#1    
قديم 06-29-2005, 08:00 PM
الصورة الرمزية فؤاد البابلي
فؤاد البابلي
+ قلم بدأ بقوة +
 
 
الانتساب: 17 - 4 - 2005
المشاركات: 57
معدل تقييم المستوى: 0
فؤاد البابلي has a spectacular aura about

  إدراج رابط بريد إلكتروني  مراسلة  ناشـر الموضـوع

 

[align=right]كثيرة هي المحاولات التي تشتغل على إعادة فلسفة مفهوم القراءة من حيث هي عملية إكتشاف قبل أن تكون تأويل للنص المكتوب ، ويبدوا للوهلة الأولى أن مفهوم الاكتشاف أقرب إلى تأكيد صحة الإدعاءات التي تدعِّم مفهوم القراءة على أساس أنها عملية اكتشاف كخطوة أولى في لحظة أولى ، وهي هكذا تبدو بمفهومها التقليدي ، وإذا حاولنا تدوين مفهوم القراءة كمصطلح فهذا يعني اننا نميل إلى تضمين معنى الإكتشاف ، فالقراءة كفعل ذهني ومنجز عقلاني تعرِّف مجموعة لحظات لحالة إستكشافية أولى ، فالقراءة تعمل كفعل آلي على تدوين مجموعة إنطباعات ذهنية تمثل الحالة الآنية لأثر النص أو المنجز الذهني المكتوب إذا ما سلّمنا جدلاً أن فعل القراءة يقع على المنجز الذهني المدوّن ، إذ لايمكن للقراءة أن تؤكد مفهومها بعيداُ عن أرضية النص المكتوب ، هذا يدفع إلى الاستنتاج أو بالأحرى التركيز على اللحظات الأولى للقراءة وكيف يمكننا تشكيل المفهوم العام للتسمية التي تكون أكثر ملائمة لوصف عملية القراءة في تلك اللحظات ، فقراءة النص تستلزم الخوض في عدّة مستويات أو لنقل عدّة مراحل وهذه تتم بشكل تدريجي يتوقف على ماهية القاريء الذي يمثل أحد أهم آليات القراءة وهو خارج حدود هذه الدراسة التي تعمل على تشخيص كينونات القراءة ضمن العملية الكليّة التي تمثل محاولة قرائية معرفية متكاملة ، وأقصد بالمحاولة القرائية المتكاملة هي تلك المحاولة التي تبتدىء بلحظات انطباعية أولى تشكل مبرراً لتواصل القراءة ثم حالة إستنطاق لمركبات ومفردات النص تتبعها حالة تأويل فلسفية وفق رؤية معينة يحددها الفاعل أو القائم بفعل القراءة ، فإذا إقتصرت عملية القراءة على انطباعات أولى دون أن تؤدي إلى إنتاج نص آخر هو الأثر الملموس لفعل القراءة لايمكننا أن ندّعي أن هناك عملية قراءة منجزة .
لحظة تدجين النص تبدأ مع الحراثة الأولى لمساحاته ، الحراثة التي تأتي مع تنامي الرغبة في التواصل ، اللحظة المشحونة بالهم الآني التي تلامس آهاب المتشكل من البنيات الخارجية وتتحرّى الهيكلية المفصلية للنص ، فتأتي لحظة إستفزاز مقصودة ، لحظة تثوير المعنى بشكله المبسط ، وربما هي محاولة اختبارية لعوالم النص وتأكيد لأدوات القراءة ، ويمكن القول أن المحاولة الأولى هي تدوين الإنطباع الأول لحالة لاحقة قد تكون ممكنة أوعسيرة ، وترافق حالة التنوير هذه حالة تدوينية ، فالاكتشاف يمثل حالة تبديد الضباب وتمكين الرؤية من النشوب في آهاب أفق متجدد ، ويمثل أيضاً حالة استقرائية لأدوات الكتابة ، فالنص المكتوب هو منتج ذهني وهذا المنتج مبني وفق شبكة من الرؤى والعلاقات ، ومحكوم بآليات كثيرة نزع الكاتب لإستخدامها بتصور معين ، فالقراءة هنا كحالة أولى تمثل محاولة لفك رموز هذا التشابك الذي يؤدي إلى إنتاج رؤية محددة تجاة آليات الكتابة ، وبالتالي تكون القراءة في سفرها الأول قراءة تكوينية ، قراءة استنطاقية لإنساق كتابية ، قد تكون هذه الأنساق لغوية أو فلسفية وحتى نفسية ، ولكن يمكن القول أن المعني الأول بفعل الكتابة هو النسق اللغوي الذي يمثل المنظور الأكثر وضوحاً في حالة الاكتشاف ، ولأن النسق اللغوي يؤدي إلى ربط التواصل ببقية الأنساق التي تتشكل من خلاله ، ومن خلال إكتشاف البنية السطحية للغة النص نستطيع أن نؤسس سلطة القراءة كخطوة أولى ، فاللغة تمثل مدخلاً حيوياً لبواطن النص المكتوب .
التجسس الأول ضمن عملية القراءة هو تجسس لغوي لتحري البنية الشكلية الخارجية للغة النص المكتوب وهذا التحري يؤدي إلى إنتاج رؤية أولية عن المستويات اللغوية الأخرى المستخدمة في بنائية النص ، كذلك يدعم فكرة إستنطاق البنى الرمزية والدلالية للنص لفهم حقيقي للبناء الكلّي للمنتج الذهني ، ومن خلال عنصر اللغة تستطيع القراءة أن تجسم الأدوات الفنية الأخرى المعتمدة في التكوينات البنيوية والرمزية والبيئات الزمانية والمكانية المساهمة في إنتاج التصور السايكولوجي للنص المكتوب ، إذن يكمننا القول أن القراءة الاستنطاقية لمجموعة العناصر والبنى التي يتضمّنها النص تندرج تحت مسمى القراءة الاستكشافية ، القراءة التي تمهد إلى رغبة التواصل مع الفعل المكتوب ، والتواصلية مع الفعل المكتوب يجب أن تكون مدعومة برؤية واضحة للنبش في خبايا النص ، رؤية ممنهجة لا عشوائية ، وهذا يقودنا إلى تأكيد مصطلح القراءة المنهجية ، القراءة التي تؤدي بالمعنى ضمن أقصر الطرق ، القراءة التي تستطيع أن تشخص مفاتيح النص ضمن تدرجات مستويات المعنى ، فالوصول إلى المعنى الكامن في عمق النص علينا الخوض في عملية القراة الاستنطاقية بمستواها العمودي ، المستوى الذي يتجاوز المستوى السطحي الذي ساهم في فهم شبكة العلاقات الخارجية للنص ومنها العلاقات اللغوية ، ولكي يتم إنتاج تصور شامل عن شبكة البنى والعلاقات الداخلية والخارجية للنص المكتوب ذلك يستدعي ان تتجاوز عملية القراءة حالة الإكتشاف البدهي المعلن أو حالة القراءة البنيوية للنص في حالة الاكتشاف الأولى إلى حالة القراءة التفكيكية لمجموعة البنى والعلاقات المشار إليها ضمن بنية النص ، طبعاً هذا لايحدث إلاّ بعد حدوث القراءة الإستنطاقية البنيوية كشرط لممارسة القراءة التفكيكية بمعناها الكلي ، فحالة الإكتشاف الأولى هي حالة تنويرية ، حالة بناء رؤية تخطيطية لممارسة الفعل التالي لعملية القراءة ، ومن خلال هذه المرحلة " الاكتشاف " تستطيع القراءة أن تؤسس آليات رصينة لولوج بواطن النص وإكمال عملية الإكتشاف التالي ، أي يمكن تسمية القراءة الإستنطاقية هي قراءة تجسسية بعدة مستويات تمثل القراءة البنيوية المستوى الأول في سلّمها ثم القراءة التفكيكية التي تمثل المستوى التالي والتي تعمل على مزاوجة المعاني والتصورات المستنبطة من القراءة في المستوى الأول لتؤدي في النهاية إلى التهيئة للمستوى الثالث من القراءة ألا وهو مستوى القراءة التأويلية التي تؤدي إلى إنتاج وجهة النظر الكلية أزاء النص المكتوب ، وتمثل الخطوة الأخيرة في صيرورة المنتج الذهني لعملية القراءة ، أو ما يسمى بنص القراءة ، النص الجديد المبني على تداعيات النص المكتوب .
القراءة التأويلية تمثل القراءة المنتًجة ، القراءة التي تستثمر ما أنتجته القراءة الاستنطاقية بمستوييها البنيوي والتفكيكي ، وعلية يمكننا أن نصفها بالقراءة الكلّية ، القراءة التي أنتجت نصاً آخر متكئاً على النص المكتوب ، أو القراءة الإستنباطية ، وفي هذه الحالة تكون القراءة قد تجسّدت عبر مراحلها في صيرورات أو إستحالات متتالية لتثوير المعنى المرجو من وراء عملية الكتابة ، أي تأكيد جدوى الكتابة كعملية بنائية ذات بعد دلالي يسهم في المشاركة في تدوين الوعي ، إذن القراءة يمكن تعريفها من حيث هي عملية استكشافية تنويرية تأويلية ذات بعد دلالي مقصود ، وبهذا التحديد يمكننا أن نذهب مع المحاولات التي ترمي إلى إعتبار القراءة عملية مكمِّلة لعملية الكتابة ، فلا قراءة بدون نص مكتوب ، وبالتالي فالقراءة هي فعل ذهني منتِج يؤدي إلى استنباط نص جديد يعتمد في تشكله على آليات القراءة كعملية ذهنية ذات بعد مستقل ، ربما يستمد بعض سمات تحفزه من النص المكتوب ، وفي كثير من الأحيان تثار مجموعة تساؤلات حول مصطلح تعريف القراءة وهل يمكن تعريف القراءة الااستنطاقية في مرحلة الإكتشاف على أساس أنها وحدة قرائية متكاملة بمعزل عن القراءة التأويلية التي تساهم إلى حد ما في تشخيص الهوية النهائية لمفهوم القراءة ؟ وكانت هناك محاولات في فلسفة المعنى مفادها أن القراءة يجب أن تكون مؤدية إلى منتج ذهني ، منتج متمثل برد الفعل تجاة النص المكتوب وإلاّ فالقراءة تصبح مجرد محاولة عقيمة لايمكن تأطيرها بمصطلح القراءة ، لأن القراءة الاستنطاقية بمستوييها البنيوي والتفكيكي تعمل على تحري شبكة العلاقات والرموز والبنى على أساس مكونات داخلية للنص تثير استفزازاً في ذهنية القارئ ، وبدون القراءة التأويلية التي تستثمر رد الفعل الذهني لإعادة صياغة وتشكيل ردود الافعال تلك إلى وحدة معرفية مستقلة تعطي انطباعاً عن هوية النص المكتوب من حيث النوايا والأهداف .
إذن عملية القراءة كأداء معرفي تعتبر عملية متكاملة تمر بمجموعة مستويات تبدأ بالإكتشاف أو التحري الأول وأحياناُ يسمى الإنطباع الأول ، ثم مرحلة الإستنطاق التي تعمل على تحليل البنى الداخلية وتفكيكها لتمهد للقراءة التأولية في إعادة تشكيل الوحدات المعرفية الى منتج نهائي يصف سلوك ودوافع النص المكتوب ، وإلى هذا التعريف يمكننا القول أن القراءة تتبع تسلسل منطقي في التعامل مع المنجز المكتوب ، تعاملاً مثالياً لا عشوائياً في استدراج النص إلى مناطق أكثر إشراقاً ، أو بعبارة أخرى تعمل القراءة مع النص المكتوب عملاً تنقيبياً من حيث قصدية واضحة إذ لا نص بدون غاية أو دافع معين ، وتحديد هذه القصدية في تشكيل الرؤية الأولى لعملية القراءة التي تمثل عملية تدوينية تتضمن الاكتشاف والتأويل معاً ، ويجب الإشارة هنا إلى أنماط القراءة التي تمثل وحدات قرائية متكاملة إنما تميل إلى تخصيص الرؤية المنتَجة ، هذا التخصيص يأتي من خلال تحديد البنى والعلاقات التي تساهم في إنتاج نمط القراءة ، وعلى سبيل المثال القراءة اللغوية للنص هي منتَج معرفي لكل ما يتعلّق بإحداثيات لغة النص المكتوب ، وهي تمثل التأثير الفني والسلوكي لبنيات اللغة في الشكل الخارجي للنص وتأثيرها في معالجة وحدات البناء النفسي ، ووحدات النسق الرمزي والإشاري ، أي إظهار حالة التشكل اللغوي للنص وعلاقتها التبادلية بالوحدات البنائية الأخرى ، وبنفس الإدراك يمكن وصف القراءة النفسية والقراءة السيميائية على أنها أنماط قرائية تمثل وحدات متكاملة ، وكذلك القراءة التي تتناول مفهوم الزمان أو المكان ، مضافاً إلة ذلك أي قراءة تعمل على تشخيص عنصر محدد من عناصر الكتابة لتمارس علية فعل القراءة كوحدة شمولية لمجموعة قراءات تساهم في تشييد مفهوم القراءة العام ، أي صيرورات تتشكّل من مستويات القراءة الاستكشافية أو الاستنطاقية بمستوييها البنيوي والتفكيكي مروراً بمستوى القراءة التأويلية لتطرح رؤية شمولية لجانب من جوانب النص المكتوب ، وهنا علينا التمييز بين القراءة النمطية التي تمثل صيرورة متكاملة والقراءة غير الكاملة التي تقتصر على مرحلة الاكتشاف فقط والتي تسمى أحياناً باللاّقراءة لعدم طرحها مفهوم محدد عن هوية النص المكتوب ، وبهذا الفهم لعملية القراءة نكتشف أن القراءة من حيث هي أداء معرفي أو نشاط ذهني مسلّط بقصدية لتقصّي مساحات نص مكتوب ، هذا التقصي محكوم بآليات وعي متوازنة وبنويات تخطيطية واضحة ترسم ملامح الغايات المرجوة من وراء القراءة ، هي عملية اكتشاف واستنطاق ، تحليل وتفكيك ، تأويل وتدوين ، أو بعبارة أخرى هي دورة معرفية متكاملة تمثل مجموعة صيرورات واستحالات لتؤدي إلى إنتاج نص جديد يمكن تسميته بنص القراءة .
من كتاب منظومة القراءة - دراسات وقراءات نقدية -عزيز التميمي[/align]



قديم 06-30-2005, 01:30 AM  
افتراضي مشاركة: القراءة بين الاكتشاف والتأويل...
#2
 
الصورة الرمزية نضال السلول
نضال السلول
(+ قلم متميز +)
الانتساب: 17 - 4 - 2005
الإقامة: :::فلسطين:::
العمر: 38
المشاركات: 247
معدل تقييم المستوى: 0
نضال السلول has a spectacular aura about
نشكرك اخي فؤاد على هذا الموضوع المميز
نحن نتوقع منك ذلك فأنت من الأعضاء المميزين في المنتدى
نضال السلول غير متصل   رد مع اقتباس
قديم 08-10-2008, 04:30 PM  
افتراضي
#3
 
الصورة الرمزية جمعة أبوعودة
جمعة أبوعودة
(+قلم دائم الاحتراف+)
الانتساب: 2 - 3 - 2006
الإقامة: خانيونس
العمر: 49
المشاركات: 3,433
معدل تقييم المستوى: 15
جمعة أبوعودة has a spectacular aura about
القراءة تمثل وحدة معرفية من حيث الأداء التحليلي أو الاستقرائي لتحصيل رؤية معينة إزاء منتج معين ، ولإنجاز مهمة القراءة طبقاً للتعريف اللغوي الذي أشرت إليه في دراسة "القراءة بين الإكتشاف والتأويل" ، أرى من الضروري التعريف بأهم العناصر المعتمدة في إنجاز مهمة القراءة بحيث نتمكن في النهاية من تحديد هوية معرفية لنص القراءة المنتَج ، وبنفس الوقت نستطيع أن نتحقق من تأدية مفهوم القراءة الكلّية أو القراءة الشاملة التي ترتكز على مجموعة استحالات أو مستويات بحثية ضمن إطار المفهوم العام للقراءة ، وتشكل مفردات مثل القارئ ..النص .. المرجع أهم العناصر التي تسهم في تدوين مفهوم القراءة ،

ويعتبر القارئ أحد أهم هذه العناصر لما يتمتع به من سلطة معرفية تتضمن أدوات تعريفية وتحليلية ثم تأويلية لتأطير المنتَج المعرفي ، وتعتبر سلطة القارئ الجزء الأكثر تأثيراً في تدوين مفهوم القراءة كعملية إبداعية ذات بعد معرفي مؤثر في صياغة المفهوم العام للوعي ، ومع تطور أساليب الكتابة ودخول عنصر التكنولوجيا في حقول التعريف بالنتاج الإنساني تطورت أساليب ومفاهيم القراءة ، ويعود ذلك بالدرجة الأساس إلى النظريات النقدية التي ظهرت إبتداءً من القرنين الماضيين والتي أسست لمنهجية علمية في طريقة القراءة سواء كانت القراءة لنصوص مكتوبة أو قراءة لآثار فنية وجمالية لمختلف الجوانب الحياتية ، وبعبارة أخرى القراءة التي تعكس وجهة النظر بالمنتج الإنساني سواء كان أثراً نظرياً أو تطبيقياً .

سلطة القارئ تمثل مجموعة إحداثيات تتشكل ضمن بيئة مؤسس لها من حيث الإرث المعرفي والوعي المكتسب ، وهذه الإحداثيات التي يسميها البعض أدوات تؤدي وظيفة محورية ضمن شبكة علاقات ورؤى مع آليات القراءة الأخرى المتمثلة بسلطة النص والمرجعيات التي تخص كل من النص والقارىء ، وبناءً على هذا التوصل يمكن تجسيم سلطة القارئ إلى مجموعة طاقات وإمكانيات تعمل معاً لتؤدي وظيفة مشتركة ، وظيفة تطويرية تعنى بالاقتراب من منطقة النص المكتوب وفق سياسة عمل منهجية ثم تتحرى المداخل المتوقعة والمقترحة للنص قبل الولوج إلى بواطنه ، وهذا التحري يتم من خلال بناء شبكة من العلاقات مع النص تسهم في دفع عملية القراءة بالاتجاه الصحيح وتمكن القارئ من تنفيذ جزء من سلطته ضمن عملية القراءة ، إذن فالأدوات الفنية التي تشكل سلطة القارئ يمكن أن تكون أدوات مكتسبة يستطيع القارئ أن يتحصّل عليها من خلال الإستفادة من الإرث الأدبي المتمثل بالنظريات الأدبية ذات الصلة ونظريات النقد الأدبي التي تشتغل في مناطق تحليل النص إلى بنيات ورؤى وعلاقات ، ويمكن أن تكون أدوات مستنبطة يستطيع القارئ أن يطور قابليات ذهنية وتحليلية تؤدي وظيفة إيجابية ضمن عملية القراءة ، فالقدرة على تمييز وتحديد أبعاد النص المتمثلة بالأبعاد البيئية المكانية والزمانية والأبعاد النفسية والإجتماعية تمثل علامة مميزة ومتطلّب أولي ضمن تلك الأدوات ، وهذه القابلية تتيح إلى تبني الخطوة التالية ، الخطوة التي تمثل القابلية التحليلية التي من شأنها تعمل على كشف النسيج الداخلي للنص ، والقابلية التحليلية تؤدي إلى كشف جزء من المرجعيات المتعلقة ببناء وتشكيل النص وكذلك تمهد إلى التأسيس للرؤية التفكيكية التي تأتي دائماً متلازمة مع الرؤية التحليلية ، وفي الكثير من الأحيان يتم الدمج ما بين الرؤيتين ، فسلطة القارئ تمثل ماهية الأدوات الفاعلة القادرة على إضاءة البيئة المحتضنة للنص وتحليل وتفكيك النص ثم إعادة تشكيل مجموعة الرؤى والمفاهيم ضمن نسق لغوي يعكس وجه النظر أو الاستنتاج المتوقع لرؤية النص.

إحداثيات سلطة القارئ تتمثل بشكل عام بمجموعة منظومات ، منظومة المنهج ، منظومة تحليلية ، منظومة إرثية تستلهم مفردات التراث والتاريخ والميثيولوجيا ، هذه المفردات تساهم في بناء رؤية واقعية في فهم الإطار العام للنص ، من حيث المعطيات البيئية التي رافقت تشكل النص ، وأقصد بالمعطيات البيئية للعناصر المتعلقة بمفاهيم الزمان والمكان والمجتمع ، وهذه المفاهيم تشكل أهمية بالغة ضمن مفهوم سلطة القارئ ، لأن البعد البيئي لأي نص يلعب دوراً فاعلاً في عملية الكشف عن الهيكلية والبنية الخاصة بذلك النص ، وعلى سبيل المثال : النصوص المنتَجة في بيئات شمال أمريكا ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالمفهوم البيئي لمجتمعات شمال أمريكا من حيث التصور التاريخي والمعرفي للمفاهيم الحياتية لتلك المجتمعات وبالتالي فالقارىء الذي ينتمي لمجتمعات شرقية سوف يصطدم بمعضلة الفهم الواقعي لنصوص تشكّلت وفق رؤى ومفاهيم أثنية واجتماعية تختلف بعض الشيء عن الخلفيات الاجتماعية التي تمثله ، وهذا ينطبق تماماً على القارئ الذي ينتمي لمجتمعات شمال أمريكا ، وبعد تطور أساليب القراءة المرتبطة بوسائل التطور التكنولوجي من حيث الاتصال والتأثر استطاع الكثير من القرّاء تجاوز هذه المعضلة من خلال الإطلاع على المنظومات الفكرية والإجتماعية السائدة في مجتمعات مختلفة والوقوف على أهم الفوارق المنظورية التي تميز المجتمعات المختلفة ، وصار بإمكان القارئ من مختلف الأثنيات أن يرصد سلوكيات النص المرتبطة بالمفاهيم البيئية والاجتماعية ، إضافة إلى ذلك فالدراسات النفسية التي أنتجتها مدارس فكرية مختلفة ساهمت إلى حد كبير في تدعيم سلطة القارئ بمنحه مساحة تأملية واسعة يستطيع من خلالها دراسة الأبعاد النفسية والسلوكية التي عملت على ترسيخ مرتكزات النص وعكس الرؤى والإسقاطات الفكرية التي مارسها الكاتب على واقع معين شكّل جزءاً من تجربته الحياتية فدوّن مجموعة الارتدادات الذهنية أو مجموعة الاستفزازات والاستقراءات وحتى الاستنطاقات في وثيقة سميت بالنص أو الأثر .

المنظومة الإرثية التي تؤسس ركناً حيوياًً في سلطة القارئ المعرفية تعتمد على مدى ستفادة القارئ من إرثه الثقافي المرتبط بمجتمعه الأم من خلال الكشف الدقيق والتحليل المنطقي والعلمي لمركبات ذلك الإرث حتى يتمكن القارئ من استثمار شبكة المفاهيم والرؤى والسلوكيات التي أنتجتها تلك المنظومة في استقراء ماهية المنتَج أو النص ، أي عكس جزء من تلك المفاهيم ضمن تحرّي دلالي على بيئة النص المكتوب إذا كان النص منتج ضمن نفس بيئة القارئ ، وهذا يساعد بدوره على فك مجموعة الرموز وقراءة الأبعاد النفسية والرؤى الأسطورية التي استثمرها الكاتب في تشكيل النص ، أما إذا كان النص المكتوب ينتمي إلى بيئة مختلفة ويخضع لمنظومة إرثية تختلف عن المنظومة الإرثية للقارىء فيتوجب على القارئ أن يمارس من خلال سلطته المعرفية نوعاً من المقارنة الأولية بين مجموعة ثيمات وعقد يؤدي كل منها وظيفة معينة لتأطير بعد إنساني أو سلوك معين ، لأن الحضارات الإنسانية المختلفة وإن نشأت في بيئات جغرافية متباعدة ، تستخدم رموزاً ودلالات متنوعة لتعريف إحداثيات إنسانية عامة تشترك بها كل المجتمعات الإنسانية ، مثال ذلك عنصرا الخير والشر ، فالرموز المستخدمة لتدوين مفاهيم الخير والشر في مجتمعات الهنود الحمر تختلف عن الرموز والدلالات المستخدمة لتدوين ذات المعنى عند المجتمعات الشرقية القديمة ، إنما المدلول العام في كل هذه التنويعات الدلالية يبقى ثابتاً ، أي الخير والشر ، وبالتالي فالقارىء لنصوص تنتمي لمنظومات إرثية مختلفة وكمحاولة أولى للاقتراب من شواطىء تلك النصوص يحاول أن يستثمر تراكمه الإرثي في إستشفاف بعض المفاهيم ضمن الإطار العام النص وأحياناً ينزع القارئ إلى عقد نوع من التقابل الدلالي للوصول إلى حقيقة محددة ضمن بنية النص ، وبدون شك فإن الغنى الإرثي الثقافي والاجتماعي يشكل دعامة وركيزة مهمة ضمن سلطة القارئ المعرفية التي تعتمد في تنفيذ آلياتها على المنهجية الدقيقة ، أي القراءة المشفوعة بوعي وتخطيط مسبق .

تشكل المنظومة التحليلية ضمن سلطة القارئ المنطقة الأكثر إشراقاً والبعد الأوسع أفقاً في مديات حالة الكشف عن بواطن النص ، فآلية القراءة تسبر أغوار النص من خلال عدة مستويات بنائية ، والسلطة التحليلية تمثل المرتكز الحي في هذه الآلية من خلال دراسة وفهم المصطلحات والتراكيب اللغوية التي تؤسس البنية الشكلية للنص كخطوة أولى ثم تعمل على ربط هذه المفاهيم والمصطلحات برؤية القارئ وفق أسلوب منهجي متسلسل ، أي أنها تعمل على تحليل مفاهيم الخطاب الأدبي أو الفني وفقاً للرؤية المتاحة ضمن سلطة القارئ هذا من ناحية ومن ناحية أخرى تعمل على تحليل المفاهيم والمصطلحات والرموز المتضمنة في النص المكتوب وفقاً للانتماء البيئي والخلفيات الإرثية والاجتماعية للنص المكتوب ، أي أنها تعمل على تحليل البنية الشكلية للنص من خلال منظورين في آن واحد ، منظور القارئ ومنظور النص ، لأن هكذا عملية تؤدي إلى خلق بيئات مشتركة ما بين القارئ والنص كتبشير أولي بحالة القراءة ، وكذلك إزاحة الستار عن البنيات الهيكلية في كلا المنظومتين الإرثيتين للقارىء والنص معاً مما يدفع بالقارىء إلى بحث ماهية المفاهيم المشتركة ضمن البيئة الجديدة التي احتوت عناصر دلالية تنتمي لكل من بيئة القارئ وبيئة النص ، ويمكن تسمية هذه الوحدة ضمن المنظومة التحليلية بالوحدة التعريفية التي تسبق وحدة التشكيل ، ووحدة التشكيل يمكن تعريفها على أساس أنها الورشة الفنية التي تعمل من خلالها آليات سلطة القارئ في خلق قولب فنيةّ تسهم في دراسة البنى الداخلية للنص ، لأن القراءة الاستنطاقية بمستوييها البنيوي والتفكيكي تعمل على تحديد وتشخيص البنى الداخلية للنص ومن ثم تفكيكها ورسم ملامحها المعرفية والمرجعية ، وحتى يكون القارئ مهيّأ لاستقبال مثل هذه البنى يجب توفر قوالب فنية قادرة على احتواء هذه البنى وتحليلها ضمن سياقها اللغوي والسيميائي ، أي توفير إطار ميكانيكي لمفردات ربما تبدو غريبة بعض الشيء وغير مفهومة ، ووحدة التشكيل ضمن المنظومة التحليلية لسلطة القارئ توفر هذا الإطار الذي يتيح في فهم وتحليل مجموعة من الرموز والإشارات والدلالات مكتشفة ضمن الوحدة التعريفية ، ووحدة التشكيل ضمن المنظومة التحليلية تمثل بحق المرجل التكنيكي في قلب المنظومة ، المرجل الذي يعمل على تشظية مجموعة المفاهيم أو العلاقات والمرجعيات التي شكّلت هذا الرمز أو تلك الصورة ونقلها من المفهوم السميائي الخارجي إلى المفهوم المدلولي الأكثر شمولية ، أي إعادة تحليلها ضمن بيئة معرفية تنتمي لعوالم القارئ الذي يحاول إخضاعها لسلطته المعرفية ، وهذا الإخضاع يؤدي إلى تهيئة تلك الرموز والإشارات والبنى لعملية تأويل فنية منسجمة مع الرؤية التي تشكل مفهوم القارئ ، ومن هنا نلمس التباين في طرح رؤى مختلفة لقراءات مختلفة من قبل قرّاء مختلفين ، أو يمكن القول أن النص المنتَج وأقصد هنا نص القراءة يعتمد في تشكله على المنظومة الفكرية والمرجعية للقارىء ، إنما في السياق العام يخضع لسلطة معرفية تتضمن مجموعة منظومات ميكانيكية تعمل من حيث المبدأ التطويري على كشف وتمييز الملامح الخارجية للنص وكثيراً ما يسمّيها البعض بالملامح اللغوية ، ثم تعريف الوحدات الفنية التي تشكل النص مروراً بتحليلها إلى بنى وأنساق اعتماداً على الرموز والإشارات التي تمثل البعد الدلالي أو الدالات ، وصولاً إلى إعادة تشكيل هذه البنى ضمن تصورات وقناعات الرغبة التي تشكل سلطة القراءة .

تمثل منظومة المنهج الدليل المعرفي الذي يسهم في تشكيل الخطوط البيانية لتنفيذ سلطة القارئ إبتداءً من الفكرة الأولى أو الخطوة الأولى لعملية القراءة ، فالمنهجية تحكم عملية نمو القراءة وفق أسس منطقية بعيدة عن العشوائية ، وهذا يعني استثمار الأولويات التي تمثل المفاتيح الممكنة لسبر أغوار النص ، ويمكن تلخيص مفردات هذه المنظومة على أساس نموذج مضغّر لوحدة معرفية تسمى القراءة : المفردة الأولى التخطيط ، المفردة الثانية التعريف بمرجعيات القارئ ومرجعيات النص ، المفردة الثالثة تحليل النص ، المفردة الرابعة تصميم القولب الفنية المتوقع أن تحتوي المنتّج ، المفردة الخامسة تعميم التأويل المقترح لعملية القراءة ، والواضح من خلال هذا النموذج أن عملية القراءة تمارس بشكل تسلسلي من الخارج إلى الداخل ، أو بعبارة أخرى من خلال إحداثيين ، الإحداثي الأفقي ثم الإحداثي العمودي ، إذن منظومة المنهج تعمل بشكل آلي على توجيه جهود القارئ لتحري الملامح الخارجية المتمثلة بسلوكيات الشكل اللغوي ، دون الخوض في متاهات التحاور مع البنى الداخلية كخطوة أولى ، لضمان عدم تشتت القارئ وإحباط محاولة القراءة ، والشكل الخارجي كما هو معروف يمثل نقطة التلاقي الأولى مع القارئ ، ويرتبط بالبنى الداخلية بطريقة أو بأخرى من خلال مجموعة روابط لا يتم الكشف عنها إلا من خلال قراءة نسيج الشكل الخارجي وفي كثير من الأحيان تسهم الأنساق الخارجية في تحديد هويات نصوص كثيرة اعتمدت في تشكلها على التكوين اللغوي للشكل الخارجي ، قراءة الملامح الخارجية تؤسس لعملية القراءة ، لأنه يتم من خلالها تنفيذ الخطوة التالية ، أي تعريف الوحدات أو الأنساق اللغوية التي من خلالها يتم تحديد البنى الداخلية للنص وهنا ينفذ فعل التحليل الذي يؤسس لرسم ملامح التأويل المقترح . وعلى هذا الأساس يمكن فهم سلطة القارئ التي تمثل دراسة لوعي القارئ والنص معاً وفق منهجية علمية ترسم ملامح عملية معرفية إبداعية تسمى القراءة .


و بوركت أخي على طرح الموضوع


جمعة أبوعودة متصل الآن   رد مع اقتباس
قديم 08-10-2008, 04:38 PM  
افتراضي
#4
 
الصورة الرمزية جمعة أبوعودة
جمعة أبوعودة
(+قلم دائم الاحتراف+)
الانتساب: 2 - 3 - 2006
الإقامة: خانيونس
العمر: 49
المشاركات: 3,433
معدل تقييم المستوى: 15
جمعة أبوعودة has a spectacular aura about
التأويل والاكتشاف.. وسيلتان متناقضتان أم متكاملتان؟ كيف يصل المتلقي الي المعني في النصوص الحديثة؟ جدلية في استنباط الفكر وتداوله اشترك فيها الخراط والغيطاني وأبو النجا والسالم - زهرة زيراوي
هل يمكن اعتبار اللغة جسدا للنص؟.. أم أنها مجرد أداة للتعبير الادبي؟
هل ما يزال الحديث عن المعني مبررا في النصوص الحديثة؟ وهل يمكن الحديث الآن عن موت المعني؟
كيف يمكن مقاربة اللغة في المعني في النص الحديث انطلاقا من سؤال: التلقي/ القراءة؟
ــ ماذا لو قلت إن الذي أوقظ جذوة هذا السؤال الثاوي في ذاكرتي هو الملحق النظري ــ تصورات الروائي في مشروعه ــ للكاتب فاتح عبد السلام، والذي أنهي به روايته اكتشاف زقورة ، ففي احدي محطات هذه التصورات يثير الكاتب ما تأسست عليه مقولة عبد القادر الجرجاني (الالفاظ خدم المعاني) حيث أفضي به ذلك الي فهم متقدم للوصول الي امكانات توليدية للنصوص الادبية عبر تأويلات لا نهائية، لقد فرق ــ الجرجاني ــ بين (المعني) و(معني المعني) فقال إن (المعني) هو (المفهوم من ظاهر اللفظ، والذي تصل اليه بغير واسطة) في حين أن (معني المعني) هو (أن تعقل من اللفظ معني ثم يفضي بك ذلك المعني الي معني آخر).
يري فاتح عبد السلام أن (معني المعني) هو ما ينتج تحقيق تأويل استمراري، ومن الممكن تطوير تلك الادوات لتوليدات بكر مستمرة .
قادني هذا التعريف الي ما كنت قد قرأته يوما لمرغريت دوراس في كتابها ــ الكتابة ــ عن قصة الذبابة التي كانت تتابع الموت الذي يحتلها بالتدريج وتحاول ــ دوراس ــ أن تكتشف من أين ينبعث؟.. من أي ليل يأتي؟
وعندما وصلت صديقتها ميشيل بورت تقول دوراس أريتها المكان وأخبرتها أن ذبابة ماتت هنا في الساعة الثالثة وعشرين دقيقة، ضحكت ميشيل كثيرا. أصابها جنون الضحك، كانت علي حق.
ابتسمت حتي ينتهي هذا الموقف، لكنها استمرت تضحك. وأنا لم أرَ القصة مثيرة للضحك. تقول دوراس فموت ذبابة هو الموت، هو الموت في سعيه نحو نهاية ما للعالم، موسعا من رقعة السبات الاخير.
و(معني المعني) توضحه دوراس في الاخير عندما تقول:
لم أسرد من قبل موت الذبابة، مدته، بطأه، فزعها منه، حقيقته، تحديد ساعة موت الذبابة يؤاخيها بالانسان، بالشعوب المستعمرة بالكتلة الهائلة من المجهولين في العالم، المنعزلين، أبناء العزلة الكونية. فالحياة موجودة في كل مكان، من البكتيريا حتي الفيل .
عند فاتح (معني المعني) هو ذلك الذي ينتج تحقيق تأويل استمراري لا نهائي. وعند دوراس: هو ما يقود الكتابة الي تلك الذبابة المحتضرة.
وتعني بذلك الي كتابة المروع في الكتابة. إذ أن توثيق الموت جعل بلوغه مستحيلا. منحه ذلك أهمية مطلقة، لقد منحه ــ باعتقادها ــ مكانا يعينه علي خريطة الحياة علي الارض.
ويشير فاتح في ملحقه النظري الي الريادة المبكرة لحازم القرطاجني والتي تتجلي في تلك العلاقة الدلالية المهمة بقوله في منهاج البلغاء وسراج الادباء: (إن المعاني صنفان: وصف أحوال الاشياء التي فيها القول، ووصف أحوال القائلين او المقول علي ألسنتهم، وأن هذه المعاني تلتزم معاني اخري تكون متعلقة بها وملتبسة معها، وهي كيفيات مآخذ المعاني ومواقعها من الوجود او الغرض او غير ذلك، ونسب بعضها الي بعض، ومعطيات تحديداتها وتقديراتها، ومعطيات الاحكام والاعتقادات ومعطيات كيفيات المخاطبة).
وبديهي أن هذا ما ينعش آلية التأويل، وهذا ايضا ما جعل الاديب ادوارد الخراط يبدي خوفه قائلا: ... إن العمل قد يكون ناصع الوضوح عند متلق، ومستغلقا عند آخر لم يتعلم التلقي، فماذا نتوقع من أمي سيئ الحظ أمام كتاب مفتوح؟!
وهذه الرؤي تلتقي كلها مع توني موريسون إذ تقول: إن الخيال الذي ينتج عملا يتحمل ويستدعي القراءات، والذي يتحرك نحو قراءات مستقبلية بالاضافة الي قراءات مغامرة، يتضمن عالما قابلا للمشاركة ولغة لا نهائية المرونة .
وتعيدنا هنا توني موريسون الي مارغريت دوراس وصديقتها ميشيل بورت الي جنون الضحك الذي أصاب ميشيل، الي صلابة اللغة وموتها، والي انعتاقها ومرونتها مع دوراس إذ موت ذبابة هو الموت، هو الموت في سعيه نحو نهاية ما للعالم موسعا من رقعة السبات الاخير.
وفي الحوار الذي أجريناه مع الاديب جمال الغيطاني بمجلة أخبار الادب جاء في حديثه: ان اللغة حالة، بمعني أنني أتأهب لكل عمل روائي بحالة لغوية مختلفة تبدأ بمجرد ولوجي الكتابة.
ومع ماكر النقد العربي المعاصر ابو المعاطي ابو النجا تتساقط كل الالتباسات عندما يطرح اسئلته الواعية عن كيفية هذا الاختلاف بين سؤالي: اللغة والمعني وعن تشكيل الالفاظ والصيغ والانساق باختلاف الوظائف المتعددة التي تستخدم فيها اللغة:
أهي للتفاهم اليومي العادي بين الافراد؟
أهي للإعلام والتأثير علي الجماعات والافراد؟
أهي لتشكيل صيغ جمالية وفنية خالصة للتأثير الجمالي؟
أهي للتأثير الجمالي والمعرفي والثقافي بعامة؟
تري ألا يلتقي مع هؤلاء جميعا الفنان الشاعر سمير السالمي عندما يقول: الشعر هو قبل كل شيء إحساس تجربة الذات التي تتخطي حدود الفهم، والتفسير والتأويل، حدود المعني والدلالة لتقترن بمجاهيل الإحساس والحدس.
أليست مجاهيل الإحساس والحدس هذه التي تحدثت عنها دوراس في قصتها عن الذبابة إذ عندما أصاب ميشيل بورت جنون الضحك كانت تفكر هي في الذبابة التي تعرضت لجنازات سرية ذكرتها بموت الانسان، بالشعوب المستعمرة، بالحروب، بالكتلة الهائلة في هذا العالم من المجهولين والمهمشين والمنعزلين أبناء العزلة الكونية.

الروائي جمال الغيطاني:
أتأهب لكل عمل روائي بحالة لغوية مختلفة

اللغة عندي حالة وليست اسلوبا، هل يمكن اعتبار اللغة جسدا للنص او مجرد أداة في التعبير الادبي؟ أعتقد أن الاثنين معا، كلاهما صحيح، لأنه لا يمكن للنص أن يخرج، او أن يصل بدون لغة وإلا أصبح مجرد فراغ، مجرد هباء، اللغة هي أداة للتعبير عامة وللادبي خاصة وتلك هي لب المسألة، بالنسبة لي فمنذ البداية كان صراعي امتلاك اللغة، كيفية التعبير عن الصورة، عن المعني، مشكلة الكتابة تجول في الذهن كأفكار وكرؤي، وأحاسيس، وموضوعات لا يتم تجسيدها إلا باللفظ إما منطوقا او مكتوبا، فإذا كان منطوقا تكون المسافة ما بين المحتوي الموجود في ذهن الكاتب وبين لسانه أقصر، لكن إذا كان مكتوبا تكون أطول لأن الكلام يخرج مادة جامدة هي المداد، وهناك فرق كبير ما بين تدفق الكتابة وبين تدفق الرؤي والمشاعر، والاحاسيس، وفي تقديري أن الصراع كله كان يدور بين ما يدور في ذهني وفي عقلي وما يعبر من بين أناملي عبر أربعين سنة من الكتابة، وهذا هو جوهر الصراع في الحقيقة. انه تقصير تلك المسافة عسانا نتمكن من النقل المباشر والسريع لما يمضي في الداخل، وتقصير تلك المسافة حتما لا يتم إلا بالسيطرة علي وسائل اللغة وامتلاك ناصيتها.
ومع الزمن بدأت أحاول تأكيد خصوصيتي من خلال اللغة المتاحة، وقد انتهيت الي أن الاستقرار علي أنماط معينة او أشكال قارة أمر لا أطيقه، ولذلك قلت: إن اللغة حالة بمعني أنني أتأهب لكل عمل روائي بحالة لغوية مختلفة تبدأ بمجرد ولوجي الكتابة، فمثلا روايتي: الزيني بركات كتبتها بلغة القرن السادس عشر وعندما انتهيت منها انتهيت من حالة لغوية لم يكن طبيعيا أن تكتب بها رواية وقائع حارة الزعفراني، فلو كتبت وقائع حارة الزعفراني بالحالة اللغوية التي كتبت بها الزيني بركات لأصبح الامر ــ ربما ــ مضحكا.
والتجليات استلزمت مني حالة لغوية مختلفة، ومع الزمن أصبح لدي عمق في التجربة اللغوية. تجلي ذلك واضحا في رواية شطح المدينة، لأنه مثلا في التجليات كانت المرجعية للحالة اللغوية التي اشتغلت عليها هي الفتوحات المكية لابن عربي، وفي الزيني بركات كانت حالة مرجعية اخري هي بدائع الزهور في وقائع الظهور لابن إياس وهكذا.

الروائي إدوار الخراط
وماذا نتوقع من أمي سيئ الحظ؟!
لنبدأ اولا بالنفي، لا اعتقد ان اللغة في العمل الادبي علي الاخص مجرد اداة، فهي هنا ليست للاخبار او الابلاغ او التوصيل او ما يجري في هذا المجري لكنها لغة الايحاء والصور، والمجاز ايضا في احايين اخري، الالماح الي مستويات عديدة من الدلال، خاصة في الشعر علي وجه التحديد، ومن ثمة فلا اتصور انه من الممكن وقوع فصل حاد او حتي تفرقة تقريبية بين اللغة وطاقاتها بين المفردة وشحنتها بين الجملة والعبارة والفقرة، والعمل الكلي وما نقول ان التعبير لفظة واحدة او حتي تغيير موقفها في العبارة، بل ان الفاصلة او النقطة تؤدي الي تغيير في موسيقية العمل وهي الموسيقية التي اراها لصيقة بالعمل الادبي، بل العمل الادبي الفني كله، سواء كان ذلك في الشعر باعتباره قصيدا مستقلا، او بالشعر الذي يسري داخل العمل النثري مسري الانفاس او الدماء الخفية احيانا، او كان ذلك في العمل النثري البحت لا اتصور انه يخلو من شعرية ما علي اية حال، من هنا فان الموسيقية في العمل الادبي وفي اللغة بالذات عنصر اراه حيويا، اذ ان تلك الموسيقية قد توحي بمجرد الجرس الصوتي وبمجرد الايقاع النغمي بما قد لا تستطيع الكلمة المعجمية ذات المعني المحدد ان تنهض به.
واتصور ان المعني مصطلح اكتسب من التراكم التاريخي في تراثنا ما قد ينأي به عما نقصد الان بعد ان اتسع نطاق النظر النقدي الحديث الي افاق لعل القدماء لم يشار نحوها ولم يلمحوا منها الا القليل، اي ان المعني الان يوحي بتلك التفرقة التي عرفها فقهاء اللغة القدماء، بين اللفظ والمعني وهي تفرقة اوقن انها لم يعد لها الان معني، اي انها ليست صحيحة، ولكن ذلك لا يعني ان الحقل الدلالي المركب المتعدد المستويات الذي يمكن ان تشير اليه مفردة المعني القديمة يقتصر علي ميوعة هلامية او علي فوضي غير محاط بها ولو كان ذلك بالايماء، او بالايحاء، اقصد ان الدلالة هنا قد تفي بالغرض في هذا المقام، ولو كان ذلك في سياق النقد او التحليل ولكنني لا افهم ذلك الفصل او تلك التفرقة في سياق خبرة التلقي الحميمة التي تقع بين النص وقارئه، ومن ثمة فان الحديث عن موت المعني يصبح اقرب الي لغو لا معني له.
لعلني اتصور ما يقصد بهذه العبارة هو ان التبليغ او الاخبار، او التحديد قد عفا عليه الزمن في النص الادبي وانه لم تعد ثمة معان مدورة مغلقا عليها كالدر المنثور مثلا كما كان ذلك دأب القدماء او معظمهم علي الادق في تراثنا، بل علي العكس اني اتصور ان المجال الدلالي للعمل الادبي منصهرا انصهارا عضويا بصياغته التشكيلية قد اتسع مداه وبلغ اشواطا ابعد واعمق في رؤية الكون والحدس برؤية النفس.
اما عن كيف يمكن مقاربة اللغة والمعني في النص الحديث انطلاقا من سؤال التلقي / القراءة؟
بطبيعة الحال اتصور ان سؤال التلقي / القراءة هو الي ميدان علم اجتماع الادب، هذا هو الاقرب، واتصور انه لا امكانية لمقاربة هذا السؤال الا استنادا علي معطيات علمية احصائية موثقة عبر الاستبصارات الاجتماعية المعروفة، ما نملكه الان هو ان نحدس اجابات تقريبية، فالتلقي كما هو واضح له مستويات عديدة، وهو يقع في دوائر مختلفة، هناك المتلقي المثقف بالمعني الدقيق والعارف بامكانات النص التعبيرية والماحاته الي طقوس اخري حاضرة كانت او غائبة، هذا المتلقي يختلف تماما عن المتلقين الاوساط الذين لهم المام علي نحو ما يتسع او يضيق بالنصوص الادبية والاعمال الفنية ولهم دربة ما علي تذوقها.
اخيرا وبشكل تقريبي هناك ما يسمي بالجمهور العريض الذي يكون قليل الدراية علي التذوق الادبي او الفني.
انا موقن ان العمل الحق القائم علي موهبة وعلي مقدرة سوف يصل الي المتلقي بدرجات مختلفة وعلي هذا الاساس يمكن ان ننظر الي مسألة اللغة والدلالة باعتبارها مسألة بحاجة الي كثير من التقصي، والفحص العلمي، والاجتماعي الموثق، واظن ان ما اصطلح علي تسميته بالغموض في العمل الادبي الحداثي خاصة يدخل في هذا السياق حتي منذ القديم كان الغموض امرا نسبيا والعمل قد يكون ناصع الوضوح عند متلق ومستغلقا عند اخر لم يتعلم التلقي، فماذا نتوقع من امي سييء الحظ امام كتاب مفتوح؟!

القاص أبو المعاطي أبو النجا
عن تطور اللغة
والوجود المستقل خارج اللغة وداخل الذات
اذا صح فهمي لهذا السؤال فان الذين يعتبرون اللغة جسدا للنص يرون ان المرجعية الاساسية في التفسير يجب ان تبقي في حدود ما هو موجود في النص من تشكيل مادته اللغوية. انهم يرفضون ان نستخدم النص فقط كمجرد دليل او وثيقة لفهم وقائع المجتمع او جوانب من شخصية الكاتب او في بيئته وظروفه، فالتركيز النقدي عندهم يجب ان يبقي متوجها الي البحث عن القيم الجمالية كما تظهر من خلال التشكيل اللغوي للنص باعتباره كيانا عضويا له نوع من الاستقلال، وباعتباره حلقة في تطور اللغة التي ينتمي اليها النص. فالنص ينتمي الي النصوص المشابهة في ماضي اللغة مثلما ينتمي الي النصوص المشابهة في حاضرها. اما الذين يرون ان اللغة مجرد اداة للتعبير الادبي فهم يرون ان التجربة الادبية لها نوع من الوجود المستقل خارج اللغة وداخل الذات وانها لا تتجلي في صورتها الادبية الا حين يتم استخدام اللغة كأداة للتعبير عن هذه التجربة وكان ثمة مسافة مفترضة بين الاداة والهدف الذي تستخدم اللغة تحقيقه او الوظيفة التي تقوم بها هذه الاداة، والاختلاف بين النظريتين يعود في جذوره العميقة الي نظرة كل من الفريقين لنشأة اللغة ومناحي تطورها عبر الثقافات المختلفة.. وطرق تكوينها كألفاظ او كصيغ او كأنساق وكيف يختلف استعمال وتشكيل هذه الالفاظ والصيغ، والانساق باختلاف الوظائف المتعددة التي تستخدم فيها اللغة: هل هي للتفاهم اليومي العادي بين الافراد؟ ام للاعلام والتأثير علي الجماعات والافراد؟
ام لتشكيل صيغ جمالية وفنية خالصة للتأثير الجمالي الخالص؟ ام للتأثير الجمالي والمعرفي والثقافي بعامة؟
اما عن سؤال هل ما يزال الحديث عن المعني مبررا في النصوص الحديثة؟ وهل يمكن الحديث الان عن موت المعني؟ خصوصا في الشعر الحديث؟
ان اشكالية الحديث عن المعني في النصوص الادبية ليست حديثة فهي لا تبدأ مع النصوص الحديثة وحدها فقديما كانوا يقولون: المعني في بطن الشاعر ولكنها برزت بقوة مع تطوير مناهج البحث في علوم اللغة وفي علم الدلالة مما ادي الي زعزعة المركز الواحد الذي يمكن أن يتوقف عنده مسلسل الدلالات، ومهما يكن الرأي في المشكلات التي يثيرها تصور هذه المناهج فان الحديث عن صوت المعني نوع من المبالغة المقصودة للتأكيد علي ان الذي مات فعلا هو ان يكون للنص الحديث معني واحدا، هو المعني الصحيح في اطار تشكيل لغوي ادبي بذاته او هو المعني الذي يقصده الشاعر او الكاتب.
سيبقي للنص اكثر من تفسير، وللدلالة اكثر من معني لان الخبرة الانسانية التي يبثها النص الادبي سيفسرها كل قاريء في ضوء خبراته الانسانية والثقافية والحياتية واللغوية ايضا، اما موت المعني كلية فامر غير وارد الا اذا افترضنا موت اللغة نفسها، وبالتالي موت التواصل الانساني، واظن ان الامر انذاك سيكون نهاية الحياة، وليس مجرد نهاية التاريخ كما يقولون.



و للمزيد من التوضيح يمكن تحميل دراسة حول القراءة والتأويل الأدبي وقضاياها

حمل من هنا

و دمتم بخير
جمعة أبوعودة متصل الآن   رد مع اقتباس
إضافة رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)

 
أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

اذكر الله ...


الساعة الآن 11:19 PM بتوقيت القدس