسات مختلفة قد تخلقها الدولة بحسب حاجتها وعلى قدر إمكاناتها؛ المهم أن يتحقق العدل، وقد يتحقق في مختلف مظاهر الحياة العامة داخل الأسرة وفي الأسواق وفي المنظمات والهيئات وغير ذلك بصور شــتى وبوسائل مختلفة، والأصـل في ذلك قــوله ـ تعالى ـ: {وَإذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} [الأنعام: 152].

ولذلك لم تضع التربية الإسلامية لقيمها قوالب منظمة جاهزة لا بد أن تفرغ فيها، وإنما أمرت بضرورة تحقق الجوهر بأشكال مختلفة تستجيب لحاجات الزمان والمكان والأحوال فأمرت بتحقيق الشورى في المجتمع ولم تحدد الكيفية والوسيلة، وأمرت بأداء الأمانات إلى أهلها مطلق الأمانات بعد حفظها ولم تحدد وسائل الحفظ؛ لأنها متغيرة وأمرت بالتكافل الاجتماعي، وتركت طرق تحقيقه مفتوحة على اجتهادات المقدمين عليه، وأمرت بالإنفاق في سبيل الله؛ مطلق سبيل الله ليعم الخير كلَّ مناحي الحياة، ويغطي حاجات الناس المتجددة.

ومن مظاهر التكيف في القيم الإسلامية؛ قابليتها للتداول بكل أنواع الخطاب من الوعظ والإرشاد إلى الخطابة، فالكتابة والنشر، إلى الوسائل السمعية البصرية، إلى التقنيات الحديثة للتواصل من إعلاميات وإنترنت وغيرها، ومعلوم أن كل خطاب يحمل قيمة من القيم. والقيم الإسلامية أولى أن تحملها وسائل التواصل هذه؛ إذ ينبغي أن تحمل إلى كل أهل عصر بما ساد عندهم من وسائل، حتى تكون قادرة على التأثير في سلوكياتهم والتعديل من اتجاهاتهم وتشكيل تصوراتهم.

ومن مظاهر التكيف أيضاً قدرة هذه القيم على الاستجابة لحالة متلقيها العمرية والنفسية والوجدانية والعقلية، فلكل أسلوبه وطريقه ومنهجه، فالمربون الناقلون للقيم الإسلامية لهم قدرات وطاقات، والمتعلمون لهم قدرات وطاقات أيضاً، ولهذا لم يكن للنظرية التربوية الإسلامية الحاملة للقيم خطاب واحد، وإنما يتنوع خطابها بفعل مرونته ويتكيف مع مختلف الحالات، فما اتجه علماء في أدب العالم والمتعلم يختلف من سياسة الصبيان إلى سياسة الغلمان، فسياسة من قوي عوده وعزم على طول الرحلة والطلب والتفرغ للعلم.. إلى غير ذلك.

هـ - الاستمرار:

ليست القيم الإسلامية ضرباً من التاريخ الذي نفتخر به حين تجلى في أبهى صوره زمن الرسالة الخاتمة، وإنما هي قيم تجد نفسها مستمرة في الواقع تضيق وتتسع مساحتها بحسب الجهد المبذول لنشرها والوسائل المستعملة في ذلك.

والذي يمكن أن يُدرس للتاريخ والعبرة هو تجليات هذه القيم في المجتمع عبر الدهور والأحقاب السالفة؛ لمعرفة كيفية تفاعلها مع مختلف السلوكيات، ومدى قدرتها على صناعة التحولات الكبرى في تاريخ البشرية والاستفادة من ذلك في بناء الحال والمستقبل.

وتستمد القيم الإسلامية استمراريتها من صلاحية مصادرها لكل زمان ومكان، قال ـ تعالى ـ: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

ومن مظاهر الاستمرار في القيم الإسلامية تكرر حدوثها في سلوكيات الناس حتى تستقر، قال -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدّيقاً»(41)، فالصدّيق لا يطلب منه أن يصدق مرة ويكذب مرات، وإنما المطلوب أن يستمر هذا السلوك في تصرفاته طول حياته حتى يستحق هذا اللقب، يقول الدكتور أحمد مهدي عبد الحليم: «ومن الخصائص الأساسية في القيمة تكرار حدوثها بصفة مستمرة، فمن يصدق مرة أو مرات لا يوصف بأنه فاضل في سلوكه، وإنما تتأكد القيمة وتبرز الفضيلة الخلقية في سلوك الإنسان إذا تكرر حدوثها بصورة تجعلها عادة مستحكمة أو جزءاً من النسيج العقلي والسلوكي لصاحبها وعنواناً لهويته»(42).

ومن هنا كان تنديد القرآن بأولئك الذين لا يثبتون على اتباع طريق الهدى والحق، ويتراوح سلوكهم بين الحق والباطل وبين الهدى والضلال، {إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً} [النساء: 137].

وكان تنديد القرآن بالنموذج البشري الذي لا يستقيم على فعل الخير ويؤدي منه القليل ثم يقعد عن مواصلته أو يكف عنه، {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي تَوَلَّى * وَأَعْطَى قَلِيلاً وَأَكْدَى} [النجم: 33 - 34] ؛ أي: «ضعف عن الاستمرار في العطاء أو كف عنه مع توفر مقوماته»(43).

ولذلك كانت المجاهدة والمثابرة لحمل النفس على استمرار التمسك بالقيم الإسلامية؛ حتى ترقى من الإسلام إلى الإيمان إلى الإحسان، فيبعد الإنسان الله كأنه يراه، وتلك أحلى ثمرات القيم الإسلامية التي لا تتحقق إلا بالتكرار والاستمرار.

تلكم نظرة مركزة على خصوصيات القيم الإسلامية ووسائل نقلها ونشرها، وكيفية إسهامها في تشكيل وإعادة تشكيل العقل المسلم.

إن هذا الإطار النظري حينما يصرف في شكل تطبيقات ميدانية في بناء مناهج التعليم؛ سيؤدي لا محالة إلى تجديد تربية مداركنا، وتغيير ما ترسب فينا من معلومات منقطعة عن القيم الأخلاقية والمعاني الغيبية تحت تأثير النمط المعرفي الحديث(44). ومن شأن ذلك أن يؤدي إلى تجديد التربية برجوعها إلى حضن القيم الفطرية: {فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِـخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} [الروم: 30].


--------------------------------------------------------------------------------

(*) رئيس المركز المغربي لدراسات الأبحاث التربوية الإسلامية، المدرسة العليا، للأساتذة تطوان، المغرب.

(1) العلمانية نشأتها وتطورها، د. سفر الحوالي، ص 596 وما بعدها.

(2) سؤال الأخلاق، ص 221.

(3) انظر: «أثر الاستغراب في التربية والتعليم»، د. عبد الله الشارف، ص 14، 324.

(4) د. محمود محمد سفر: دراسة في البناء الحضاري، كتاب الأمة، ع 21 سنة 1409هـ.

(5) د. لحسن مادي، السياسة التعليمية بالمغرب ورهانات المستقبل، ص 811.

(6) المصدر السابق نفسه.

(7) انظر تفاصيل المشروع نظرياً وتطبيقياً في كتاب القيم الإسلامية في المناهج الدراسية، خالد الصمدي، منشورات الإيسيسكو: 3002م.

(8) ج 5، ص 34.

(9) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب الأصفهاني، مادة «قوم».

(10) ج 8، ص 362.

(11) ج 8 ، ص 131.

(12) في ظلال القرآن، ج 6، ص 3843، ط 5891م.

(13) مفردات ألفاظ القرآن، الراغب، مادة «قوم».

(14) ج 8، ص343.

(15) ج 8، ص 609، ط 1791م.

(16) أحكام القرآن، ج 4، ص 415، ط 1، 8891م.

(17) العمدة في غريب القرآن، مكي بن أبي طالب، ص 29.

(18) المرجع السابق، ص 253.

(19) سنن الدرامي، المقدمة، الحديث رقم 35.

(20) كتاب الدعوات، البخاري، رقم الحديث، 2485.

(21) فلسفة التربية الإسلامية، ماجد عرسان الكيلاني، ص 992.

(22) تعليم القيم فريضة غائبة ـ مجلة المسلم المعاصر، أحمد مهدي عبد الحليم، ع 65/66، سنة 2991 ـ 3991م.

(23) رواه الإمام أحمد في المسند، مسند المكثرين.

(24) رواه البخاري في كتاب العلم.

(25) رواه البخاري في كتاب الدعوات.

(26) رواه البخاري في كتاب الآذان.

(27) رواه مسلم في كتاب الحج.

(28) رواه البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين من حديث عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه.

(29) رواه البخاري في كتاب الفتن وأشراط الساعة من حديث أنس.

(30) رواه البخاري في كتاب المناقب من حديث أبي هريرة.

(31) رواه البخاري في كتاب مواقيت الصلاة من حديث أبي هريرة.

(32) رواه البخاري في كتاب الأدب من حديث أبي هريرة.

(33) رواه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح.

(34) ترتيب المدارك، القاضي عياض، ج 1، ص 421.

(35) أحكام القرآن، أبو بكر ابن العربي، ج 4، ص 514.

(36) رواه البخاري في كتاب الجنائز.

(37) رواه البخاري في كتاب المظالم والغصب.

(38) رواه الترمذي في كتاب النكاح.

(39) رواه الترمذي في كتاب البر والصلة.

(40) رواه الإمام أحمد في المسند، مسند المكثرين.

(41) رواه الإمام أحمد في مسنده.

(42) تعليم القيم الفريضة الغائبة، مجلة المسلم المعاصر، أحمد مهدي عبد الحليم، العددان 65، 66، 2991م.

(43) المصدر السابق.

(44) سؤال الأخلاق، د. طه عبد الرحمن، ص 011.
* بدور* غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-27-2013, 06:49 PM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3639
 
الصورة الرمزية أبو عبد الله1981
أبو عبد الله1981
(+ قلم دائم التألق +)
الانتساب: 24 - 8 - 2008
الإقامة: فلسطين ( رفــــح )
العمر: 36
المشاركات: 762
معدل تقييم المستوى: 9
أبو عبد الله1981 is a jewel in the rough
ما شاء الله

بارك الله فيك وزادك الله من علمه وفضله

إن شاء الله في ميزان حسناتك يا رب

صدقا مادة وافية
أبو عبد الله1981 غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-28-2013, 01:38 AM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3640
 
الصورة الرمزية الورد الصامت
الورد الصامت
(+ قلم بدأ بقوة +)
الانتساب: 10 - 8 - 2009
الإقامة: في عالــمــي
المشاركات: 72
معدل تقييم المستوى: 8
الورد الصامت has a spectacular aura about
السلام عليكم

لو سمحتم عاوزة بحث عن الإدارة التربويـــة
الورد الصامت غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 04-28-2013, 07:05 AM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3641
 
الصورة الرمزية * بدور*
* بدور*
(ربــ اسـألگ رضآكـ ******1737;آلجنه******9829;)
الانتساب: 6 - 12 - 2009
الإقامة: غزة
المشاركات: 9,214
معدل تقييم المستوى: 17
* بدور* is a jewel in the rough
* بدور* غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-02-2013, 11:53 PM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3642
 
الصورة الرمزية بلسم الزمان
بلسم الزمان
(+ قلم لامع +)
الانتساب: 10 - 8 - 2009
الإقامة: فلسطين
العمر: 23
المشاركات: 1,432
معدل تقييم المستوى: 9
بلسم الزمان has a spectacular aura about
لو سمحتي

بدي تقرير باللغة الانجليزية عن بناء مستشفى مثلا
بلسم الزمان غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 05-03-2013, 12:07 AM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3643
 
الصورة الرمزية * بدور*
* بدور*
(ربــ اسـألگ رضآكـ ******1737;آلجنه******9829;)
الانتساب: 6 - 12 - 2009
الإقامة: غزة
المشاركات: 9,214
معدل تقييم المستوى: 17
* بدور* is a jewel in the rough
أتمنى ان تستفيد من التالي
Healthy Lifestyle


Introduction

Food is very important to live. It matters whether you eat healthy food or not. I agree that healthy life style is so important to live a great life because health is very important to do any thing. If a person who is not healthy then he or she cannot do good things. For good feelings and thinking, healthy life is very important. So I will talk about healthy life in healthy food .

Body

Healthy Lifestyle
Better lifestyle habits can help you reduce your risk for heart attack. Learn what you can do to help prevent heart disease and stroke. Lists talk about the healthy eating . that’s mean choosing foods that are good for you, the best cooking methods and learning portion control .

Fruits and Vegetables
Everybody needs five to nine servings of fruits and vegetables every day. They are low in calories, high in nutritional value and absolutely delicious
It's hard to argue with the health benefits of a diet rich in vegetables and fruits: Lower blood pressure; reduced risk of heart disease, stroke, and probably some cancers; lower risk of eye and digestive problems; and a mellowing effect on blood sugar that can help keep appetite in check.

Most people should aim for at least nine servings (at least 4½ cups) of vegetables and fruits a day, and potatoes don't count. Go for a variety of kinds and colors of produce, to give your body the mix of nutrients it needs. Best bets? Dark leafy greens, cooked tomatoes, and anything that's a rich yellow, orange, or red color

Healthy Convenience Foods
The main purpose of convenience foods is to us time and work. Specialty diet foods provide the additional benefit of calorie, carbohydrate and/or fat savings. In return we give them more of our cash and agree to be satisfied with their questionable quality. The tradeoff is worth it to some people, especially those with lots of extra money and zero extra time. Those of us on a budget don't have the luxury (or the curse) of financial resources, so we must use our intelligence, time and effort instead of expensive conveniences. With this said, there are a few products that live up to their promise. They time, work, and calories, provide acceptable quality, and as luck would have it, don't cost much more than making them ourselves. A minor few, like frozen orange juice concentrate, even cost less than preparing them from scratch. After a great deal of investigation I've divided good buy convenience foods into 2 categories. The first is calorie rs, and the second is time and work rs

Are You Drinking Enough Water?
Water and other healthy beverages are important in your diet. While water is very important for your health, there are some times when drinking too much water can be a problem:

* If you have any kidney or adrenal problems, or your doctor has you taking diuretics, you need to consult with your doctor about how much water to drink each day
* 't drink all of the water you need per day all at once. Divide the amount you need and drink several glasses of water throughout the day. This is especially important if you engage in lots of heavy exercise.
* Infants should be given only formula or breast milk unless your pediatrician tells you



Conclusion
In my view people who eat healthy food they have good stamina to do hard work. Food gives energy to do work. For work food is very important. Therefore, if a person who eats food which has vitamins, proteins, iron and other important nutrients then he or she will be free from diseases. People who have no deceases can enjoy their life and take interest in their work.

Everybody likes to meet those who have good health. Therefore, a person who is healthy has friends. Otherwise, it may not be possible. People can attract others with there looks. A person who looks weak does not attract people. In that situation a person who is not living healthy lifestyle will feel lonely and not be a happy person. In my opinion for making friends and feel happy, people should eat healthy food. A healthy person can gives happiness to others. To be good looking, hygienic food is very important. If a person wants to be beautiful then she should eat good healthy food.

Recommendations

A good mind can be developed if people eat healthy food. Therefore, for children it is very necessary to eat healthy food. A good mind always thinks well. Health is wealth. Therefore, I would like to say people should not eat food only to fill the stomach but for the development of good health. If health is good then people can do any thing. So people should eat healthy hygienic food.

Finally in my view to develop a good, intelligent and healthy generation everybody should eat healthy and nutritious food.







* بدور* غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-23-2013, 11:32 PM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3644
 
الصورة الرمزية Dr.Wasim
Dr.Wasim
(+ قلم جديد +)
الانتساب: 23 - 7 - 2013
المشاركات: 1
معدل تقييم المستوى: 0
Dr.Wasim has a spectacular aura about
يعطيكم العافية

ابحث عن احصائيات او بحوث تتعلق بايرادات ونفقات وزارة الصحة لعام 2012
Dr.Wasim غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 07-25-2013, 09:42 AM  
افتراضي رد: اطلب بحثك أو دروسك .. وستجدها هنا بعون الله
#3645
 
الصورة الرمزية Um Ahmed2016
Um Ahmed2016
()
الانتساب: 10 - 11 - 2007
الإقامة: فى قلب الملتقى التربوى
المشاركات: 14,893
معدل تقييم المستوى: 24
Um Ahmed2016 is a glorious beacon of light
يعطيكم العافية

ابحث عن احصائيات او بحوث تتعلق بايرادات ونفقات وزارة الصحة لعام 2012
لم اجد سوى
تقرير ايرادات ونفقات وزارة الصحة 2011
Um Ahmed2016 غير متصل   رد مع اقتباس
إضافة رد

الكلمات الدلالية (Tags)
التنمية, كتاااااب


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)

 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

اذكر الله ...


الساعة الآن 12:34 AM بتوقيت القدس